مضاعفة إنتاج الغاز في 2026: الأرقام طموحة لكن ماذا عن الحقول والاستثمارات؟

الكاتب: أحمد علي
ربما لا يمر يوم واحد من أيام السوريين دون الحديث عن الكهرباء وتحولاتها، حتى أنها تحولت اليوم لتصبح خبر يومي يسبق نشرات الأخبار وما يأتي فيها، وكأن ساعات الإنارة باتت معياراً سريعاً لقياس مزاج الناس وقدرة الاقتصاد على التنفس.
وبطبيعة الحال، خلف هذا المشهد يقف الغاز الطبيعي بوصفه الوقود الأكثر التصاقاً بمحطات التوليد، والأكثر حساسية لأي خلل في الحقول أو المعامل أو خطوط النقل. لذلك عندما تعلن الحكومة رقماً جديداً لإنتاج الغاز لا يبقى الكلام في حدود الصناعة، بل يمتد فوراً إلى سؤال بسيط يطرحه المواطن قبل الخبير، هل ستطول ساعات الكهرباء فعلاً أم ستظل الوعود تدور في المكان نفسه؟
مضاعفة إنتاج الغاز هدف 2026
قال وزير الطاقة محمد البشير إن سوريا تتوقع رفع إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026 مقارنة بنحو 7 ملايين متر مكعب يومياً في الوقت الراهن. وتحدثت التقارير عن إنتاج جارٍ يقارب 7.6 ملايين متر مكعب يومياً، وهو ما يفسر لماذا يُقدَّم هدف مضاعفة إنتاج الغاز بوصفه خطوة لتقليص فجوة الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأعلى كلفة.
إن الأرقام تصبح أكثر قابلية للفهم عندما تُقارن بما قبل الحرب، وفي الحديث عما قبل الحرب تشير البيانات أن إنتاج الغاز بلغ 8.7 مليارات متر مكعب في 2011 ثم هبط إلى نحو 3 مليارات متر مكعب في 2023.
ومن هنا، فإن هدف 15 مليون متر مكعب يومياً يعادل تقريباً 5.5 مليارات متر مكعب سنوياً، أي أنه يقترب من التعافي الجزئي دون العودة الكاملة إلى مستوى 2011. لذلك فإن مضاعفة إنتاج الغاز قد تعني تحسناً ملموساً في الإمداد، لكنها لا تلغي حاجات أكبر إذا اتسعت الكهرباء المطلوبة أو زادت خسائر الشبكات.
حقول منتجة أم خرائط
السؤال الأكثر إلحاحاً في الخطة هو أين توجد القدرة الواقعية على إضافة الكميات، أشار مركز جسور للدراسات في دراسة خاصة إلى أن الغاز السوري يُنتج من نحو 28 حقلاً من الغاز أو النفط والغاز المصاحب، مع تمركز كبير في محافظة حمص ووجود حقول أخرى في دير الزور والرقة وحماة. ومن الناحية العملية لا تكفي معرفة مواقع الحقول لأن الإمداد يرتبط أيضاً بمعامل المعالجة وخطوط النقل التي تربط كل مجموعة حقول بمحطات الكهرباء.
ففي المنطقة الوسطى، تغذي الحقول معامل معالجة مثل إيبلا وغاز جنوب المنطقة الوسطى، مع إنتاج يومي يقارب 3 ملايين متر مكعب عندما تعمل السلسلة بكفاءة. ما يعني أن رفع الإنتاج يتطلب إعادة تأهيل المعامل ورفع جاهزية خطوط التجميع والضغط، لأن أي اختناق في المعالجة قد يحول الغاز الموجود في الأرض إلى رقم بلا أثر في الكهرباء.
أما في الشرق، فتؤثر السيطرة على الحقول في حجم ما يمكن إضافته سريعاً، وهنا من المهم الأخذ بعين الاعتبار الاتفاق الحديث الموقع ما بين الرئيس احمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية في 18 كانون الثاني 2026، والذي يقضي عملياً بسيطرة الحكومة المركزية على حقول رئيسية في شرق البلاد، بينها حقل غاز كونوكو في دير الزور.
