خط نفط كركوك بانياس…مشروع قديم يُعاد إحياءه بين سوريا والعراق

إعداد: هلا يوسف
تعمل الحكومة السورية بكل إمكانياتها على تحسين قطاع الطاقة، مما ينعكس إيجاباً على ساعات الوصل الكهربائي، وشهدنا دعماً دولياً وإقليمياً لهذا القطاع عبر تركيا وقطر والسعودية، وكان آخرها توريد الغاز الأذري إلى سوريا عبر كيليس التركية.
وتكملةً لمشوار الدعم الطاقي أعلن وزير الطاقة محمد البشير عن زيارة مرتقبة للعراق لدراسة إعادة تأهيل خط نفط كركوك بانياس بحسب تصريحات الوزير لقناة الإخبارية السورية، كما أضاف بأنه سيتم زيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية في كل المحافظات السورية لتصل إلى 8 أو 10 ساعات وصل باليوم وذلك خلال الفترة المقبلة.
مشاريع جديدة وإنجازات متكاملة
وفي خطوات لدعم قطاع الطاقة وتحسين كفاءته لكونه قطاع حيوية هناك دراسة لإمكانية إنشاء شركة قابضة وطنية كبرى تتولى الإشراف على جميع مراحل إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وإنشاء شركة لإدارة ملف التعدين والفوسفات، وستُنفّذ هذه الخطوة تدريجياً بعد التأكد من جاهزية البنية الإدارية والفنية لتحقيق الأهداف المرسومة بحسب البشير.
وعن أبرز الإنجازات الأخيرة، أشار البشير إلى الانتهاء من إعادة تأهيل خط الغاز الواصل بين سوريا وتركيا بزمن قياسي وبأيدٍ وطنية، وهو ما يمثل دفعة قوية لتعزيز إمدادات الغاز المحلية.
وأكد البشير حرص سوريا على الحصول على منحة من البنك الدولي لإصلاح الشبكة الكهربائية التي تربطها بدول الجوار، مشيراً إلى دراسة جارية لإنشاء مصفاة نفط جديدة تُمكّن البلاد مستقبلاً من دخول سوق تصدير المشتقات النفطية، كما لفت إلى أن الفترة المقبلة ستشهد زيادة تدريجية في إمدادات الغاز الأذري، مما سيعزز قدرة البلاد على تلبية احتياجاتها من الطاقة بشكل أكثر استقراراً.
خط نفط كركوك بانياس…مشروع قديم يتم تجديده
بحسب المتخصص في مجال النفط والطاقة محمد هورامي فإنه في عام 1952، شرعت شركة “بريتيش بتروليوم” البريطانية في تنفيذ مشروع ضخم تمثل في مد خط أنابيب “كركوك – بانياس”، لنقل النفط الخام من الحقول الغنية في كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس على الساحل السوري للبحر الأبيض المتوسط، امتد الأنبوب لمسافة تقارب 800 كيلومتر، وصُمم بطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً، ومع أن المشروع شكل ركيزة استراتيجية في تجارة الطاقة الإقليمية، إلا أن تشغيله تعرض لتأجيلات عديدة على مدى العقود السابقة بسبب الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة التي اجتاحت المنطقة.
ويرى هورامي أن ما جرى يعكس بوضوح كيف يمكن للتجاذبات الإقليمية والحسابات السياسية أن تعرقل مشاريع الطاقة الحيوية، حتى تلك التي تحمل أهمية اقتصادية واستراتيجية كبرى لكلا البلدين، ويؤكد أن خط بانياس، الذي يُعد منفذاً مهماً للعراق نحو البحر المتوسط، لم يحظَ بدعم القوى الإقليمية الكبرى لإعادة تفعيله، تماماً كما حدث مع مشاريع استراتيجية أخرى بقيت محصورة في التصريحات والوعود دون أن تتحول إلى واقع ملموس.
وفي عام 2007، توصل العراق وسوريا إلى اتفاق لإعادة تأهيل خط الأنابيب، غير أن العقد المبرم مع شركة “ستروي ترانس غاز” التابعة لمجموعة غازبروم الروسية أُلغي عام 2009، وذلك نتيجة ارتفاع التكاليف وأسباب أخرى لم يُفصح عنها، وتشير التقديرات إلى أن إعادة تشغيل الأنبوب تتطلب استثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، وهو مبلغ يراه خبراء مرتفعاً مقارنة بقدرة الخط التصديرية التي لا تتجاوز 700 ألف برميل يومياً.
ويُصنَّف العراق ثاني أكبر منتج للنفط الخام في منظمة “أوبك”، بمتوسط إنتاج يتخطى 3 ملايين برميل يومياً، ويشكل النفط أكثر من 90% من إجمالي صادراته، ما يجعله ركيزة أساسية في تمويل الموازنة العامة ومشاريع التنمية داخل البلاد.
اقرأ أيضاً: كيف سيعيد معبر البوكمال إحياء الروابط الاقتصادية بين سوريا والعراق؟
أهمية هذا الخط للبلدين
يُعتبر إحياء هذا المشروع أحد الأولويات الاستراتيجية للعراق، خاصة بعد توقف صادرات النفط عبر ميناء جيهان التركي نتيجة حكم محكمة التحكيم التجارية العام الماضي وقرار المحكمة الاتحادية، الأمر الذي يجعل البحث عن بدائل فعّالة أمراً ملحّاً.
