المجتمع السوري

هل يغير الذكاء الاصطناعي طريقة التسوق في سوريا اليوم؟

بقلم: ريم ريّا

مفهوم التسوق في سوريا يتغير ليخرج اليوم من مفهومه المعتاد بين أزقة الأسواق والمحال وحتى من التصفح بين المنصات الإلكترونية التي تعرض جميعها الملابس والأدوات والأثاث وغيرها، لننتقل من سؤال البائع “شو بتنصحني؟” إلى سؤال الخوارزمية نفسها.

لم يدخل الذكاء الاصطناعي حياتنا من بابها العريض، بل تسلل بهدوء عبر الإعلانات والخوارزميات والاقتراحات والترتيبات التي أحياناً نراها وأحياناً لا. فالسؤال اليوم، ليس هل غيّر الذكاء الاصطناعي عاداتنا اليومية، بل إلى أي حد نحن سمحنا له بذلك؟

كيف غيّر الذكاء الاصطناعي تجربة الشراء في سوريا؟

بدايةً، الذكاء الاصطناعي في التسوق لا يعني أن هناك روبوتاً سيبيعك قميصاً، بل هو حزمة من الأنظمة التي تحلل سلوكك، ماذا شاهدت، ماذا أعجبك، كم توقفت عند صورة معينة، متى خرجت من الإعلان، وتفاصيل كثيرة يجري بناءً عليها إعادة تشكيل ما سيعرض عليك لاحقاً.

إلى جانب أسئلتك أحياناً لمواقع الذكاء الاصطناعي عن بعض القطع وأنواعها، واللون المناسب لبشرتك، وغيرها من الأسئلة التي تتيح لتلك الأنظمة أن ترسم صورة متكاملة عنك وعن هويتك ونمط حياتك. وإن تحليل هذه الأنظمة غير عاداتنا الشرائية عبر ثلاثة طرق:

أولها تقليص الخيارات أمامنا، فبدل أن نبحث على أرض الواقع أو بين صفحات مواقع التواصل عما يشبهنا، بات يعرض علينا “الأقرب لنا”، وثانياً الذكاء الاصطناعي بارع في تسريع القرار، فهو مصمم أصلاً لعرض نتائج شاملة وبسرعة كبيرة، وهو يدفعك لقرار أسرع من خلال الإلحاح غير المباشر بأن هذا النمط يليق بك أو يدهشك بعبارات مثل “منتج مشابه قد أعجبك”. وما يبرع به أيضاً وهي المرحلة الثالثة من تأثيره بأنه يعيد تعريف الحاجة، فأحياناً لا نشتري لأننا نحتاج، بل لأن ما حولنا أقنعنا بأننا نحتاج.

اقرأ أيضاً: التأخر التقني في سوريا نعمة! العالم يستبدل موظفيه بالذكاء الاصطناعي

هل نعتمد حقاً على الذكاء الاصطناعي للتسوق في سوريا؟

بدايةً، خلصت دراسة بحثية سوقية في الغرب إلى أن أكثر من نصف مستخدمي الذكاء الاصطناعي يلجؤون له قبل محركات البحث في التسوق إلكترونياً. وقال 3% ممن شملهم استطلاع معهد نورستات البحثي إنهم دائماً يفضلون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على محركات البحث عند التسوق الإلكتروني. في حين قال 14% إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي غالباً، في حين قال 35% إنهم يستخدمونه في بعض الأحيان.

وقد شارك في الاستطلاع الذي أجرى في شهر يونيو/ حزيران الماضي 7282 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً من ألمانيا والمملكة المتحدة والسويد والنرويج والدنمارك وفنلندا.

وفي الحقيقة حول السؤال: هل يتم استخدام الذكاء في التسوق في سوريا؟، فالإجابة هي: نعم، وإن لم تكن منتشرة بشكل كبير حالياً، لكنها موجودة بشكل غير مباشر وغير معلن. ففي سوريا، لا توجد منصات تسوق كاملة تعتمد على الذكاء كما في الأسواق العالمية. لكن يحصل الاعتماد عليه من خلال خوارزميات فيسبوك وانستغرام وغيرها من المنصات من خلال الإعلانات الممولة التي فُتحت حديثاً.

وفضلاً عن السؤال المكرر عن منتج أو ملابس لمواقع الذكاء الاصطناعي مثل: شات جي بي تي أو جيمناي وغيرها، يجعل من ظهور المتاجر الإلكترونية أو المحلية التي تحوي المنتج المطلوب أسرع، لأنه خزن كل المعلومات المتعلقة بما تحتاج أنت وما تحتاجه شخصيتك.

إلى جانب أن اقتراحات الصفحات والبائعين تظهر تبعاً لتفاعل المستخدم، فيعرض عليه كل ما يشابه ذوقه بناءً على تفاعله. ناهيك عن السؤال من قبل مستخدمي الذكاء عما يناسبهم من ملابس أو منتجات وأين يجدونها، وبعضهم يطلب من “شات جي بي تي” تنسيق إطلالاته. ربما لا يسمي المستهلك السوري تلك الأمور “ذكاءً اصطناعياً”، لكنه يتأثر به بشكل يومي.

اقرأ أيضاً: التأخر التقني في سوريا نعمة! العالم يستبدل موظفيه بالذكاء الاصطناعي

السوشيال ميديا في مواجهة الذكاء الاصطناعي: ما الفرق؟

لنتفق أولاً أن الذكاء الاصطناعي هو الجيل الخامس من الثورة الرقمية، والسوشيال ميديا الجيل الرابع منها. فغالباً ما يتم الخلط بين الاثنين رغم أن العلاقة بينهما علاقة الأداة والمحرك. فالسوشيال، هي مساحة عرض وتفاعل، أنت ترى ما ينشره البائع، أو ما يشاركه الآخرون وبناءً عليه تكوّن رأيك. وأما الذكاء الاصطناعي، فهو العقل الخفي الذي يقرر ما الذي سيظهر لك أصلاً وبأي توقيت وأي صياغة، وأنت تساعده بطريقة أو بأخرى. وبشكل أبسط، السوشيال ميديا تتكلم، أما الذكاء فيهمس في أذنك.

والمستهلك السوري اليوم حاله كحال أغلب المستخدمين حول العالم، فهو يتجه نحو التسوق السريع والبسيط عبر الهاتف، وتلعب السوشيال ميديا الدور الأبرز في عرض ما يحتاجه وتوفر له التواصل مع البائعين، بينما يعمل الذكاء في الخلفية بهدوء ليوجهه لما يراه ولا يراه بناءً على سلوكه واهتماماته.

ومع الضغوط المعيشية وضيق الوقت، أصبح المستهلك السوري أقل ميلاً للبحث والاستكشاف، وبات أكثر اعتماداً على الاقتراحات، وهذا ما يوفره له الذكاء الاصطناعي بصورة أدق من الميديا، بعد أن سلّم له المستهلك دون أن ينتبه جزءاً من قراره وذوقه.

بالمحصلة، سيزداد في سوريا حضور الذكاء الاصطناعي في التسوق، ولكن التحدي الحقيقي ليس تقنياً، بل ثقافياً: كيف نستخدم هذه الأدوات دون أن نذوب فيها؟ وكيف نحتفظ بهويتنا الآدمية وبحقنا في الاختيار، لا مجرد قبول ما يعرض! الذكاء أداة قوية، ولكنه كأي أداة تعكس حدود من يستخدمها، لا ذكاءها أو حدودها هي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى