درعا تختبر شعار “الإعمار عبر الاستثمار”: هل تتحول مطالب التجار إلى سياسات؟

الكاتب: أحمد علي
لا يبدأ الاستثمار من لافتة على باب اجتماع، ولا من شعار واسع يصلح لكل المحافظات. يبدأ حين يعرف التاجر أن سوقه مضاء وآمن، وحين يعرف الصناعي أن الكهرباء والطريق والمصرف والترخيص ليست عقبات يومية، وحين يشعر صاحب الورشة أن العودة إلى العمل لا تعني العودة إلى الخسارة نفسها. في درعا، حيث تراكمت آثار الحرب على الأسواق والمنطقة الصناعية والخدمات، يبدو شعار “الإعمار عبر الاستثمار” أقرب إلى امتحان محلي مباشر. هل تتحول مطالب التجار والصناعيين إلى سياسة، أم تبقى جزءاً من لغة الاجتماعات؟
من شعار الغرفة إلى حاجات السوق
دعت غرفة تجارة وصناعة درعا إلى عقد اجتماع هيئتها العامة السنوي في 2 حزيران 2026 تحت شعار “الإعمار من خلال الاستثمار”، برعاية محافظ درعا أنور طه الزعبي، وبحضور مسؤولين في وزارة الاقتصاد واتحاد غرف التجارة. وبحسب الدعوة المنشورة، يهدف الاجتماع إلى مناقشة خطط الغرفة المستقبلية، وتقييم أداء القطاعين التجاري والصناعي، وبحث سبل تفعيل الاستثمارات بما يدعم الإعمار والتنمية الاقتصادية في المحافظة.
العنوان مهم، لكنه ليس كافياً. فدرعا لا تحتاج إلى إعلان نية بقدر ما تحتاج إلى تفكيك ما يمنع الاستثمار أصلاً. في مطالب سابقة للتجار والصناعيين ظهرت قضايا شديدة العملية: تأهيل الأسواق، إصلاح الإنارة، توفير الحراسة، إزالة الأبنية المتضررة والآيلة للسقوط، إعادة الخدمات المصرفية إلى قلب السوق، وترميم شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والهاتف. كما حضرت مطالب إقامة مدينة صناعية وتخفيض كلفة حوامل الطاقة.
هذه ليست تفاصيل خدمية هامشية. هي الحد الأدنى لعمل السوق. التاجر لا يفتح محله في شارع معتم، والصناعي لا يشغل آلة بلا كهرباء مستقرة، والمستثمر لا يضخ مالاً في بيئة لا يعرف فيها كلفة الترخيص ولا مدة الانتظار ولا الجهة التي تتابع المشكلة عند أول تعطل.
لذلك يبدو السؤال أعمق من اجتماع غرفة التجارة. هل تستطيع الإدارة المحلية والوزارات المعنية ترجمة المطالب إلى جدول عمل؟ ومن يحدد الأولويات؟ وهل يبدأ الإعمار من الأسواق القائمة، أم من مشاريع أكبر مثل المدينة الصناعية والمعابر؟
الاستثمار لا يتحرك بلا بنية
تملك درعا ميزة لا تصنعها القرارات وحدها. موقعها الجنوبي، وقربها من الأردن، واتصالها الطبيعي بطريق التجارة نحو الخليج، يمنحها وزناً لا يمكن تجاهله. وهي في الوقت نفسه محافظة زراعية وتجارية وصناعية، ما يجعلها قابلة لأن تكون عقدة إنتاج وعبور لا مجرد سوق محلية محدودة. لكن هذه المزايا لا تتحول إلى اقتصاد فعلي إذا بقيت البنية الخدمية متعبة.
طرح إعادة تأهيل وتشغيل معبر درعا القديم مثال واضح. غرفة التجارة ربطت هذا الملف بإحياء الحركة مع الأردن، وتنشيط أسواق درعا البلد والرمثا، وتسهيل حركة البضائع والمسافرين والزيارات العائلية. المعبر هنا ليس بوابة جغرافية فقط. هو سلسلة كاملة: نقل، تخزين، محال، خدمات، عمال، ومداخيل محلية صغيرة تتجمع لتصنع حركة أوسع.
