سياسة

خرائط النار تتوسع: قراءة في معاني وتداعيات الضربة «الإسرائيلية» في قطر على سوريا

الكاتب: أحمد علي

تصاعد الدخان في سماء الدوحة بعد ضربات هزّت العاصمة القطرية في سابقة خطيرة هزّت المنطقة. ولم يكن مشهد النيران والدخان المتصاعد في قطر مشهداً عادياً؛ لأول مرة يتجرأ كيان الاحتلال الإسرائيلي على قصف أرض خليجية بهذه الصراحة والعلنية، ليتجاوز كل الخطوط الحمر ويرسل موجات من الصدمة عبر عواصم المنطقة والعالم. فطوال سنين ظنّ كثيرون أن مظلة الحماية الدولية والعلاقات الأميركية ستجعل قطر بمنأى عن نيران الحرب، لكن «إسرائيل» أثبتت العكس تماماً.. وما تفعله «إسرائيل» عملياً هو توسيع رقعة الصراع مع قدر غير مسبوق من الاستهتار بالقوانين والأعراف الدولية. لكن السؤال هنا، ما دلالات ذلك بالنسبة لسوريا والمنطقة بشكل عام؟

الضربة «الإسرائيلية» في قطر تتلو ضربات في سوريا

لم تأتِ الضربة «الإسرائيلية» في قطر من فراغ، بل سبقها تصعيد لافت على الساحة السورية. فقبل ساعات فقط من انفجارات الدوحة، كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تغير على مواقع في محافظتي حمص واللاذقية غرب سوريا. دوّت الانفجارات قرب منشآت عسكرية سورية، وأعلنت دمشق أن العدوان استهدف مواقع للجيش السوري بينها كتيبة دفاع جوي قرب حمص، مسفرة عن أضرار مادية.

الغريب أن دولة قطر نفسها – وفي مفارقة لافتة – سارعت في ذلك الصباح في بيان من وزارة الخارجية إلى إدانة قصف «إسرائيل» لتلك المواقع السورية، واصفةً إياه بأنه انتهاك سافر لسيادة سوريا وتهديد خطير للأمن الإقليمي. لم تكد تمضي ساعات حتى وجد القطريون أنفسهم أمام خبر لا يقل صدمة: انفجارات في قلب الدوحة، تبيّن سريعاً أنها ضربة إسرائيلية مباشرة استهدفت قياديين في حركة حماس هناك. وأعلن مكتب رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو مسؤوليته صراحة عن الهجوم، مؤكداً أن «إسرائيل» نفذته بمفردها وتحمل نفسها المسؤولية الكاملة. وهكذا انتقل المشهد الدراماتيكي من الساحل السوري إلى الخليج العربي في غضون يوم واحد، في تطور غير مسبوق بتاريخ الصراع العربي – «الإسرائيلي».

ردود الفعل كانت سريعة. قطر نفسها التي أدانت قصف سوريا صباحاً وجدت لسان حالها يصف الضربة على أراضيها بـ “العمل الجبان” و”الانتهاك الصارخ” للقانون الدولي. وعلى نحو نادر، وحدت الحادثة الخطاب العربي؛ فقد صدرت إدانات غاضبة من دول الخليج ومختلف العواصم العربية، منددةً بعدوان «إسرائيلي» طال سيادة دولة عربية مستقلة لأول مرة بهذا الشكل.

حتى الدول التي طبّعت، أو يتم الحديث عن تطبيعها، مع «إسرائيل» وجدت نفسها مضطرة لاستنكار ما جرى؛ فالسعودية وصفت الهجوم بأنه “عدوان وحشي” على قطر الشقيقة، والإمارات اعتبرته انتهاكاً غادراً لأمن الخليج الجماعي. المشهد ذكّر البعض بتضامن عربي نادر، وكأن الضربة «الإسرائيلية» أيقظت حساً قومياً مفاده أن أي دولة عربية ليست بمنأى عن الخطر الإسرائيلي إذا تُرك يتمادى دون رادع.

توسع العدوان الإسرائيلي: علامة ضعف أم استعراض قوة؟

أثار توسيع نطاق العمليات العدائية «الإسرائيلية» ليشمل هذه الجبهة الجديدة جدلاً حول ما إذا كان ذلك مؤشر قوة وغطرسة، أم علامة على ارتباك وضعف ضمني لدى «إسرائيل».

 

فمن جهة، يراها البعض علامات قوة، لأن إجراءات «إسرائيل» غير مسبوقة؛ فهي تشن عمليات عسكرية عبر عدة دول في وقت متزامن. خلال 24 ساعة فقط من ذلك التصعيد، كانت مقاتلاتها تضرب في غزة ولبنان وسوريا وحتى قلب قطر، وكأن لا أحد قادر على كفّ يدها.

محللون أشاروا إلى أن «إسرائيل» باتت تتصرف وكأنها فوق القانون؛ تضرب في عواصم عربية “كما يحلو لها” وسط مناطق مدنية مكتظة، مطمئنةً إلى غياب رادع حقيقي من القوى الدولية. هذه الثقة المفرطة ربما غذّاها الدعم الأميركي المستمر طيلة الحرب على غزة، أو تراخي المجتمع الدولي عن محاسبة «إسرائيل» رغم سقوط أعداد مهولة من الفلسطينيين خلال عامين من القتال. أضف إلى ذلك تصريحات نتنياهو المتباهية بعد الهجوم على الدوحة بأن “أيام الحصانة قد ولّت” وأن أي قيادي معادٍ لن ينعم بالأمان بعد الآن، في إشارة إلى تصميم «إسرائيلي» على توسيع قواعد الاشتباك بلا حدود.

ولكن في المقابل، ثمة قراءة مختلفة تماماً: هل تُخفي هذه المجازفات نزعة يأس أو أزمة تعيشها «إسرائيل» داخلياً في حربها المستمرة؟ الحقيقة أن الضربة في قطر جاءت في وقت تواجه فيه «إسرائيل» حرباً طويلة في غزة استنزفت جيشها وسمعتها.

فبعد ما يقرب من عامين على اندلاع القتال في تشرين الأول 2023، لم ينجح كيان الاحتلال الإسرائيلي في القضاء التام على قيادة حماس أو منع صواريخ المقاومة، رغم الثمن الباهظ بالأرواح والبنية التحتية. هذا الفشل في تحقيق نصر سريع دفعها ربما إلى توسيع رقعة النار علّها تكسر الجمود؛ باستهداف قادة حماس في المنفى لتعجيل إنهاك الحركة أو فرض تنازلات في المفاوضات. لكن هذه الخطوة جاءت كمقامرة سياسية كبرى، أدت إلى توتر مع أقرب الحلفاء. حتى داخل الكيان. لم يخلُ الأمر من القلق؛ فالتقارير تحدثت عن تحذيرات من قيادات عسكرية لنتنياهو بعدم توسيع الحرب أكثر، خشية استفزاز جبهات جديدة أو تعريض مصالح استراتيجية للخطر.

وبالفعل، ظهرت بوادر هذا الخطر فوراً: واشنطن نفسها – الحليف الأكبر – اعتبرت الهجوم على قطر عملاً أحادياً “لا يخدم الأهداف الإسرائيلية أو الأميركية”، ما يعني أن «إسرائيل» تجاوزت حتى الخطوط الأميركية المرسومة لها.

يوضح هذا التصعيد كيف امتدت رقعة الاشتباك الإسرائيلي لتشمل دولاً متعددة في آن واحد. وبين مشهد الثقة المفرطة ومؤشرات الضعف الكامنة، يجد المراقب أن العدوان المتوسع يحمل تناقضاتٍ عميقة. فهو من جانب يعكس شعور تل أبيب بقدرتها على الفعل المطلق دون حسيب أو رقيب، ومن جانب آخر يُظهر افتقارها لاستراتيجية خروج واضحة من حرب مستنزفة، ما يدفعها لمقامرات خطرة كهذه. وفي الحالتين، تبقى سوريا معنية بتفكيك رسائل هذا التطور وفهم ما إذا كان في صالحها أم ينبئ بتحديات جديدة لها.

سوريا ومشهد التصعيد: قراءة وتوقعات

بالنسبة لدمشق، شكّلت الضربة «الإسرائيلية» في قطر حدثاً يستدعي التأمل والحذر معاً. فعلى مدى سنوات الأزمة السورية، اعتادت «إسرائيل» قصف أهداف داخل سوريا مراراً وتكراراً بحجة ضرب الوجود الإيراني أو شحنات أسلحة إلى حزب الله، فيما اكتفت سوريا غالباً بالاستنكار ورفع شكاوى دولية لم تلق آذاناً صاغية.

بيد أن إيصال «إسرائيل» نار حربها إلى الدوحة – حيث أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط – يقلب موازين التوقعات. وتأمل دمشق أنّ الزخم الدولي الغاضب من العدوان على قطر يُمكن استثماره لفضح ممارسات «إسرائيل» العدوانية المزمنة على الأراضي السورية، علّ العالم يدرك خطورة سياسة الصمت عن اعتداءات «إسرائيل» “المعتادة” التي طالما اعتُبرت أمراً واقعاً.

لكن من ناحية أخرى، لا يبدو أن معاناة سوريا الطويلة مع الغارات «الإسرائيلية» ستنتهي بضربة أصابت قطر. فالحجة لدى كيان الاحتلال اليوم هي تقويض الحضور والوزن التركي في سوريا بعد تراجع الحضور الإيراني ما بعد سقوط سلطة الأسد. وإذا كانت «إسرائيل» قد تجرأت على كسر هيبة السيادة القطرية المحمية أميركياً، فهي لن تتورع عن مواصلة غاراتها الروتينية على مواقع داخل سوريا تعتبرها تهديداً، ظناً منها أن رد الفعل الدولي سيظل ضمن حدود الشجب اللفظي.

وربما تقرأ تل أبيب الصمت العالمي المزمن حيال ضرباتها في سوريا كضوء أخضر ضمني لمواصلة تلك السياسة، خاصة إن رأت أن العاصفة الدبلوماسية حول الدوحة هدأت بسرعة. لذلك، على صناع القرار في دمشق أن يبقوا أعينهم مفتوحة: فالتصعيد الإسرائيلي لا يعني تخفيف العبء عن سوريا (كما يرى البعض)، بقدر ما يعني اتساع دائرة النار لتشمل آخرين معها.

وهنا، يمكن لسوريا أن تستخلص درساً مهماً من سابقة استهداف قطر. هذا الدرس مفاده أن «إسرائيل» لن تتوقف ما لم تجد قوة ردع جماعية تواجهها؛ وأن الاعتماد على مظلة الحماية الدولية قد لا يجدي إذا قررت تل أبيب المضي في نهجها. فقد أظهرت الضربة أن أياً من دول المنطقة ليس بمنأى عن نيران العدوان إذا تُركت «إسرائيل» تعمل بإفلات تام من العقاب. ومن منظور الأمن القومي السوري، ربما حان الوقت لتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي لكبح جماح «إسرائيل».

في المحصلة، خلقت الضربة «الإسرائيلية» في قطر واقعاً جديداً مفاده أن «إسرائيل» – في ذروة حربها – مستعدة لتفجير أي خط تقليدي إذا رأت في ذلك مكسباً لها. وبالنسبة لسوريا والمنطقة، هذا التطور يدق ناقوس خطر بأن سقف المواجهة يرتفع وقد يجر الجميع إلى أتون أوسع في قادم الأيام.

على أية حال، ما نتمناه كشعوب في المنطقة – وخاصة الشعب السوري الذي ذاق ويلات الاعتداءات مراراً – هو أن يكون هذا الحدث المفصلي بداية لصحوة جماعية في وجه العربدة «الإسرائيلية»، وتأسيساً لواقع جديد وتحالفات جديدة تضع حداً للمحتل، وتجبره على التراجع عن خطاه هذه، كخطوة أولى باتجاه تفكيكه وتوجيه الضربات الموجعة له، واستعادة الأراضي العربية المحتلة وعلى رأسها الجولان السوري المحتل..

اقرأ أيضاً: هل بات الاتفاق الأمني بين سوريا و «إسرائيل» قريباً؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى