المجتمع السوري

حين يتحول اللعب إلى إرث في سوريا… حكاية الطاولة والمنقلة والضامة

في سوريا بين أزقة الشام وحمص وحلب وحارات الساحل.. يسمع ذات الصوت وتختلط رائحة القهوة بصوت النَرد أو الحجارة المتدحرجة على الطاولة الخشبية المزينة والمصقولة. في الخلفية تنشد فيروز صباحاً، وعبد الحليم وأم كلثوم مساءً ليصبح ارتطام نَرد الطاولة أو حجارة المنقلة والضامة إيقاعاً منضماً لأغانيهم.

يتحلّق أصدقاء الطفولة وجيران الحيّ حول رقعة الضامة أو حُفر المنقلة مُصغيينَ لارتطام أحجارها الصغيرة في كل خانة منها مترقبين لمن الغَلبة ستكون. فوق تلك الرقع الخشبية تُولد الحكايات التي لا تنتهي مع كأس من الشاي وذاكرة حيّة تختزن كل تفاصيل المجتمع السوري الودود المُحب للحياة. هذه الألعاب ليست مجرد تسلية عابرة، بل إرث مُتناقل ودروس مشوقة بطابعٍ ترفيهي.

ما الذي يجعل تلك التسالي الشعبية رفيقة المواطن السوري من المقاهي الشعبية إلى البيوت العائلية؟ كيف صنَعت الضامة من نفسها لعبة للصبر والذكاء تتعلم منها الأجيال؟ وكيف بقيت الطاولة سيدة المقاهي واللمات العائلية رغم زحمة الألعاب الالكترونية في سوريا؟

هذه الأسئلة سنجيب عنها ونكتشف سرّ بقاء هذه الألعاب الشعبية السورية وتعلّق الناس بها. فغدت نافذة لروحهم  وعنواناً لثقافتهم.

تاريخ الألعاب الشعبية: الطاولة والمنقلة والضامة

  • الطاولة

الطاولة في سوريا سيدة المقاهي الشعبية. باتت تُفرد لها دوريات خاصة على طاولات محددة في المقاهي فيجتمع الناس حول اللاعبين مصفقين ومهللين.. ضاحكين وفرحين بين “الشيش والدوشيش”. لعبة الطاولة “النرد” من أكثر الألعاب التصاقاً بذاكرة السوريين الحديثة، صوت النرد في المقاهي الشعبية يسمع من أول الشارع حتى آخره. يعود أصلها للحضارة الفارسية كما يشاع وجابت البلدان قبل أن تصل بلاد الشام لتصبح أحد ركائز المقاهي الدمشقية. حَطت في مصر القديمة وكان يطلق عليها اسم “سينيت” ويعود استخدامها إلى حوالي 3000 قبل الميلاد، والفرق بين الماضي والآن، أن اللعبة سابقاً تضمنت ألواحاً ذات 30 مربعاً واستخدمت العصي بدلاً من النَرد.

أصوات النَرد على الخشب موسيقى تنبعث من كل مقهى في سوريا، في الصباح والمساء إلى جانب لقهوة العربية والشاي الخمير.. رمية النرد لا تكتمل دون طقوسها. رشفة من القهوة أو الشاي، ثم رمي النرد وترقب لتحركات الخصم… فإما أن تنهال عليه الدعابات إن أخطأ أو يدوّي التصفيق إن أصاب… في ظل أجواء يحكمها التشويق.

الطاولة ليست لعبة حظ، بل لعبة حنكة وذكاء وحسن استغلال للفرص، وحسابات ذهنية. كأنك أمام رقعة حرب لا رقعة خشبية تتحرك فوقها الأحجار. تجذب الطاولة الرجال والنساء وتقام لها الدوريات بين الأزقة والمقاهي الشعبية في بعض الأحيان.

طاولة

  • المنقلة

المنقلة تعرف بلعبة الحبوب والذاكرة الزراعية في سوريا، كانت تستخدم في الحضارات القديمة للجَرد، تشاهد بكثرة في سوريا في الساحل السوري تحديداً في القرى وفي محافظة الحسكة بحكم طبيعتها الزراعية وعمل أهلها بالزرعة ورعاية المواشي إضافةً لبعض المناطق في المنطقة الموسطى من البلاد. تعتبر المنقلة من أقدم الألعاب الشعبية في العالم ومدرجة على قائمة “يونسكو” للتراث الثقافي غير المادي، يعود تاريخ لعبة المنقلة إلى 1400 سنة قبل الميلاد، حيث تم العثور على لوح حجري على أحد الأسطح في معابد مدينة “منفيس” بولاية طيبة والأقصر في صعيد مِصر.

تعود جذورها إلى آلاف السنين في وادي النيل وبلاد ما بين النهرين. دخلت سوريا من عقود وقرون طويلة. رغم بساطتها إلا أنها تحتاج لتركيز عالي وحسابات دقيقة فهي تتعدى كونها لوح محفور ومقسم لخانات، تتنقل بين خاناته حبوب أو “حصى” أو حجارة صغيرة، فلإفراغ تلك الخانات يحتاج المرء لتفكير عميق وحسابات ذهنية دقيقة للظفر بالفوز.

تتم اللعبة على لوح خشبي له 14 حفرة … لكل لاعب سبع حفر، ويتم توزيع 49 حصية “بحصة” لكل لاعب في كل حفرة 7 “بحصات”، ويفوز اللاعب الذي يربح عدداً أكبراً من الحصى.

منقلة

  • الضامة

الضامة، أو كما تُعرف في بعض المناطق بـ”الدامة”، لعبة تعتمد على الذكاء والتخطيط أكثر من الحظ. أصولها مختلفة بين أوروبا والشرق الأوسط، لكنها استقرت في سوريا لتصبح واحدة من أبرز الألعاب التي تمارس في البيوت والمقاهي.

الضامة ارتبطت بشكل وثيق بالتراث الشعبي في سوريا، وتلعب على رقعة شطرنج، ويملك كل لاعب 16 قطعة، ويتناوب اللاعبان على أدوار تحريك القطع الخاصة بهم. اكتسبت شعبية واسعة لأنها بسيطة الأدوات، تحمل روح التحدي، لا تحتاج سوى رقعة وأحجار، مما جعلها حاضرة بقوة في كل بيت تقريباً. وفي بعض المدن السورية، تُقام لها منافسات صغيرة أو جلسات مطولة تصل أحياناً إلى مستوى “الدوريات الأهلية”.

لم تنظم لها أي بطولة في سوريا قبل عام 2011، وفي 2019 نُظمت أول بطولة في إدلب من قبل هواة وأبناء اللعبة، وتشهد مدينة إدلب شمال غربي سوريا إقبالاً متزايداً عليها، فهي تعتمد على الذكاء، ويجري تنظيمها بجهود فردية أو من جهات رياضية في المحافظة. استمر تنظيم البطولات بشكل فردي من اللاعبين حتى عام 2023، ليبدأ الاتحاد الرياضي في إدلب بتنظيم بطولات “الضامة”.

يمتازون لاعبوها بهدوء الأعصاب وعدم الانفعال، لأنها من ألعاب العقل، تلعب بنظام الطريقة السويسرية ذو السبعة أشواط، كل شوط يحصل فيه الرابح على نقطة والتعادل نصف نقطة لكل لاعب، ولا يحصل الخاسر على أي نقطة.

يتضمن شوط “الضامة” ثلاث مباريات يطلق على الفوز بالشوط مصطلح “القهوة”، إلا أن منظمي البطولة في إدلب اعتمدوا مباراة واحدة للشوط، لضيق وقت البطولة، الأمر الذي اعتبره بعض اللاعبين تقصيراً في تنظيمها.

ضامة

اقرأ أيضاً: الرياضة النسائية في سوريا هل هناك بوادر للتطور أم أنها ستبقى طي التهميش؟

سر تعلق سكان سوريا بلعبة الطاولة وصديقاتها حتى الآن

ربما كانت حُفر المنقلة مساحة لهروب الشعب السوري من حفرة الصراع الذي دار في سوريا، وصوت ارتطام نَرد الطاولة أهون من صوت القصف والقذائف والرصاص. الوقوف لمشاهدة تحريك حجار الضامة أهون من مشاهدة تحريك الآليات الثقيلة والمدرعات المتنقلة فوق مناطق سوريا. مع سنوات الحرب التي غيّمت على المجتمع السوري على امتداد أراضي البلاد.. ازداد التمسك بهذه الألعاب، فانقطاع الكهرباء في سوريا وغلاء المعيشة وانشغال الناس بالهموم اليومية جعل من تلك التسالي الشعبية وسيلة للهروب المؤقت من هذا الواقع المرير، وشكل نافذة صغيرة من الفرح تُرهب بنورها القلق المُعتم على المشهد وسط الظروف القاسية.

هذه الألعاب منحت الناس شعوراً بالاستمرارية والقليل من الجدوى من الحياة.. “الحياة بسمة” لطالما افتقدها السوريون في محطات كثيرة. ففي داخل المقهى القديم الجلوس على طاولة خشبية متشققة وكرسي زان، ولعب الطاولة وصديقاتها ينسي قليلاً من الخراب القائم في الخارج، ويمنح الحياة الطبيعية جزءاً من الاستمرارية.

كيف لهذه الأخشاب المزركشة والحجارة والحصى أن تكون رمزاً للصمود الاجتماعي؟ على بساطتها جاءت تلك الألعاب لتكون بلسماً على قلوب السوريين. إلى جانب تاريخها العريق وتناقلها عبر الأجيال فهي لا تحتاج لتكاليف باهظة ولا لتقنيات، فقط طاولة وكرسيين وهذه الرقعة الخشبية وما يعلوها، تكفي لخلق عالم من التفاعل والضحك والمنافسة.

كان سرّ تعلق السوريين بهذه الألعاب يتعدى كونه حنين للماضي، بل شَكَل تمسكاً بالحياة وبالجذور الاجتماعية ومقاومة للحاضر، فقرّبت رُقع الطاولة وحُفر المنقلة ومساحات الضامة ما أبعدته ساحات الوطن وحُفر “السواتر “، وساعدت على ترميم العلاقات الإنسانية التي مزقها الصراع بعض الشيء، وأعادت للناس إحساسهم بالمودة والانتماء.

اقرأ أيضاً: حين تُختَزل المواطنة في البقاء فقط… ماذا يعني الانتماء إلى سوريا؟

ختاماً، الطاولة وصديقاتها في سوريا من الألعاب الشعبية شكلوا متنفساً للسوريين وكانوا رفقاء دروبهم ولحظاتهم الحزينة. فكم من تنهيدة كَرب نُفِسَ عنها في رمية نَرد، وكم من هَمٍ رُميَ مع حصى في حُفر المنقلة، وكم من ضيقة انزاحت مع تحريك الحجر على رقعة الضامة. تتعدى هذه الألعاب التراث والتسالي.. لتشكّل ذاكرة اجتماعية وملاذ يعيد للعلاقات الإنسانية المودة والدفء.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى