دراسة علمية حول أسباب قلق الامتحانات وطرق التعامل معه لدى الطلاب

بقلم هلا يوسف
يعيش الكثير من الطلاب هذه الأيام أجواءً لا تخفى على أحد، فطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية يمرون بفترة امتحانات مهمة تحمل معها الكثير من التوتر والانتظار والضغط النفسي، وبين مراجعة الدروس ومحاولة تثبيت المعلومات يبقى القلق مسيطراً عليهم حتى لو لم يقال بصوت واضح. ومع بدأ موسم الامتحانات لطلاب الجامعات عقب انتهاء امتحانات طلاب المدارس، كان من المهم التوقف قليلاً عند هذا الشعور الذي يرافق أغلب الطلاب، وهو قلق الامتحانات، ليس فقط لفهمه، بل لمعرفة كيف يمكن التعامل معه بطريقة تخفف من أثره وتساعد الطالب على تقديم أفضل ما لديه دون أن يستهلكه الخوف أو يربكه التوتر.
لذلك جاءت الدراسة التي أجرتها جامعة كولومبيا على طلابها لتبين حجم القلق والتوتر الذي يتعرض له الطلاب خلال فترة الامتحانات، وتكشف لنا سبل التعامل مع هذا القلق حتى لا يؤثر على النتائج والتحصيل الدراسي.
لماذا يزداد قلق الامتحانات عند الطلاب؟
يرى الباحث وأستاذ علم النفس والتربية في جامعة كولومبيا الأمريكية في كلية المعلمين “بين لوفيت” أن قلق الامتحانات أصبح جزءاً شائعاً من تجربة الطلاب اليوم. وهو يوضح أن هذا القلق لا يظهر فقط كتوتر بسيط، بل قد يؤثر على طريقة تفكير الطالب وسلوكه. فبعض الطلاب يبدأون بتأجيل المذاكرة، أو يكررون قراءة الدروس دون اختبار أنفسهم، وهو ما يجعل الاستعداد للامتحان أقل فاعلية.
ويضيف أن بعض الحالات قد تكون أكثر حدة، حيث يتجنب الطالب المواد الدراسية التي تسبب له القلق، أو حتى يفكر في تغيير تخصصه الدراسي بالكامل بسبب الخوف من الامتحانات. ورغم ذلك، يشير إلى أن بعض الطلاب قد يحققون درجات جيدة رغم قلقهم، لكن المشكلة الحقيقية تحدث عندما يتحكم هذا القلق في قراراتهم اليومية.
ويؤكد لوفيت أن هذا الوضع ازداد بشكل ملحوظ منذ عام 2012، حيث ارتفعت معدلات القلق بين طلاب الجامعات بشكل واضح، كما جاءت جائحة كورونا لتزيد الأمر تعقيداً، لأن الاختبارات انتقلت إلى الإنترنت، وظهر قلق جديد مرتبط بالمشاكل التقنية، ثم واجه الطلاب صعوبة في العودة إلى نظام الامتحانات التقليدية بعد فترة التوقف.
توضح الدكتورة في علم التربية من جامعة دمشق منى كشيك أن قلق الامتحانات لا يمكن النظر إليه كحالة بسيطة يمر بها الطالب وينتهي أثرها مع انتهاء الاختبار، بل هو حالة تتشكل تدريجياً داخل البيئة التعليمية نفسها. فكلما زاد الضغط على الطالب للحصول على علامات عالية، وكلما ارتبطت قيمته الذاتية بنتيجته في الامتحان، ازداد مستوى القلق لديه بشكل أكبر. وتشير إلى أن الطالب في هذه الحالة لا يعود ينظر إلى الامتحان كوسيلة لقياس التعلم فقط، بل كخطر يهدد مستقبله، وهذا ما يجعل ردود فعله مبالغاً فيها أحياناً مثل التوتر الشديد أو تجنب الدراسة أو فقدان التركيز أثناء المراجعة.
بينما تقول الأخصائية العلاجية الدكتورة هبة عوض الرزوق أن القلق الشديد لا يبقى محصوراً في الجانب النفسي فقط، بل قد يمتد ليؤثر على الجسد والسلوك بشكل واضح. فهي تشير إلى أن بعض الحالات الشديدة قد تظهر فيها أعراض مثل الأرق المستمر، وفقدان الشهية، والتململ، وفرط النشاط، وزيادة الاستثارة، وقد تتطور في حالات نادرة جدًا إلى اضطرابات إدراكية شديدة مثل الهذيان أو الهلوسة المذعورة.
