سياسة

خط الغاز التركي عبر سوريا.. مجرد خطوة اقتصادية أم نقطة فارقة في العلاقات؟

تميزت العلاقات بين سوريا الجديدة والجارة تركيا خلال الأشهر الأخيرة بالعديد من اتفاقيات التعاون المشترك، والتي تمثلت مؤخراً في بدء تشغيل خط الغاز التركي الذي يمر عبر سوريا، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية التعاون العسكري، التي تتضمن مشاركة تركيا في تدريب الجيش السوري الجديد.

ومن الجدير بالذكر أنه لا يمكن اعتبار هذه التطورات مجرد إدارة للملفات الراهنة، إنما هي مؤشر على مشروع استراتيجي أوسع يهدف إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية. ومن أجل فهم هذا المسار، سوف نناقش في هذا المقال ما يجري بين البلدين من وجهة نظر الاقتصاد السياسي، وكيف يمكن للاتفاقيات الاقتصادية أن تؤثر على النفوذ التركي في سوريا؟

خط الغاز التركي عبر سوريا: بُعد استراتيجي يتجاوز الاقتصاد

على الرغم من أن مرور خط الغاز التركي عبر الأراضي السورية يُعيد دمج سوريا في شبكة ممرات الطاقة الإقليمية، إلا أن أثر هذه الخطوة لا يقتصر عل البعد الاقتصادي فحسب، وإنما يؤكد على ضرورة العمل على استقرار الأوضاع الأمنية في سوريا كجزء من أمن الطاقة الإقليمي. وذلك على اعتبار أن مفهوم أمن الطاقة القائم يتجاوز مسألة ضمان الإمدادات المستقرة، ليشمل شبكات اعتماد متبادل بين الدول بهدف حماية هذه الإمدادات، ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لمرور خط الغاز التركي عبر الأراضي السورية.

أما على صعيد سوريا الداخلي، فإن خط الغاز التركي يمثل فرصة لدمج البنية التحتية في البلاد ضمن مشاريع إقليمية، الأمر الذي من شأنه أن يمنح المؤسسات وسيلة للتواصل مع شركاء متعددين عبر قطاع الطاقة، ويُعزز من الحضور السوري في معادلات التعاون الإقليمي.

هذا ويُشار إلى أن عبور خط الغاز التركي للأرضي السورية، يحمل معه أبعاداً إقليمية أيضاً، وذلك كونه يعتبر جزءاً من شبكة واسعة من ممرات الطاقة، حيث أنه يُشكل مساراً موازياً للمسارات الأخرى التي تتجه نحو شرق المتوسط ومنطقة الخليج العربي، ليساهم بذلك في تنويع طرق الإمداد.

وبهذا نجد أن خط الغاز التي يتجاوز وظيفته الاقتصادية المباشرة ليصبح أداة في هندسة إقليمية شاملة، تربط بين الطاقة والأمن والسياسة، وتعيد وضع سوريا على الخريطة الإقليمية.

دراسة حالة مشابهة: خط الغاز التركي الروسي والعلاقات بين البلدين

يُعتبر مشروع «السيل التركي» من المشاريع المفصلية في قطاع الطاقة بين روسيا وتركيا. بدأت فكرته عام 2014 بعد إلغاء مشروع «السيل الجنوبي» نتيجة خلافات بين موسكو وأوروبا، ثم وُقّع الاتفاق رسمياً بين أنقرة وموسكو في تشرين الأول 2016. وبعد نحو ثلاث سنوات من العمل، جرى افتتاح الخط في كانون الثاني 2020 بحضور الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان.

يمتد الأنبوب لمسافة تقارب 930 كيلومتراً عبر قاع البحر الأسود، وينقسم إلى خطين متوازيين: الأول مخصّص بالكامل لتلبية احتياجات السوق التركية الداخلية، بطاقة تقارب 15.75 مليار متر مكعب سنوياً، بينما صُمّم الخط الثاني كمعبر ترانزيت، يتيح لأنقرة أن تكون بوابة الغاز الروسي إلى دول جنوب وجنوب شرق أوروبا بالقدرة نفسها تقريباً، أي 15.75 مليار متر مكعب، ليبلغ مجموع الطاقة السنوية نحو 31.5 مليار متر مكعب.

بهذا المشروع تحوّلت تركيا من مجرّد مستورد كبير للطاقة إلى مركز إقليمي لإعادة التوزيع، بينما ضمنت روسيا منفذاً جديداً ومستقراً لتصدير غازها بعيداً عن خطوط العبور التقليدية عبر أوكرانيا.

هذه المعادلة عززت الروابط الجيوسياسية بين البلدين، إذ وفّرت لروسيا نفوذاً إضافياً في أوروبا، وفتحت أمام تركيا مجالاً لتعزيز موقعها الاستراتيجي كلاعب لا غنى عنه في أمن الطاقة الأوروبي. ورغم أن تركيا وروسيا قد وصلا عام 2015 إلى ذروة الخلاف، الذي تجسد بإسقاط القوات التركية لطائرة روسية في سوريا، فإنّ هذا المشروع كان له أثر هائل في تخفيف حدة التوترات، بل ودفع العلاقات قدماً لتصبح الشراكة الروسية التركية من العلاقات الاستراتيجية العميقة في منطقتنا.

وبناءً على ذلك، يتضح أن مشاريع خطوط النفط والغاز لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تمثل أيضاً جسوراً سياسية تقرّب الدول من بعضها البعض. وهو ما يفتح الباب لتصورات مستقبلية شبيهة في العلاقة التركية السورية، إذا ما أصبح ملف الطاقة جزءاً من التفاهمات بين الطرفين.

