ثقافة وتراث

خمسينية الصيف: حكاية أجدادنا عن طقس اليوم

بقلم هلا يوسف

الكثير من الأمثال الشعبية خرجت من إبداع أجدادنا لتخبرنا كيف كان الصيف يمر عليهم، فالسماء أخبرتهم بالطقس قبل اختراع الآلات الراصدة والتوقعات المعتمدة على التكنولوجيا. ورسخت هذه الأمثال في حياتنا حتى أصبحنا، كلما شعرنا ببرد أو حر، نتذكرها ونتداولها مع الناس الذين لا يعرفون قصصها. ومن المؤكد أنك سمعت جملة: “بلشت خمسينية الصيف”، هذه الجملة كفيلة بأن تفتح موضوعاً يصف كل فترة من فترات السنة، والغريب أنها تكون مطابقةً للطقس حرفياً. لأن الناس قديماً اخترعوا تقويماً خاصاً بهم، قسموا فيه السنة إلى فترات يحمل كل منها اسماً معيناً، ومن أكثرها شهرةً “السعودات”. وهنا لن نتحدث عن سعودات الشتاء المعروفة، بل عن سعودات الصيف التي يعرفها القليل من الناس.

خمسينية الصيف… لماذا تبدأ في آب؟

تبدأ خمسينية الصيف في الأول من شهر آب، وتستمر حتى الثاني والعشرين من أيلول. وعلى الرغم من أن مدتها فعلياً تبلغ نحو 52 يوماً، إلا أن اسمها بقي “الخمسينية” كما هو، لأن الناس اعتادوا هذه التسمية وتوارثوها جيلاً بعد جيل.

وتأتي هذه الفترة بعد أربعينية الصيف، وهي المرحلة التي تكون فيها الأرض قد امتصت أكبر كمية من حرارة الشمس طوال الموسم، لذلك يشعر الناس بأن حرارة آب مختلفة، فالهواء يكون حاراً، والأرض نفسها تحتفظ بالحرارة، مما يجعل الإحساس بالطقس أكثر قسوةً، خصوصاً خلال النهار.

ويشير أستاذ علم المناخ في قسم الجغرافيا بجامعة اللاذقية، الدكتور رياض قره فلاح، إلى أن هذه الفترة تكون ذروة حرارة الصيف، لكن مع مرور الأيام يصبح الليل ألطف، ويبدأ الإحساس باعتدال الحرارة تدريجياً مع اقتراب فصل الخريف، وهي حقيقة لاحظها الناس منذ زمن بعيد قبل أن يفسرها العلم.

ولذلك انتشر بينهم مثل شعبي يقول: “في عيد التجلي قولوا للصيف ولّي”، في إشارة من أجدادنا إلى أن الحر يبدأ بالتراجع تدريجياً بعد هذه المرحلة.

أربع سعودات… لكل واحدة قصة مختلفة

قسم الأجداد خمسينية الصيف إلى أربع مراحل متساوية تقريباً، مدة كل واحدة منها نحو اثني عشر يوماً ونصف، وأطلقوا على كل مرحلة اسماً يعبر عن طبيعة الطقس خلالها.

تبدأ المرحلة الأولى “بسعد اليباس”، الذي يمتد من الأول من آب حتى منتصف يوم الثالث عشر منه، ويتميز بالجفاف وشدة الحر، ويتزامن مع عيد التجلي. وبعده يأتي “سعد الشوب”، وفيه يشعر الناس بأن حرارة الصيف بلغت ذروتها، وتكون الأيام شديدة الحرارة في معظم المناطق.

ثم يحل “سعد اللهاب”، الذي يبدأ في أواخر آب ويستمر حتى التاسع من أيلول، ويأتي في الوقت الذي يحين فيه موسم قطاف الجوز واحتفال الناس بما يعرف “بعيد الجوز”، وهي فترة يبقى فيها الحر مرتفعاً، لكنه يبدأ بالتراجع تدريجياً.

أما آخر السعودات فهو “سعد الخبايا”، الذي يبدأ في أوائل أيلول، وفيه تظهر قطرات الندى صباحاً على أوراق النباتات، في إشارة إلى أن الصيف بدأ يفسح المجال للخريف، وأن الأجواء تتجه إلى الاعتدال.

من هو “سعد” الذي حملت السعودات اسمه؟

لا بد أنك تسأل نفسك من هو سعد الذي حملت كل هذه الفترات اسمه؟ وفي الحقيقة، وراء هذه الأسماء حكاية شعبية طريفة تناقلها الناس عبر الأجيال، حيث تقول الحكاية إن رجلاً من الجزيرة العربية أرسل ابنه، واسمه سعد، إلى بلاد الشام، وأوصاه بأنه إذا اشتد عليه برد الشتاء فعليه أن يذبح ناقته ويستخدم جلدها ليحتمي من البرد.

وبعد مدة، التقى الأب بأحد العائدين من الشام وسأله عن ابنه، فأخبره أنه رآه وقد ذبح ناقته، فعرف الأب أن الشتاء كان قاسياً، وقال عبارته الشهيرة: “سعد ذابح… البرد فيه ذابح”.

وبعد مرور فترة من الزمن، أصبحت هذه العبارات مرتبطةً بمراحل معينة من السنة، وتحولت إلى أسماء يتداولها الناس لوصف تغيرات الطقس، ثم أصبحت جزءاً من التراث الشعبي الذي بقي حاضراً حتى اليوم، حتى وإن اختلفت وسائل معرفة حالة الطقس.

وبالرغم من أن هذه القصة تعد موروثاً شعبياً أكثر من كونها حقيقة تاريخية، إلا أنها تعكس كيف كان الناس يفسرون الظواهر الطبيعية بأسلوب بسيط قريب من حياتهم اليومية.

أمثال شعبية حفظت ذاكرة الصيف

كانت الأمثال الشعبية خير معبر عن طقس الصيف الحار، ولا بد أنك سمعت إحداها على لسان جدك أو جدتك، فهي على بساطتها عبرت عما كان يشعر به الناس في أوقات ذروة الحرارة. ومن أشهر ما كان يقال عن الصيف: “تموز طباخ”، لأن الحرارة تكون مرتفعةً جداً حتى يشعر الناس وكأنهم يعيشون فوق موقد مشتعل، وكانت الحرارة في بعض المناطق تلامس خمسين درجة مئوية أو أكثر.

وكانوا يقولون أيضاً: “تموز ينشف المي بالكوز”، في إشارة إلى أن الماء الموجود في الجرار الفخارية، التي كانت تستخدم لحفظ مياه الشرب وتبريدها، كان يتبخر بسرعة بسبب الحر الشديد.

ورغم أن الناس اليوم يعتمدون على الأقمار الصناعية ومحطات الرصد لمعرفة حالة الطقس، إلا أن الأمثال الشعبية السابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية، لأنها لا تحكي عن الطقس فقط، بل تروي أيضاً كيف عاش الأجداد مع الطبيعة، وكيف استطاعوا أن يفهموا تغيرات الفصول من خلال الملاحظة والخبرة.

وفي النهاية، فإن السعودات الخاصة بالصيف تلخص ما نشعر به في كل فترة من الزمن. فعلى الرغم من أنها كلمات غريبة علينا، لكنها كانت بمثابة روزنامة جوية لأجدادنا، اعتمدوا عليها في تنظيم حياتهم وزراعتهم. وهذا ما جعلها محفوظةً في موروثنا الشعبي.

اقرأ أيضاً: حين تزهر الذاكرة.. خميس النبات يعيد لحمص نبضها القديم

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى