خشبة حلب تجمعهم.. 14 عرضاً في مهرجان سوريا المسرحي

بقلم هلا يوسف
تشهد مدينة حلب انطلاقة مميزة لمهرجان سوريا المسرحي المركزي لعام 2026 على مسرح نقابة الفنانين، لتُروى حكايات وأفكار رسمها كتّاب بخيالهم وترجمها ممثلون بأدائهم، وسط عدد كبير من المسرحيات المشاركة، في فعالية ثقافية تجاوز هدفها فكرة المهرجان، لتصل إلى إعادة إحياء المسرح بكافة جوانبه الإبداعية والنقدية والتمثيلية.
وتحت شعار “كل دروب المسرح تصل إلى حلب”، استقبل المهرجان مسرحيات من كافة المحافظات السورية، ليشكل نقطة التقاء الإبداع السوري بالنقد المحلي والعربي.
ومنذ اللحظة الأولى، بدا التفاعل واضحاً بين المشاركين في المسرحيات والجمهور الحاضر، كما كانت روح المنافسة على الإبداع حاضرة، ليس فقط من أجل الجائزة، بل لإثبات القدرات أمام نقاد ومسرحيين عرب جاؤوا للمشاركة في المهرجان، علّها تكون فرصة للانتقال بالعروض إلى مسارح عربية في المستقبل.
14 عرضاً من محافظات سورية مختلفة على خشبة واحدة
تضم المسابقة الرسمية للمهرجان 14 عرضاً مسرحياً، جاءت من تجارب وفرق مختلفة في عدد من المحافظات السورية، بينها دمشق وحلب وحماة وإدلب ودرعا والحسكة والرقة وطرطوس وريف دمشق.
وهذا ما أعطى المهرجان أهميته، فكل عرض يحمل معه أسلوباً مختلفاً وطريقة خاصة في تقديم الحكاية، لتتنوع القصص بين الكوميدية والدرامية. غير أن العروض الأكثر تميزاً هي تلك التي تقترب من المسرح التجريبي القائم على تقديم فكرة بطريقة غير مألوفة. وهذا الأمر نوّع القصص أمام الجمهور، وطرح القضايا من وجهات نظر متعددة، وقدم تجارب كثيرة.
وتستمر العروض في مسارح مدينة حلب حتى 12 أيلول، في الوقت الذي يعيش فيه المهرجان تجارب أخرى ضمن برنامجه الثقافي والفني الذي لا يقل أهمية عن المنافسة نفسها. حيث تتضمن الفعاليات ندوات وجلسات نقدية يتم فيها تقييم أداء الأعمال المشاركة، بينما يتعمق الحديث بين المسرحيين والنقاد السوريين والعرب عن واقع المسرح السوري والتحديات التي تواجهه والطرق الممكنة لتطويره.
بينما تخضع المنافسة لتقييم من لجنة تحكيم تحضر جميع العروض، وتضم أسماء سورية وعربية، برئاسة الدكتور عجاج سليم، وعضوية الدكتور عبد القادر المنلا، والفنانة ريم علي، والفنان حسين عبد الله المسلم من دولة الكويت، والدكتور حبيب غلوم العطار من دولة الإمارات.
ومع وجود الأسماء السابقة، يأخذ التقييم جدية ومصداقية أكبر، خصوصاً أنه لا يُبنى على الانطباع الأول، بل يتم النظر إلى عناصر متعددة، مثل النص والإخراج والأداء والرؤية الفنية والجوانب الجمالية للعمل.
لماذا اختيرت حلب؟ وما الذي يعنيه حضور الجمهور؟
لا يمكن فصل المهرجان وطبيعته الفنية عن مدينة حلب، أم الفنون، التي أخرجت للعالم العربي شعراء وفنانين ومسرحيين عظماء. فالتاريخ الطويل من الحياة الثقافية والفنية السورية منحها حق الامتياز لإقامة المهرجان على أرضها، وذلك يُعد بمثابة تأكيد على هذا التاريخ وأصالته.
بينما ازدحم يوم افتتاح مهرجان سوريا المسرحي المركزي بالكثير من التفاصيل التي بدأت بحضور رسمي واسع، ضم وزير الثقافة محمد ياسين الصالح ومحافظ حلب وعدداً من الفنانين والمسرحيين والضيوف العرب.
فقد استغل الوزير الصالح هذه المناسبة لشكر العاملين في الوزارة والكوادر الفنية التي عملت ليل نهار لمدة عام للتحضير لهذا المهرجان. بينما أشار في حديثه عن المهرجان إلى أنه فرصة جامعة لمختلف التجارب والألوان الفنية والفكرية، التي تؤكد على مكانة المسرح باعتباره واحداً من أهم أشكال التعبير الثقافي.
بينما كان الإقبال الجماهيري ترجمة عملية لنجاح المهرجان، وتعبيراً واقعياً عن أهمية المسرح بالنسبة لهم. فالمسرحية لا تكتمل بمجرد كتابة النص أو تجهيز الديكور أو وقوف الممثلين على الخشبة، بل تحتاج إلى شخص يجلس في المقعد المقابل وينصت ويتفاعل ويضحك أو يتأثر أو يخرج من القاعة وهو يفكر في فكرة شاهدها قبل قليل.
وهذا ما أكد عليه مدير مديرية المسارح والموسيقا الفنان نوار بلبل، والذي أضاف أن الجمهور يمثل العنصر الأساسي في نجاح واستمرار أي عرض مسرحي، مشيراً إلى أن المسرح يفقد جزءاً من جوهره عندما يغيب الناس عنه.
والأهم أن عودة الجمهور إلى المسارح لا تعني فقط نجاح مهرجان واحد، بل يمكن أن تكون مؤشراً على حاجة الناس إلى الفن، وإلى أعمال تتحدث عن واقعهم وتطرح قضاياهم بطريقة مختلفة.
اقرأ أيضاً: حمص تجمعنا.. كيف أعاد صيف سوريا الحياة إلى شوارع المدينة؟
مهرجان يعيد فتح الطريق أمام المسرح السوري
جاء المهرجان في توقيت مهم بالنسبة للحركة المسرحية في سوريا، فمن يستعيد ذاكرة المشهد الثقافي منذ سنوات يعلم حجم الظروف الصعبة التي أثرت على جوانب الحياة الثقافية، والتي كان المسرح أحد جوانبها، حيث تراجعت أنشطته وفعالياته. لذلك جاء المهرجان ليكون نقطة الوصل بين الفنانين، ومركزاً لانطلاق تجارب جديدة.
وقد علق عميد المعهد العالي للفنون المسرحية الفنان غطفان غنوم على المهرجان، معتبراً أن انطلاقته من حلب يمثل نقطة مهمة للحركة المسرحية السورية، خصوصاً بعد سنوات التراجع في الأنشطة والفعاليات.
كما أشار إلى أن الحضور الجماهيري يعكس حاجة الناس إلى عروض فنية راقية تستطيع نقل حياتهم اليومية، وتذكّر الآخرين بأهمية الدور المجتمعي للمسرح. فالمسرح، إلى جانب كونه مادة ترفيهية يتم طرحها، يقدم منظوراً مختلفاً للمشكلات، تُعدّل عن طريقه طريقة تفكير الجمهور بقضاياه، وتفتح في عقله نقاشات عميقة حول حياته.
وهذا ما يجعل الحديث عن مستقبل المسرح السوري مرتبطاً باستمرار هذه الفعاليات، وليس بتنظيم مهرجان واحد ثم الانتظار عاماً آخر.
تجدر الإشارة إلى أن أجندة المهرجان تتضمن عروضاً يومية وفعاليات نقدية يشارك فيها ضيوف من سوريا ودول عربية، ما يعطي الفنانين فرصة للتعرف إلى تجارب أخرى، ويفتح باب التواصل والتبادل الثقافي.
والطموح الذي يرافق هذه الفكرة هو أن تكون حلب بداية لحراك أوسع، وأن تتحول المهرجانات المسرحية إلى فعاليات دورية تصل إلى مختلف المحافظات، بحيث يحصل الفنانون في كل منطقة على فرصة لتقديم أعمالهم والتعرف إلى تجارب زملائهم.
في النهاية، أجمل الصور التي خلقها مهرجان سوريا المسرحي المركزي هي إمكانية اجتماع فنانين من كافة المحافظات على خشبة واحدة، وجمهوراً أتى من كافة المحافظات ليرى مسرحاً سورياً دون أي تفرقة أو مناطقية. وبذلك استطاعت خشبة المسرح أن توحد ما لم تستطع السياسة توحيده، فالمشاركون من كل المحافظات، والحاضرون من داخل سوريا وخارجها. وهذا بحد ذاته ترسيخ للشعار الذي يقول: “كل دروب المسرح تصل إلى حلب”.
اقرأ أيضاً: «بروفة يوم الحساب»: المسرح السوري يدخل نقاش العدالة الانتقالية والناجيات