كما توضح أن بعض المواد المنبهة مثل “الأمفيتامينات” قد تستخدم بشكل خاطئ من قبل بعض الطلاب بهدف زيادة التركيز، لكنها تحمل آثاراً خطيرة على الجسم، حيث قد تسبب جفاف الفم وتقرحات في الشفتين والفم، وتوسع حدقة العين، وارتفاع الحرارة، والصداع، واحمرار الوجه، والتعرق، بالإضافة إلى ارتفاع ضغط الدم واضطراب نبضات القلب. وتؤكد أن الاستمرار في استخدامها قد يؤدي إلى مضاعفات أخطر مثل اضطراب في التنفس والدورة الدموية، وصولاً إلى الإرهاق الشديد والاكتئاب بعد انتهاء مفعولها، وفي بعض الحالات النادرة قد تظهر مضاعفات خطيرة تمس الكلى أو الجهاز العصبي أو القلب.
ماذا تقول الدراسات عن حجم المشكلة؟
في دراسة أجراها لوفيت عام 2024 على ما يقارب 3000 طالب في جامعة حكومية كبيرة، طلب من الطلاب الإجابة على استبيان يقيس أعراض القلق لديهم. وكانت النتيجة لافتة، إذ إن حوالي 99% من الطلاب ذكروا أنهم يعانون من عرض واحد على الأقل من أعراض القلق، بينما نسبة صغيرة جدًا بلغت 1% فقط قالت إنها لا تعاني من أي أعراض.
وقد أظهرت الدراسة أن أغلب الطلاب يشعرون بعدم الراحة وصعوبة في التركيز عندما يفكرون في الامتحانات أو الدرجات. وهذا يعني أن القلق لم يعد حالة فردية بل أصبح تجربة مشتركة بين معظم الطلاب، وهو ما ينعكس على أدائهم الدراسي بشكل مباشر.
كيف يمكن التعامل مع قلق الامتحانات؟
يشير لوفيت إلى أن قلق الامتحانات قد يبدو أحياناً مبرراً، لأنه مرتبط بمواقف ضغط حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يصبح مشكلة عندما يدفع الطالب إلى سلوكيات تقلل من فرص نجاحه. وهنا تظهر أهمية التدخل المبكر والدعم النفسي المناسب.
ويشارك في هذا المجال أيضاً الباحث والمحاضر في الطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد آليكس جوردان، حيث عمل مع لوفيت على تطوير أفكار علاجية تعتمد على أساليب علمية واضحة تم نشرها في كتابهما المشترك “التغلب على قلق الاختبار”. هذا الكتاب يقدم طرقًا عملية تساعد الطلاب والمعلمين على فهم القلق والتعامل معه بدل الهروب منه.
ومن بين الأساليب التي يتم التركيز عليها فكرة “التعرض التدريجي”، وهي تعني أن يتعلم الطالب مواجهة الإحساس بالقلق بشكل آمن حتى يدرك أن الأعراض الجسدية مثل تسارع ضربات القلب ليست خطيرة بحد ذاتها. كما يتم استخدام تمارين بسيطة مثل التنفس العميق أو الاسترخاء العضلي، وقد أظهرت دراسة قديمة عام 2010 أن الطلاب الذين تدربوا على التنفس العميق لمدة خمسة أسابيع فقط انخفض لديهم مستوى القلق بشكل واضح.
بينما ترى الدكتورة كشيك أن الحل لا يكون فقط في توجيه الطالب، بل أيضاً في إعادة بناء طريقة التعامل مع التقييم داخل المدرسة بحيث يصبح الامتحان جزءاً طبيعياً من عملية التعلم وليس مصدر تهديد.
في النهاية، تعد الامتحانات جزءاً من مسيرة كل طالب، ومعها سيبقى القلق حاضراً بشكل أو بآخر، خصوصاً في الأيام التي تسبق الاختبار. لكن هذا القلق مهما بدا مزعجاً لا يعني أن الطالب غير قادر، ولا يعني أن النتيجة محسومة مسبقاً. لذلك ما يحتاجه الطالب غالباً ليس أن يلغى القلق تماماً، بل أن يتعامل معه بهدوء حتى لا يتحول إلى عائق يمنعه من المذاكرة أو يشتته أثناء الامتحان مثلما ظهر في دراسة جامعة كولومبيا. ومع الوقت والتجربة، يدرك كثير من الطلاب أن الشعور بالتوتر كان أكبر من حجمه الحقيقي.
اقرأ أيضاً: دراسة علمية حول دور الجلد والشيخوخة في تطوير أبحاث إطالة العمر









