
بقلم: ريم ريّا
أحد أكثر المدن السورية دماراً وتضرراً خلال سنوات الحرب، إنها داريا في ريف دمشق، وبعدما تعرضت لقصف مكثف وحصار طويل انتهى بتهجير سكانها في آب 2016. ومع عودة تدريجية للأهالي بعد التحرير، بدأت المدينة مساراً شاقاً لإعادة تأهيل بنيتها التحتية واستعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
لكن حجم الدمار الذي لحق بالقطاع السكني والخدمي، إلى جانب الضغط السكاني المتزايد وضعف الموارد، جعل هذا المسار بطيئاً ومتفاوتاً بين القطاعات. يستعرض هذا المقال واقع الخدمات في داريا منذ التحرير وحتى اليوم، متتبعاً أبرز التحسينات وراصداً التحديات المستمرة.
داريا بعد التحرير.. مدينة منكوبة تبحث عن الحد الأدنى
مع عودة الأهالي تدريجياً إلى داريا بعد عام 2016، كانت المدينة أقرب إلى منطقة منكوبة منها إلى تدمع سكاني قابل للحياة. ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022، فإن نحو 43% من البنية السكنية في دارسا تعرضت للتدمير.
أما على مستوى البنية التحتية، فقد جاءت المدينة في أسوأ تصنيف بين 14 مدينة شملها التقرير، إذ يحتاج ما يقارب ثلث شبكة الطرق إلى إعادة تأهيل شاملة. كما أن سنوات القصف أدت إلى تدمير واسع في شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتسببت الانقاض بانسداد قنوات التصريف وتسرب النفايات إلى التربة.
في القطاع الصحي، خرج 7 من أصل 8 مرافق صحية عن الخدمة، فيما تحول مستشفى “داريا الوطني”،إلى مبنى مهجور بعد تعرضه لقصف مباشر وحريق عام 2016، ما جعله خارج الخدمة بشكل كامل.
في تلك المرحلة وحتى ما قبل التحرير، كانت الخدمات الأساسية معدومة بعض الشيء، الكهرباء تأتي متقطعة أو غائبة، المياه غير مستقرة، وأغلب الطرق مدمرة، إلى جانب غياب كامل للآليات الخدمية. كانت البداية قائمة على جهود محدودة للبلدية والمجتمع المحلي، في ظل نقص المعدات والتمويل.
اقرأ أيضاً: غوطة دمشق الآن… بعد نفض غبار الحرب هل من حلول للتنمية؟
بالأرقام والتاريخ.. رصد التحسن التدريجي بالخدمات
رغم الدمار الهائل، شهدت داريا بعد التحرير تحسناً تدريجياً في عدد من القطاعات الخدمية، لاسيما عام 2025 ومطلع عام 2026، مدفوعاً بجهود المجلس المحلي وشراكات مع جهات داعمة.
على مستوى إدارة النايات والنظافة العامة، ووفقاً لتصريحات رئيس المجلس المحلي “محمد جعنينة” لأحد وسائل الإعلام المحلية في أيلول عام 2025، أن بلدية داريا تولت قبل عشرة أيام من التصريح مسؤولية ترحيل القمامة بعد انسحاب مديرية النظافة التابعة لمحافظة ريف دمشق.
بناءً على ذلك، تمت إزالة التركمات بالكامل من المدينة، وجرت معالجة أكوام النفايات بشكل يومي في المناطق الصناعية مثل داريا القديمة والمنطقة خلف “تاون سنتر“. كما ويتم ترحيل النفايات إلى مكب “دير العلي“، كل يومين إلى ثلاثة أيام. وتحتاج المدينة إلى نحو 50 حاوية إضافية بشكل إسعافي لمنع عودة التراكمات.
في 14 شباط الجاري 2026، أطلقت حملة نظافة شاملة مستمرة لمدة خمسة أيام تحت شعار “داريا مسؤوليتنا“، بمشاركة البلدية والدفاع المدني والمجتمع المحلي. وشملت تقسيم المدينة إلى قطاعات تبدأ من دوار الشهداء حتى ساحة الحرية، مع أعمال كنس وشطف وإزالة التراكمات الضخمة. لكن بالرغم من ذلك، لم تباشر أعمال ترحيل الأنقاض الثقيلة بسبب ضخامة الكميات مقارنةً بالإمكانيات المتاحة.
على صعيد المياه والصرف الصحي، يعاني قطاع المياه من شح واضح، خاصةً في الأطراف بسبب قدم الشبكة. تعمل البلدية حالياً على، تأهيل 10 إلى 11 بئراً لتغذية الشبكة المحلية، دعم الإمدادات القادمة من دمشق، إلى جانب ضخ المياه إلى المدينة مرتين أسبوعياً (الاثنين والخميس)، مع تقليص فترات الإمداد مؤخراً بسبب الشح.
