خلل ميزان التجارة.. لماذا تتفوق الواردات على الصادرات؟

بقلم هلا يوسف
أفرزت الحرب السورية اقتصاداً منهكاً قائم على الواردات، وميزان تجاري مختل في توازنه. فوقوف عجلة الإنتاج والعقوبات، كلها أسباب حالت دون وجود صادرات حقيقية، مع الاعتماد الكامل على الواردات. وعلى الرغم من ظهور بعض علامات التعافي عقب التحرير، إلا أن الفجوة بين ما تصدره البلاد وما تستورده هائلة، مما يضع الاقتصاد في حلقة متواصلة من الاعتماد على التمويل الخارجي دون قدرة كافية على توليد الإيرادات المحلية.
في البداية لا يمكن الحديث عن واردات دون التطرق إلى حجم الصادرات في ظل القصور في الإنتاج. إذ تركزت صادرات سوريا على المواد الخام، وبالأخص الفوسفات، الذي بلغت صاداراته نحو 140 ألف طن. وتعد سوريا من بين أكبر خمس دول منتجة للفوسفات عالمياً، باحتياط يصل إلى 2.1 مليار طن. ومع ذلك تشير الإحصاءات إلى أن صادرات عام 2025 تمثل فقط 5.11% من مستوى صادرات عام 2010، التي بلغت حينها 11.353 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 17.562 مليار دولار، مع فارق قدره 6.209 مليارات دولار.
وفي تفسير هذا التراجع، يشير محمد حلاق، عضو غرفة تجارة دمشق، إلى أن الفجوة الهائلة بين الصادرات والواردات تشكل خطراً على ميزان المدفوعات، لأن المستهلك السوري غالباً ما يميل إلى السلع الأرخص، خاصة المستوردة، بينما الإنتاج المحلي يعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف القدرة على المنافسة. ويضيف أن ارتفاع الصادرات بنسبة 39% خلال النصف الأول من العام الماضي لا يعوض حجم الواردات الكبيرة، التي من ضمنها سيارات بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار، وكميات ضخمة من السلع الأساسية التي دخلت الأسواق بعد سقوط النظام.
وإذا عدنا إلى ما قبل الحرب، نجد أن حجم واردات سوريا كانت نحو 21.15 مليار دولار (18 مليار يورو)، ومع احتساب التهريب وخفض قيمة الفواتير، كان الحجم الفعلي يقارب 40 مليار يورو، وهو رقم تضاعف اليوم ليصل إلى نحو 80 مليار يورو، أي خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل عام 2011. هذه الأرقام لم تكن دون تأثير مباشر على الاقتصاد المهدد باستقراره، وهذا ما يجعل أي سياسة إصلاحية صعبة التنفيذ دون دعم للإنتاج المحلي.
فجوة التجارة وأثرها على الصناعة المحلية
حال الاقتصاد السوري اليوم كحال معظم اقتصادات الدول الخارجة من الحروب: منهك، ومعتمد على التمويل الخارجي والمساعدات لتغطية النفقات، بينما يجد المصرف المركزي صعوبة في ضبط السيولة وسعر الصرف، الذي تجاوز 11 ألف ليرة للدولار في السوق الموازية. ويقول الخبراء إن هذا الواقع يجعل الاقتصاد يدور في حلقة مفرغة، بمعنى إن المساعدات تمول الرواتب، والرواتب تزيد الطلب على المستوردات، والمستوردات ترفع الحاجة إلى الدولار، دون أن يتم إنتاج إيرادات حقيقية.
حاولت الحكومة السورية البحث عن حلول للخروج من دائرة العجر، لذلك قامت خلال عام 2025 بخفض الرسوم الجمركية على المستوردات بهدف ضبط الأسعار، لكن النتائج كانت عكسية، إذ ارتفعت الواردات إلى نحو 5.9 مليار دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات 3.1 مليار دولار، معظمها زراعية أو أولية، مسجلاً عجزاً تجارياً قدره 2.8 مليار دولار. مع العلم أن القطاع الصناعي يعمل بأقل من ربع طاقته الإنتاجية، والورش الصغيرة والمتوسطة تواجه صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع كلفة التشغيل ونقص الطاقة، ما يضعف الإنتاج المحلي ويقلص القاعدة الضريبية التي تمول الخزينة.
كما يعتمد السوق السوري على واردات الدول المجاورة لتلبية الاحتياجات الأساسية ومواد إعادة الإعمار. وفي عام 2025، سجلت واردات سوريا من الأردن زيادة بنسبة 353%، ومن السعودية 223%، ومن تركيا 60%. وبلغت قيمة الواردات 13.57 مليار دولار، مع التركيز على الآلات ومعدات النقل، وآلات الطاقة الكهربائية، والأغذية والماشية، والمعادن والمواد الكيميائية، والبلاستيك، والغزل والورق. وكان أبرز شركاء الاستيراد: إيطاليا 8.1%، ألمانيا 7.4%، الصين 5.6%، كوريا الجنوبية 4.6%، فرنسا 4.4%، الولايات المتحدة 4.3%، وتركيا 4%. ويؤكد الخبراء أن هذه الاعتمادية على الاستيراد تفاقم الفجوة بين الإنتاج المحلي والواردات، وتجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أي صدمات خارجية.
هنا لا يمكننا الحديث عن حلول قبل إعادة هيكلة الاقتصاد السوري بحيث تصبح الصادرات قوة دافعة للنمو، لا مجرد وسيلة لتغطية العجز المالي. ويمكن ذلك عن طريق تعزيز الصناعة المحلية، وخفض تكاليف الطاقة، ودعم المصدرين، منا يتيح زيادة الإنتاج وتحقيق التوازن بين الواردات والصادرات.
وبحسب الخبراء فإن الاستثمار في الصناعة المحلية لا يوفر فقط فرص عمل ويزيد الدخل الوطني، بل يخلق توازناً حقيقياً بين الإنتاج والاستهلاك، ويقلل الاعتماد على التمويل الخارجي. ومع سياسات واضحة تحفز الإنتاج وتدعم المصدرين، سيكون الاقتصاد السوري قادراً على مواجهة الصدمات، وتحقيق استقرار مالي ونقدي، وإعادة بناء قاعدة صناعية قوية تجعل من الصادرات والمحلية ركيزة أساسية للنمو المستدام.
باختصار، حجم الواردات مقابل الصادرات ينم عن اقتصاد متهالك يحتاج إلى نهضة قوية، وهذه المهضة لا يمكن أن تتم دون تحريك عجلة الإنتاج من مصانع، وشركات تعمل على المنتجات المحلية حصراً. وقتها نستطيع القول أن الاقتصاد السوري بدأ بالتعافي.
اقرأ أيضاً: نار الغلاء وكماشة الاستيراد .. هل اقتربت نهاية الصناعة الوطنية؟