ويمثل هذا الخط أول منفذ لتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، إذ شُيّد أنبوب نفطي في ثلاثينيات القرن الماضي يصل إلى سوريا ولبنان وحيفا، واكتمل العمل به في الأربعينيات، إلا أن مساره أُلغي بعد إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وفي ثمانينيات القرن الماضي جرى تأميم الأنبوب النفطي السوري، لكنه توقف عن العمل منذ ذلك الوقت وبات بحاجة إلى صيانة شاملة، ووفقاً لمصدر عراقي، كانت لدى الحكومة العراقية خطط لإعادة تشغيل الأنبوب السوري قبل سقوط النظام السوري السابق، سواء عبر إصلاحه أو إنشاء خط بديل، غير أن العقوبات المفروضة على سوريا، ولا سيما “قانون قيصر”، إضافة إلى الظروف السياسية، حالت دون تنفيذ هذه الخطط.
ويشير الخبير النفطي بلال خليفة إلى أن العراق يمتلك حالياً منفذاً وحيداً لتصدير النفط عبر الخليج العربي، ويرى أن الأنبوب السوري يُعد خياراً أنسب من أنبوب العقبة لعدة أسباب، منها قربه من الأسواق الأوروبية مما يخفض تكاليف النقل، وانخفاض الكلفة الإجمالية مقارنة بمسار العقبة، وعدم وجود قيود مرتبطة بالتعامل مع إسرائيل، فضلاً عن منحه العراق مرونة أكبر في خيارات التصدير وتجنّب المرور عبر قناة السويس، بما يوفّر رسوم العبور ويقلل النفقات.
في المقابل تواجه سوريا أزمة وقود حادة وتعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها، حيث كانت فاتورة استيراد النفط ومشتقاته قبل الثورة تصل إلى 1.2 مليار دولار سنوياً، دون احتساب عمليات التهريب، ومن هنا، يُعتبر تفعيل خط النفط مع العراق حلاً مثالياً لتلبية السوق المحلية ومتطلبات إعادة الإعمار، بالإضافة إلى إمكانية تطوير المصافي السورية وزيادة كفاءتها في تكرير النفط العراقي، وتنشيط الموانئ السورية لتعزيز الإيرادات ودفع العلاقات التجارية مع الدول الأوروبية القريبة.
والجدير بالذكر أن مرفأ بانياس يحظى بأهمية كبيرة في عمليات تصدير واستيراد النفط، حيث قد يصل إليه خط أنابيب كركوك – بانياس لنقل النفط العراقي وتصديره عبر البحر المتوسط إلى الأسواق الأوروبية، تصل طاقة الخط إلى 2.5 مليون برميل يومياً، مع قدرة استيعابية تبلغ نحو 600 زورق، ويستوعب المرفأ السفن الصغيرة ذات الغاطس حتى 4.5 أمتار، ويبلغ طول أرصفة المرفأ الإجمالي 1455 متراً، منها 887 متراً تم إضافتها خلال توسعة بين عامي 2006 و2009.
عقبات تواجه المشروع
يشير بسام طعمة، المتخصص في مجال النفط والوزير السوري السابق للنفط، إلى ضرورة إنشاء خط أنابيب جديد، موضحاً أن الخط الحالي يعاني من تدمير واسع، بالإضافة إلى تضرر محطات الضخ، مع وجود أجزاء من الخط مفجرة، ويعود ذلك إلى قدم الخط الذي يعود لخمسينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى وجود تحويلات كثيرة، بعضها مغلق مثل خط طرابلس.
ويضيف طعمة أن الاعتماد على الخط الحالي للضخ يتطلب صيانة كبيرة، ومع ذلك فإن كمية النفط التي يمكن ضخه ستكون محدودة، لأن الخط لا يتحمل الضغوط المطلوبة حالياً، كما أن هناك أجزاء من الخط لا يمكن إصلاحها وتتطلب إنشاء خطوط جديدة.
في الوقت نفسه، يشدد على ضرورة تفعيل بناء خزانات لتخزين كميات كبيرة من النفط، ليتم ضخها إلى الأسواق خلال فترات الذروة. ويؤكد أن سرعة التحميل من الموانئ السورية، والتي لا تتجاوز يومين أو ثلاثة للوصول إلى الأسواق الأوروبية، تشكل ميزة كبيرة تحقق أرباحاً عالية، خاصة مع تخزين النفط في فترات انخفاض الطلب والأسعار، ثم بيعه في فترات الذروة التي يرتفع فيها الطلب والسعر، وتُعتبر هذه الميزة مهمة جداً في فصل الشتاء، وهي نفس الاستراتيجية المعتمدة في دول مثل عمان ومصر والإمارات.
وعموماً، يتطلب تنفيذ هذا المشروع تحقيق استقرار أمني على الحدود العراقية السورية، إضافة إلى تعزيز التعاون بين الحكومتين بما يضمن تقاسم المنافع وتحقيق الفائدة للشعبين.
اقرأ أيضاً: الغاز الأذري يتدفق إلى سوريا: انطلاقة جديدة لقطاع الطاقة