هذا التطور قد يوسع خيارات الإدارة الحكومية للموارد إذا استقر، لكنه يوضح أيضاً أن مضاعفة إنتاج الغاز تحتاج إلى بيئة أمنية ثابتة حول مواقع الإنتاج والمعالجة، لا مجرد خطة على الورق.
اقرأ أيضاً: خط الغاز التركي عبر سوريا.. مجرد خطوة اقتصادية أم نقطة فارقة في العلاقات؟
الاستثمارات وسط عقبات التمويل
حتى لو كانت الحقول موجودة، فإن مضاعفة إنتاج الغاز تعني تمويلاً وتقنيات وخبرات، ففي تشرين الثاني 2025 وقعت الشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم مع شركتي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا لتطوير قطاع الغاز، مع توقع زيادة بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام إذا تقدمت الأعمال كما خُطط لها.
وعملت شركات أمريكية على إعداد خطة أوسع لقطاع الطاقة السوري، ما يشير إلى محاولة فتح قنوات خدمات واستثمار تتجاوز مشروعاً واحداً.
ما تعنيه هذه الاتفاقات على الأرض ليس مجرد وصول شركة جديدة، بل دخول ورش صيانة وحفر وإصلاح معدات وتأمين توريدات قطع غيار وإدارة سلامة وتشغيل في بيئات حقلية صعبة، كما أن المستثمرين عادة يطالبون بوضوح أكبر حول شروط التعاقد وآليات استرداد الكلفة وضمانات الاستمرارية، وهي ملفات قد تؤثر في سرعة تحويل التعهدات إلى إنتاج إضافي فعلي.
في الوقت نفسه يظهر خيار الاعتماد على الغاز المستورد لتخفيف الضغط ريثما تتحسن القدرة المحلية، ولدينا في هذا الإطار اتفاق يتيح لقطر تزويد سوريا بنحو مليوني متر مكعب يومياً عبر الأردن لدعم توليد الكهرباء، وكانت قد تحدثت وسائل الإعلام أن أذربيجان بدأت ترتيبات لتصدير الغاز إلى سوريا عبر تركيا مع حديث عن كميات أولية قد تصل إلى 6 ملايين متر مكعب يومياً في مرحلة أولى، وفي كانون الثاني الجاري 2026 أعلنت مصر توقيع مذكرة تفاهم لتوريد الغاز إلى سوريا دون تفاصيل عن الكميات.
كل هذه المسارات قد تمنح الكهرباء جرعة إسعافية، لكنها لا تغني بطبيعة الحال عن استثمار طويل الأجل إذا كان الهدف هو مضاعفة إنتاج الغاز محلياً بشكل مستدام.
اقرأ أيضاً: مشاريع كهرباء بـ 7 مليارات دولار: أين وصلت الوعود الكبرى على الأرض؟
كيف ينعكس على الناس؟
المعيار الذي يهم الناس بسيط، هل تتحول مضاعفة إنتاج الغاز إلى ساعات كهرباء أكثر واستقراراً وأقل كلفة؟ تحقيق ذلك يتطلب أن تكون محطات التوليد قادرة على استقبال الغاز وأن تكون الشبكة قادرة على نقل كهرباء دون خسائر كبيرة.
وبين طموح مضاعفة إنتاج الغاز وبين واقع الحقول والاستثمارات، مسافة يمكن تقليصها إذا توافرت ثلاثة شروط، أمان تشغيلي حول الحقول والمعامل وتمويل قابل للتنفيذ لا للاستهلاك الإعلامي وخطة تشغيل تضع الأولوية لما يرفع الإمداد سريعاً دون إهمال الإصلاحات العميقة.
هنالك عامل آخر لا يقل أهمية أيضاً هو نشر بيانات دورية واضحة عن الإنتاج والإمداد والانقطاعات، لأن الشفافية هنا أداة لقياس التقدم وتعديل المسار.
ومن دون هذه العناصر قد يبقى الرقم هدفاً نظرياً، أما إذا تحققت فقد يتحول إلى ساعات كهرباء إضافية يشعر بها الناس قبل أن تظهر في البيانات الرسمية، ويبقى التنفيذ هو الفيصل أمام الجمهور.
اقرأ أيضاً: هل حقّقت سوريا الفائدة المرجوّة من الغاز الأذربيجاني؟!