لكن فتح المعبر لا يكفي إذا بقيت المنطقة الصناعية تعمل بأقل من طاقتها. تقارير محلية تحدثت عن عودة بعض أصحاب الورش إلى منشآتهم بعد سنوات من الإغلاق والقيود، لكنها أشارت أيضاً إلى خسائر كبيرة. بعض المنشآت فقدت معداتها، وبعضها يحتاج إلى تمويل لا يملكه أصحابه، وبعضها ينتظر كهرباء وأماناً وسوقاً قادرة على الشراء. فتح الباب لا يعني أن الإنتاج عاد.
أما مشروع المدينة الصناعية في درعا، فقد بقي في دائرة الدراسات والتحضيرات رغم الحديث عن صيغ استثمارية مثل البناء والتشغيل ونقل الملكية. هذا المشروع يمكن أن ينقل جزءاً من النشاط الصناعي من الورش المتفرقة إلى بيئة منظمة، لكنه ما زال يواجه سؤال التنفيذ. كل سنة تأخير تعني بقاء الصناعي الصغير وحيداً أمام كلفة التشغيل، وارتفاع الطاقة، وضعف التمويل، ومخاطر السوق.
من المطالب إلى سياسة قابلة للقياس
تحويل مطالب التجار إلى سياسات لا يعني الاستجابة لكل شيء دفعة واحدة. هذا غير واقعي. لكنه يعني أن يصبح لكل مطلب مسار واضح. ماذا سيُرمم أولاً؟ من سيمول؟ متى تعود الخدمات المصرفية إلى مواقعها الحيوية؟ ما الإجراء العملي لخفض كلفة الطاقة؟ وكيف ستُختصر الموافقات أمام المستثمر الصغير قبل المستثمر الكبير؟
في شباط 2026، ناقشت لجنة “إنجاز”، بالتعاون بين محافظة درعا ووزارة الأشغال العامة والإسكان، ملفات مرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار، من تقييم الأضرار والمشاريع المتعثرة، إلى تحديث المخططات، وتعديل بعض البلاغات والتعاميم بما ينسجم مع الواقع الحالي. هذا النوع من اللجان يمكن أن يكون مفيداً إذا نقل الملفات من الورق إلى الشارع. أما إذا بقي منصة نقاش، فسيضيف طبقة جديدة إلى المشكلة لا حلاً لها.
الثقة هي المسألة الأثقل. التاجر الذي خسر سنوات من العمل لا يعود بمجرد دعوة إلى الاستثمار. يريد أن يعرف أن التعليمات لن تتغير كل أسبوع، وأن الرسوم واضحة، وأن الكهرباء ليست وعداً بعيداً، وأن السوق لن تُترك في الظلام بعد الافتتاح. ويريد أيضاً أن يشعر أن الدولة لا تطلب منه إعادة الإعمار منفرداً، ثم تتركه أمام البيروقراطية وكلفة التشغيل.
القطاع الخاص يمكن أن يكون شريكاً أساسياً في الإعمار، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة. الاستثمار يحتاج إلى طرق وكهرباء وماء وأمن وقضاء ومصارف. هذه ليست كماليات. إنها شروط الإنتاج. وإذا غابت، تحول شعار “الإعمار عبر الاستثمار” إلى تحميل ضمني للتجار مسؤولية لا يملكون أدواتها.
قد تكون فرصة درعا حقيقية. موقعها، وغرفتها التجارية، وأسواقها، والمنطقة الصناعية، والمعابر، كلها عناصر قابلة للبناء عليها. لكن الفرصة لا تكبر بالشعار وحده. تكبر عندما تتحول المطالب إلى خطة معلنة، وعندما يُقاس التقدم بما تغيّر فعلاً في السوق والمنطقة الصناعية والمعبر والخدمات. عندها يصبح الاستثمار طريقاً للإعمار. أما قبل ذلك، فسيبقى عنواناً جيداً يصف الاتجاه، لكنه لا يضمن الوصول.
اقرأ أيضاً: خضار درعا الصيفية.. هل تنخفض الأسعار فعلاً؟