في 25 تموز 2025، أعلن كل من “صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا”، و”صندوق مساعدات سوريا”، عن شراكة لتنفيذ مشروعين بقيمة إجمالية تقارب 1.8 مليون دولار أمريكي لتعزيز التعافي في داريا، ضمن هذه المشاريع:
- إعادة تأهيل خزان مياه مرتفع وحديقة عامة وطرق مرتبطة بها بميزانية تقارب 770 ألف يورو.
- ترميم ثلاث محطات مياه وإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي.
- تركيب أنظمة طاقة شمسية لضمان وصول مياه الشرب إلى نحو 3.840 أسرة بشكل دائم.
- من المتوقع أن يستفيد نحو 80 ألف شخص بشكل مباشر من هذه الأنشطة.
بالنسبة لقطاع الكهرباء، شهدت الكهرباء تحسناً نوعياً، إذ أصبحت ساعات التغذية أطول مقارنة بالسنوات الأولى بعد التحرير، إلا أنها لا تزال غير مستقرة. يعتمد التحسن على تركيب مراكز تحويل جديدة في مناطق متفرقة من المدينة، غير أن ارتفاع أسعار المواد وكثرة الطلب عليها يشكلان عائقاً أمام تسريع عملية التأهيل الكامل للشبكة.
أما القطاع الصحي، يشكل مستشفى “داريا الوطني”، عماداً أساسياً من أعمدة خطة التعافي الصحي. ضمن مشروع مساعدات سوريا، والخطة تقوم على: إعادة تأهيل أقام الطوارئ والجراحة والأشعة والمختبرات والعلاج الفيزيائي، مع توفير معدات طبية جديدة، فضلاً عن ترميم الطرق والأرصفة والإنارة لداخل المستشفى بميزانية تقارب 790 ألف يورو.
في الحقيقة، أهمية المستشفى لا تقتصر على داريا فقط، بل يخدم مناطق ريف دمشق الغربي مثل: المعضمية وجديدة عرطوز وصحنايا. إعادة تشغيله تمثل نقلة نوعية مقارنة بمرحلة ما بعد 2016، حين كان المبنى مهجوراً بالكامل.
قطاع النقل ولمواصلات حاضر بالمشهد الخدمي كذلك، إذ يوجد أكثر من 11 سيارات تعمل على خط (داريا – دمشق)، وحددت تسعيرة الركوب ب 4000 ليرة سورية، كما فعّلت خطوط بين داريا والمعضمية والفصول الأربعة. فضلاً عن وجود خطط لتشغيل خطوط جديدة نحو، صحنايا وطريق الحديد وفريج المعامل، لكنها تتطلب عدداً إضافياً من المركبات.
داريا تحاول النهوض رغم التحديات المستمرة
بالرغم من التحسن الملحوظ في عدد من القطاعات الخدمية، لا تزال مدينة داريا تواجه تحديات هيكلية تعيق تحول هذا التحسن إلى استقرار مستدام.
في مقدمة هذه التحديات، يأتي الضغط السكاني المتزايد، مع عودة الأهالي بشكل تدريجي، وهو ما يفوق قدرة الشبكات القديمة على الاستيعاب، سواء في المياه أو الكهرباء او الصرف الصحي، ما يمكن أن يؤد إلى استنزاف سريع لأي تحسينات يتم إنجازها. ناهيك عن قدم البنية التحتية، ما يشكل معضلة أساسية، إذ إن أجزاء واسعة من الشبكات والطرق تضررت بشكل جذري خلال سنوات الحرب، ما يجعلها بحاجة إلى إعادة بناء شاملة لا تقتصر على أعمال صيانة أو ترقيع مؤقت.
إلى جانب ذلك، تعاني المدينة من نقص الموارد والمعدات والوقود، لا سيما في قطاع النظافة، حيث تبقى الإمكانيات أقل من حجم التراكمات ومتطلبات العمل اليومي، ما يجعل أي خلل في التمويل أو الإمداد سبباً مباشراً في عودة المشكلة إلى الواجهة.
إضافةً، إلى استمرار أزمة شح المياه وتقلب الإمدادات، مما يفرض واقعاً غير مستقر على السكان، خصوصاً في الأطراف التي تعتمد على شبكة قديمة وضعيفة الضغط. لعل التحدي الأبرز يتمثل في حجم الأنقاض الكبير والمنتشر في عدد من الأحياء، بشكل يفوق الإمكانيات المتاحة بالوقت الحالي، سواء من حيث التكلفة أو القدرة لفنية على الترحيل والمعالجة.
في الختام، صحيح أن داريا اليوم ليست كما كانت عام 2016، لكنها أيضاً لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار الخدمي. المسار مفتوح أجل، لكنه يتطلب استمرارية في الدعم والتخطيط طويل الأمد. فإن تحقيق تعافٍ في داريا لا يقتصر على تحسين الخدمات الأساسية فقط، بل يتطلب دعم قطاعات موازية مثل، الزراعة والصناعة والطرق، بما يدعم الدورة الاقتصادية ويخفف الضغط عن البنية الخدمية، ويحول التعافيمن خطوات متفرقة جزئية إلى مسار تنموي دائم.









