دراسة علمية: الآباء المنشغلون بهواتفهم أطفالهم يشعرون بعدم الآمان

تغيرت الحياة كثيراً مع اختراع الهواتف المحمولة ودخول الإنترنت في تفاصيل الناس، حتى بات من يستخدم هاتفه المحمول يفقد حاسة السمع تماماً، ليس لأنه لا يسمع، بل لأن كامل عقله وتركيزه منشغلان به. وهذا الانعزال العقلي يؤثر بشكلٍ كبيرٍ في العلاقة بين الآباء والأطفال. فتخيل أن تترك طفلك يتحدث إليك وأنت تتجاهله وتنشغل بالهاتف! هذا التصرف جعل كثيراً من الخبراء النفسيين يدرسون تأثيره في الطفل وسلوكه، حتى توصلوا إلى نتائج تفيد بأن الطفل يفقد الإحساس بالأمان عندما ينشغل والداه بهواتفهما. ومع ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا، والذي بلغ بحسب تقرير DataReportal نحو 9.25 ملايين شخص في عام 2022، أصبح من الضروري أن نعرف كيف يؤثر الإنترنت في علاقتنا بأطفالنا.
عندما يشعر الطفل أن الهاتف أهمُّ منه
قد تقول بينك وبين نفسك إن ساعتين أو ثلاث ساعاتٍ في اليوم لتصفح الإنترنت لا تؤثر في شيء، لكن الأطفال ينظرون إلى الأمر بطريقة مختلفة. فقد كشفت دراسةٌ نُشرت عام 2026 في مجلة Frontiers in Psychology أن انشغال الوالدين المستمر بالهواتف الذكية قد يؤثر في الصحة النفسية للأبناء، خاصة خلال مرحلة المراهقة.
وشملت الدراسة 600 طفل أمريكي تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً، وسُئلوا عن سلوك آبائهم مع الأجهزة الإلكترونية. قال بعضهم إن والديهم لا ينتبهون لهم في المناسبات الاجتماعية بسبب الهاتف، بينما شعر آخرون بالغضب عندما يرفض الأب أو الأم ترك الجهاز، حتى في الأوقات التي يُفترض أن تكون مخصصة للعائلة. والأصعب من ذلك أن بعض الأطفال شعروا وكأن الهاتف أصبح أهم منهم.
كيف يترك الهاتف أثراً في نفسية الأبناء؟
قد لا تلاحظ أنت ذلك، لكن طفلك يلاحظ كل شيء. فعندما يلجأ الطفل إلى والده أو والدته ليحكي لهما عن يومه، ويجد عيونهما معلقة بالهاتف، وعقلهما مشدوداً إلى الشاشة، يتولد لديه شعورٌ بأنه غير مهم.
وأظهرت الدراسة أن الأطفال الذين يقضي آباؤهم وقتاً طويلاً أمام الشاشات أكثرُ عرضة من غيرهم لمشاعر الرفض والتجاهل والعزلة، بل إن بعضهم شعر بالغيرة لأن الهاتف يحصل على اهتمام أكبر منه. ويرى الباحثون أن هذه المشاعر قد تؤدي إلى ما يسمى “بالتعلق غير الآمن”، وهو شعورٌ دائمٌ بعدم الأمان في العلاقة مع الوالدين.
لماذا تعد الطفولة مرحلة لا تعوض؟
يقول علم النفس إن السنوات الأولى من حياة الطفل تؤثر كثيرًا في شخصيته عندما يكبر. فعندما يشعر الطفل بالخوف أو الحزن، فإنه يبحث عن شخص يطمئنه، وغالباً ما يكون الأب أو الأم. وإذا وجد منهما اهتماماً واحتواء، تتكون لديه مشاعر الأمان والثقة.
ويصنف المختصون أنماط التعلق إلى أربعة أنواع: التعلق الآمن، والتعلق غير الآمن القلق، والتعلق غير الآمن المتجنب، والتعلق غير الآمن غير المنظم. ويعد التعلق الآمن الأساس الذي يساعد الطفل على بناء علاقات صحية مع الآخرين في المستقبل.
آثارٌ قد تمتد إلى مرحلة البلوغ
قد يبدو الأمر بسيطاً، لكن آثاره تستمر سنوات طويلة من عمر الطفل. فقد يؤدي التعلق غير الآمن إلى زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، كما قد يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس وصعوبة التحكم بالمشاعر وحل الخلافات.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد يواجه الشخص فيما بعد صعوبة في بناء علاقات مستقرة، أو يميل إلى العزلة، أو يتعرض للتنمر، أو يظهر سلوكاً عدوانياً، وفي بعض الحالات قد يكون أكثر عرضة للجوء إلى سلوكيات خطرة مثل تعاطي المخدرات.
في النهاية، الأطفال أمانة في أعناق الأهالي، والاهتمام الكامل يجب أن يكون لهم. والإنترنت مثل كثير من الاختراعات التي دخلت حياتنا، لكننا استخدمناها بطريقةٍ مبالغ فيها. لذلك يجب أن نتذكر شيئاً واحداً: أنت تبني ذكريات طفلك التي سيحكيها عندما يكبر، وأنت من تحدد كيف تريد له أن يتذكرك.
اقرأ أيضاً: بعد انتشار السكتات القلبية: العلم يكشف أهمية الشوفان لصحة القلب