الشراكة الاستراتيجية ومستقبل الحضور التركي في سوريا

كشفت اتفاقية التعاون العسكري بين سوريا وتركيا، والتي تم توقيعها في مطلع شهر آب الماضي، عن تحول جذري في العلاقات بين البلدين، كونها تعبر عن شراكة متعددة الأبعاد، وليس فقط تدخل آني لإنقاذ سوريا خلال المرحلة الراهنة. كما أن ملامح العلاقات بين البلدين بدأت تُرسم على الصعيد الاقتصادي أيضاً وخصوصاً مع بدء تفعيل خط الغاز التركي عبر الأراضي السورية.

ومن هنا يمكن أن نرى أن هذه الاتفاقيات ترقى بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى جديد، من الممكن أن يُعيد تشكيل الحضور التركي في سوريا خلال المرحلة القادمة. حيث يتجلى ذلك واضحاً من خلال الدور الأساسي الذي تلعبه تركيا في تطوير القدرات الدفاعية والعسكرية السورية، لا سيما الإشراف المباشر على تدريب الجيش السوري الجديد، بالإضافة إلى تزويده بمجموعة متنوعة من الأسلحة تركية الصنع.

ويُشار إلى أن هذا التعاون الأمني بين البلدين يُعزز الحضور التركي المُنظم في سوريا، حيث أن تنفيذ الاتفاقية العسكرية قد يستلزم إقامة بنى تحتية ثابتة مثل مراكز تدريب ومستودعات التخزين وغيرها، ما يفتح الباب أمام حضور تركي طويل الأجل سوريا، ويحوّل العلاقة من حالة ظرفية إلى مسار مؤسسي طويل الأجل.

تأثير العلاقات بين سوريا وتركيا على التوازنات الإقليمية

تعتبر التطورات الأخيرة في العلاقات بين سوريا وتركيا أكثر من مجرد خطوات لتعزيز استقرار البلاد، وذلك بسبب التوازنات الإقليمية المعقدة القائمة على الأراضي السورية. حيث أن الاتفاقيات السورية – التركية تضع أنقرة في قلب المعادلة السورية التي تضم من جهة روسيا التي تسعى للحفاظ على نفوذها وقواعدها في سوريا، وهو الأمر الذي عملت على تحقيقه لسنوات طويلة، ومن جهة أخرى إسرائيل التي تراقب أي تحركات ضمن الجنوب السوري والذي تعتبره جزءاً أساسياً من أمنها القومي. وهذا لا يعني أن تركيا تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع الأطراف الأخرى، وإنما اختبار لقدرتها في تحديد نفوذها من خلال إعادة صياغة الترتيبات الميدانية في سوريا.

ومن هنا نجد أن البعد الأعمق للاتفاقية العسكرية بين سوريا وتركيا يكمن في أنها تنقل العلاقة بين البلدين من مرحلة التنسيق الآني خلال المرحلة الراهنة إلى حالة من التعاون المؤسسي الدائم، حيث أن تفاصيلها التي تتضمن التدريب والتأهيل والتوريد تجعل منها مساراً متدرجاً يعيد صياغة نمط العمل داخل المؤسسة العسكرية السورية، بحيث يضمن تعاون سوريا مع الشريك التركي بشكل دائم، الأمر الذي يجعل من أنقرة جزءاً أساسياً من المشهد السوري الجديد بما يحمله من انعكاسات على التوازن الإقليمي في المنطقة.

مسار العلاقات بين سوريا وتركيا: خطوات عملية

اكتسبت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق في مطلع شهر آب الماضي أهمية كبيرة، وذلك كونها تزامنت مع توقيع اتفاقية التعاون العسكري وبدء تشغيل خط الغاز، الأمر الذي يشير إلى ارتقاء العلاقات بين البلدين إلى مستوى جديد. بالإضافة إلى ذلك، عززت زيارة وفد وزاري سوري ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات إلى أنقرة هذا التوجه، حيث تم التوقيع على مذكرة تفاهم للتعاون العسكري، ما يرسخ قنوات الاتصال الرسمية بين الجانبين. وفي إطار موازي ركزت زيارة وفد اقتصادي وفني سوري إلى أنقرة على ملفات الطاقة والتبادل التجاري، ما من شأنه أن يُضيف طابع عملي للعلاقة بين سوريا وتركيا.

ومن الجدير بالذكر أنه يمكن قراءة هذا الانخراط المتسارع في إطارين: الأول على أنه استجابة لضرورات المرحلة الحالية التي تمر بها سوريا، والثاني يضع هذه العلاقات ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، حيث تُعاد صياغة موقع سوريا كمعبر حيوي للطاقة. ويُشار إلى أن مسار هذه العلاقة بين البلدين يعتمد بشكل كبير على الكيفية التي ستتم بها إدارة التنسيق بين الطرفين، وتفاعل القوى الإقليمية والدولية مع هذه الديناميكية الجديدة.

اقرأ أيضاً: العلاقات السورية التركية: طقوسُ الإشارات والتحوّلات!

في الختام، تُشير التطورات الأخيرة، إلى أن العلاقات بين أنقرة ودمشق تشهد مرحلة حاسمة، حيث أن الخطوات العملية بين البلدين تمثّل اختباراً لطبيعة المسار المستقبلي للعلاقة، إذ قد تُقرأ على أنها مجرد ترتيبات تلبي ضرورات المرحلة الراهنة، أو قد تكون بداية لمسار تعاون استراتيجي واسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى