أعمال واستثمار

حين يسيطر اقتصاد الظل … قراءة في واقع سوريا الاقتصادي المعقد

في زوايا الأسواق الشعبية ودهاليزها، متنقلاً بين “البسطات” على الطرقات المزدحمة، وخلف أبواب مغلقة، يدور اقتصاد آخر غير مرئي بالبيانات الرسمية ولا يخضع لضرائب الدولة. إنه “اقتصاد الظل”، الذي تحوّل في سوريا من هامش صغير يطلّ من باب خلفي إلى شبكة واسعة تشكّل شريان حياة لملايين، لكنها في الوقت ذاته تستنزف بنية الاقتصاد الرسمي وتعيد تشكيل ملامح المجتمع. فهل يمكن اعتباره اقتصاد حرب ونتاجاً للظروف المفصلية والاستثنائية في البلاد، أم أنه امتداد لسياسات قديمة وجدت في الفوضى بيئة خصبة للنمو؟

في هذا المقال سنتعرف على اقتصاد الظل، أسبابه، ونتائجه، ونناقش تأثير الحرب فيه.

ما هو اقتصاد الظل؟ كيف ينشأ؟

يصنف “اقتصاد الظل” على أنه مجموع من الأنشطة الاقتصادية التي تتم ممارستها خارج نطاق القوانين والأنظمة الرسمية، فلا تخضع للضرائب أو الرقابة الحكومية.

يشمل الاقتصاد المخفي أعمالاً عديدة مثل: التجارة غير المرخّصة، التهريب، السوق السوداء، المهن والخدمات غير المسجّلة في السجلات الرسمية.

ينشأ هذ النوع من الاقتصاد عادة عندما تصل الدولة لمرحلة العجز عن تلبية حاجات السوق أو مراقبة حركة الأموال والسلع وضبطها، فيلجأ الأفراد إلى طرق بديلة لتأمين مصادر دخلهم أو حاجاتهم اليومية.

في الحالة السورية، ساهمت الحرب والعقوبات وتراجع مؤسسات الدولة وارتفاع معدلات البطالة في توسيع رقعة اقتصاد الظل، حتى أصبح في كثير من الأحيان موازياً أو منافساً للاقتصاد الرسمي، وخرج من السّر إلى العلن وفرض نفسه كمنافس للاقتصاد الوطني مضيفاً للحالة الاقتصادية السورية تعقيداً آخر.

اقرأ أيضاً: البسطات في سوريا…خطوة نحو التنظيم وإيجاد الحلول

أسباب اقتصاد الظل ونتائجه في سوريا

أسباب توسّع اقتصاد الظل في سوريا متنوعة، وترجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة فيما بينها. من جانبها العقوبات الاقتصادية أدت وفاقمت صعوبة انسياب السلع عبر القنوات الرسمية، ما فتح المجال أمام التهريب والتجارة غير النظامية. من جهة أخرى، ساهم الفساد وضعف مؤسسات الدولة في تغاضي بعض الجهات عن الأنشطة غير القانونية أو حتى الاستفادة منها واستغلالها لمصالح شخصية، لتطل الضرائب المرتفعة والتي فُرضت في بعض السنوات تتابعاً بالتزامن مع الروتين الإداري، ما دفع العديد من أصحاب المهن والأعمال الصغيرة للعمل خارج الإطار الرسمي لتجنّب الالتزامات المالية والتهرب منها. إلى جانب عوامل سابقة ومتجذرة متمثلة بالبطالة والفقر اللذان أجبرا شريحة واسعة من السوريين على البحث عن مصادر دخل غير نظامية لتأمين أدنى مستلزمات حياتهم.

لتأتي الحرب وأوزارها وتشكل عاملاً أساسياً في تضخيم هذا الاقتصاد في البلاد. بسبب الحرب أُضعفت الرقابة الحكومية، وخُلقت مناطق خارجة عن سيطرة الدولة تحكمها سلطات محلية أو جماعات مسلّحة اعتمدت على التهريب والتجارة السوداء كمورد رئيسي.

كما ساهم كل من النزوح والدمار في تفكك البنية الاقتصادية الرسمية، لتنتقل الكثير من الأنشطة الحيوية إلى الظل لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. هكذا، تحوّل اقتصاد الظل من زاويته الضيقة إلى أفقه الواسع، ليشكل شبكة أصبحت في بعض المناطق شريان الحياة اليومي للسكان الذي لا يمكن الكَف عن الاعتماد عليه.

بحسب تقديرات غير رسمية فإن اقتصاد الظل يمثل أكثر من 60% من الناتج الإجمالي في سوريا مع توسع أكبر في المناطق النائية، وأن هذا الاقتصاد أضاع ضرائب قدرها 1750 مليار ليرة وقد ازدادت نسبته بعد تشديد العقوبات الأميركية (قانون قيصر 2020)، حيث أصبح من شبه المستحيل على كثير من التجار أو العاملين الحصول على تراخيص أو تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية، وتحوّلت الدولة بذلك من لاعب اقتصادي مركزي متحكم إلى مراقب عاجز أمام تمدد اقتصاد غير رسمي بديل، غير خاضع للضرائب.

أرخى اقتصاد الظل بنتائج تكاد تكون كارثية على مختلف مفاصل الاقتصاد السوري، سنعرض نتائجه على أكثر من قطاع: قطاع المصارف والتحويلات، الحوالات كانت تتم من خلال شبكات حوالات خاصة أو نقدية، بعد سقوط النظام انتشرت على بسطات الشوارع، ومثّلت شركات الصرافة غير الرسمية والأفراد الخيار الوحيد لتلقّي الأموال من الخارج، بعد أن أُدرجت البنوك السورية على قوائم العقوبات، وأصبحت التعاملات المصرفية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. كما تشير تقديرات إلى أن أكثر من 80% من الحوالات المالية إلى الداخل السوري تمر عبر قنوات غير رسمية، ما يعني أن مليارات الليرات بشكل شهري تدور في اقتصاد غير مراقب.

نشط التهريب بكثرة بين الحدود، وجرى بيع البضائع المستوردة من دون جمارك، وانتشرت آلاف الورش التي تعمل خارج رقابة المالية أو البلديات، حتى بات أكثر من نصف العمالة السورية غير مسجلة أو بلا عقود. ترافق ذلك مع انتشار كثيف للبضائع التركية والعراقية واللبنانية التي تُباع دون فواتير، وبالدولار في بعض الأحيان أو بالليرة بسعر غير رسمي وغير مضبوط، دون أن تمر عبر الجمارك أو الضرائب، حتى تضخم هذا النشاط خلال الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق.

أما سوق العمل السوري، تشير تقديرات إلى أن أكثر من نصف السوريين يعملون في وظائف لا تشملهم مظلة التأمينات أو الضمان الاجتماعي أو عقود العمل النظامية، ما يجعلهم على هامش الدولة دون ضمانات قانونية أو اجتماعية على حدٍ سواء.

اقرأ أيضاً: لا اشتراكية ولا رأسمالية.. ما الوصفة السحرية لإنقاذ اقتصاد سوريا؟

اقتصاد الظل إرث قديم أم نتاج حرب متجدد.. هل يتحسن؟

هذا الاقتصاد في سوريا ليس ظاهرة جديدة، فكان موجوداً في عهود سابقة بسبب الفساد وضعف الرقابة والبيروقراطية المعقّدة، لكن الحرب جعلته يتضخم بشكل غير مسبوق ويعتاش على مفرزاتها حتى أصبح في كثير من الأحيان بديلاً للاقتصاد الرسمي. يمكن اعتباره إلى حد بعيد ونتيجة مقاربة أسباب تناميه “اقتصاد حرب”، بسبب اعتماده بشكل رئيسي على التهريب، والمتاجرة بالسلع المدعومة بطرق غير قانونية، والتعاملات المالية خارج الرقابة المصرفية.

في السياق ذاته، يظهر المستفيدون في صورة شبكات التجار والوسطاء وأطراف مسلّحة تستغل الفوضى لتحقيق أرباح هائلة، بينما المتضرر الأكبر هو المواطن البسيط العادي الذي يواجه ارتفاع الأسعار ويقف وحيداً في وجه تراجع الخدمات وتآكل العدالة الاجتماعية.

رغم أن بعض الدول قد تتسامح مع هذا النوع من الاقتصاد، بغية تخفيف الضغوط المعيشية أو امتصاص البطالة في البلاد، لكن يجب الانتباه إلى أن الاعتماد عليه كبديل دائم لا يبني اقتصاداً مستقراً، بل يقود إلى مزيد من التدهور والعزلة عن الأسواق العالمية، ويعمّق الفجوة بين الدولة ككتلة وقوة اقتصادية مسيطرة والمواطنين.

في سياق متصل، وعن إمكانية تحسين هذا النوع من الاقتصاد وإرجاع تعاملاته لسيطرة الدولة وضمها للاقتصاد الوطني يقول خبراء اقتصاديون، إن قرار رفع العقوبات عن سوريا يمثل نقطة تحوّل سياسية واقتصادية جوهرية، تتيح إعادة دمج البلاد في النظام العالمي، ما يمهد الطريق للتعافي الاقتصادي، في ظل التشديد على أن النتائج الفعلية لهذا القرار ستتوقف على قدرة الدولة على إدارة المرحلة بفعالية، عبر إصلاحات مؤسسية وتشريعية حقيقية.

اقرأ أيضاً: الصادرات المدنية إلى سوريا.. هل يفتح القرار الأمريكي الجديد باب الانتعاش الاقتصادي؟

ختاماً، اقتصاد الظل في سوريا تحوّل من شبح خفي فَتك بالبلاد في العتمة إلى مارد يخرج لينافس الاقتصاد الوطني ويستنزف مقدراته ويخرجها عن الإطار القانوني المسموح به، هنا يبرز دور الدولة في إعادة ضبط اقتصادها وفرض نفسها كلاعب بالاقتصاد ومتحكم به لا متفرج عاجز عن القيام بأي حركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى