كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي في تفكيك الأسرة؟

بقلم هلا يوسف
تشير الدراسات الحديثة في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع الأسري إلى أن القطيعة بين أفراد العائلة لم تعد ظاهرة عادية، بل أصبحت مشكلة كبيرة تسيطر على المجتمعات الحديثة. وكثير من الآباء والأمهات يقولون أن ألم انقطاع التواصل مع أحد الأبناء أو الإخوة يشبه الحزن على موت شخص عزيز، بالرغم من أن هذا الشخص ما زال على قيد الحياة. وقد بدأت مراكز بحثية مهمة بدراسة هذه الظاهرة، وربطها بالتحولات الرقمية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وخوارزمياته التي تتحكم بالمحتوى وما يعرض على الأفراد.
القطيعة الأسرية كظاهرة اجتماعية موثقة علمياً
تؤكد الأبحاث الاجتماعية أن القطيعة الأسرية أصبحت أكثر انتشاراً خلال العقدين الأخيرين. فقد أظهر مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) في تقريره الصادر عام 2022 أن نحو 29٪ من البالغين في الولايات المتحدة يعانون من انقطاع تام أو شبه تام في التواصل مع أحد أفراد الأسرة المقربين، مثل الوالدين أو الأبناء أو الإخوة. كما بينت دراسة لاحقة نشرت عام 2025 في Journal of Marriage and Family أن 38٪ من المشاركين أفادوا بأنهم مروا بتجربة قطيعة عائلية في مرحلة ما من حياتهم.
ويشير باحثون في جامعة كامبريدج وجامعة أكسفورد إلى أن هذا النوع من القطيعة لا يرتبط فقط بخلافات شخصية، بل يتأثر أيضاً بعوامل ثقافية وإعلامية، أبرزها تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي. وترى هذه الدراسات أن الأسرة، التي كانت تاريخيًا مساحة للحوار والاختلاف الآمن، أصبحت اليوم أكثر هشاشة أمام الانقسامات الأيديولوجية.
خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي وتعميق الاستقطاب
تظهر أبحاث الإعلام الرقمي أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تلعب دوراً محورياً في تعميق الخلافات داخل الأسرة. فقد أوضحت دراسات أجراها باحثون من جامعة هارفارد وجامعة ستانفورد أن الخوارزميات تفضل المحتوى الذي يثير مشاعر قوية مثل الغضب والاستياء الأخلاقي، لأنه يحقق معدلات تفاعل أعلى. وفي دراسة نشرت عام 2021، وجد الباحثان جوناه بيرغر وكاثرين ميلكمان أن المحتوى المشحون عاطفياً ينتشر أسرع بكثير من المحتوى القائم على الحقائق.
وتدعم الصحفية ماريا ريسا، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، هذه النتائج من خلال تجربتها العملية. ففي كتابها How to Stand Up to a Dictator، تصف كيف لاحظت، بصفتها الرئيسة التنفيذية لموقع Rappler الإخباري، أن خوارزميات فيسبوك خلال الانتخابات الفلبينية عام 2016 ساهمت في دفع المستخدمين نحو مواقف أكثر تطرفاً، مما أدى إلى تفكك العلاقات الاجتماعية والعائلية. وتشير دراسات لاحقة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى أن هذا التأثير لا يقتصر على الفلبين، بل يظهر في دول مثل الولايات المتحدة والبرازيل والهند.
فقاعة التصفية والاستقطاب العاطفي داخل الأسرة
من المفاهيم الأساسية التي تفسر هذا الانقسام مفهوم “فقاعة التصفية”، الذي طرحه الباحث إيلي بارايزر. تشير الأبحاث إلى أن المستخدمين يتعرضون بشكل أساسي لمحتوى يؤكد معتقداتهم المسبقة، مما يخلق عوالم معرفية منفصلة حتى داخل الأسرة الواحدة. وقد أظهرت دراسة أجراها كريس بايل وزملاؤه في جامعة ديوك عام 2018 أن التعرض لآراء معارضة على وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي أحياناً إلى زيادة التمسك بالمواقف الأصلية بدل تعزيز الفهم المتبادل، وهو ما يعرف “بالتأثير العكسي”.
وتوضح دراسة حديثة نشرت عام 2024 حول أسر منقسمة سياسياً في هونغ كونغ، وأجراها باحثون من جامعة هونغ كونغ، أن هذا الانقسام المعرفي يتحول إلى استقطاب عاطفي، حيث يقل التعبير عن الحب والرعاية بين أفراد الأسرة، ويتحول الخلاف الفكري إلى مشاعر نفور وعداء. وتؤكد هذه النتائج أن الخلافات السياسية لم تعد تقتصر على الرأي، بل أصبحت تمس جوهر العلاقات الأسرية.
في النهاية توصلت جميع الأبحاث السابقة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، بالرغم من فوائدها الكبيرة، ساهمت في تسريع وتيرة الاستقطاب الأسري من خلال خوارزميات تعزز المحتوى المثير للانقسام. إلا أن هذه الدراسات تؤكد في الوقت نفسه أن الوعي بكيفية عمل هذه الخوارزميات، وتقليل التعرض للمحتوى المستقطب، وإعادة التركيز على القيم الإنسانية المشتركة داخل الأسرة، يمكن أن يخفف من آثارها السلبية.
اقرأ أيضاً: علمياً.. لماذا نجامل وكيف تكون ردود فعلنا؟









