حين لا تكون الطائفية هي المشكلة: قراءة في أصل المأساة السورية

بقلم: ريم ريّا
في تاريخ سوريا الحديث، تداخلت أزمات الحكم والطائفية بشكل جعل من الصعب الفصل بينهما، ومع كل خطوة نحو التغيير، كانت النتائج تدفع البلاد نحو المزيد من الخراب والفوضى. اليوم، وبينما يدور الجدل حول ما إذا كان الصراع الحالي هو صراع طائفي أم مجرد نتاج استبداد سياسي طويل الأمد، يصبح من الضروري العودة إلى الجذر الحقيقي للمشكلة وهو الاستبداد.
لكن، ما هو الدور الذي لعبته معظم قوى معارضة الاستبداد آنذاك؟ وهل كانت بالفعل بديلاً حقيقياً، أم أنها غرقت في فخ الخراب الذي طالما حُذر منه من قبل المفكرين السياسيين العقلاء. وهل يستمر الشعب السوري في تبديل المواقع فقط بين مؤيد ومعارض دون تغيير جوهري في فكره السياسي؟ سنحاول في هذا المقال تقديم تحليل حيادي يتناول جذور الأزمة السورية ويستعرض مسارات الحلول الممكنة.
في سوريا الاستبداد لا طائفة له
منذ البداية، لم يكن الصراع في سوريا صراعاً طائفياً كما حاول البعض تصويره عند بدء الحراك الشعبي عام 2011. فقد كان الاستبداد هو العامل الرئيسي في تأجيج الأزمة، إذا لم يكن النظام الحاكم يعترف بأي نوع من التعددية السياسية أو المجتمعية، وكان يعامل الشعب السوري على أساس الملكية الخاصة له. فعندما أطلق النظام النار على أول متظاهر مطالب بالحرية، سقطت أقنعته السياسية والأخلاقية دفعة واحدة، وكشف عن وجهه الحقيقي كسلطة مستبدة لا تتوانى عن استخدام القوة في مواجهة أي مطالبة بالتغيير من قبل أفراد الشعب بمختلف مكوناتهم.
من هنا أصبح من غير المنطقي تقليص الصراع إلى مجرد صراع طائفي، بينما كان الاستبداد هو الجذر الحقيقي المؤدي إلى تفشي العنف والتمزق الاجتماعي. لكن ومع مرور لوقت، بدأت الطائفية تُستخدم كأداة لتبرير العنف، في محاولة لتوجيه الأنظار بعيداً عن الطبيعة الحقيقية للأزمة. فأصبح كل فريق يتحدث بلغة الطائفية، ليبرر مواقفه ويسوّق خطابه السياسي. وعلى الرغم من أن الطائفية كانت نتيجة فرعية للاستبداد القائم، لكنها لم تكن السبب الرئيسي في اندلاع الأزمة، بل كانت نتاجاً لها.
اقرأ أيضاً: الطائفية في الحرب السورية: سبب أشعل الصراع أم نتيجة لمأساته؟
انزلاق المعارضة بفخ الخراب
فيما يتعلق بالمعارضة السورية في ذلك الوقت، منذ مطلع عام 2011 وحتى سقوط النظام 2024، فقد انقسمت إلى قسمين، فهناك من كان يعمل من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وكان نضاله سياسياً وهدفه جامعاً ومبتغاه تحقيق أهداف الثورة وإحقاق المطالب الشعبية لكل السوريين.
لكن للأسف، كان هناك مجموعة كبيرة من المعارضة انجرفت وراء شعار إسقاط النظام فقط، دون طرح أي بديل مقنع على عكس الفئة الأولى منها. فلم تكن هذه المجموعة سوى صورة مرآة للنظام القائم، ولم تتمكن من تقديم مشروع وطني يعبر عن تطلعات الشعب، بل وقع بعضها في فخ الخطاب الطائفي والحربجي، وبعضها استعان بالقوى الخارجية بدلاً من السعي إلى تقديم حل داخلي. هذه المعارضة، كان من المفترض أن تكون بديلاً عن النظام الاستبدادي، لكن بانقسامها وخروج بعضها عن مبادئ الحراك الثوري أدت إلى إطالة عمر النظام 14 عاماً، بعد تدويل الصراع في سوريا، والسماح للنظام بالاستفادة من هذا التدويل واللعب عليه.
اليوم، للأسف، لم يختلف المشهد كثيراً. أصواتٌ متفرقة، ربما تكون كثيرة، لكن تمثيلها ضعيف، تريد التوجه نحو بناء مشروع سياسي بالدرجة الأولى وديمقراطي وطني يشمل جميع السوريين، تجد نفسها اليوم جزءاً من معركة استقطاب دولية، ما يمكن أن يجعلها أسيرة للتدخلات الخارجية والتمزق الداخلي. فالصراع السوري ما زال يشهد أفرقاء يطمح كل منهم إلى تمكين نفسه على حساب تدمير الدولة والشعب معاً.
أمراء الحرب يبدلون المواقع ولا يغيرون الأفكار
في الحقيقة، لا يمكن إلقاء اللوم بشكل كامل على الشعب السوري، أو جلده على مواقفه السابقة والحالية بالمطلق. فهذا الشعب لم يتعلم بعد كيفية إدارة السياسة بشكلٍ صحيح، فعقليته السياسية بأكملها تمّ تشكيلها بالتلقين والقمع والقطب الواحد فقط، وكانت أسيرة لسنوات من الاستبداد والقمع والشعارات البراقة. فلا يزال حتى اليوم منقسماً ضمن نطاق شعاراتٍ لم يتمكن من تجاوزها.
بدلاً من التفكير في المستقبل، يجد كثيرون أنفسهم أسرى لمواقف تتبنى الدعاية الطائفية أو القومية، لعدم درايتهم الكافية بطبيعة العمل السياسي، فهم كانوا على مدى نصف قرن رهينةً لتلك الشعارات، ما يضعف أي محاولة لتأسيس مشروع سياسي عقلاني مستقل.
من الجدير بالذكر أن هذا الشعب بالرغم من معاناته الكبيرة على مدى سنوات من الاستبداد والدمار، لم يتمكن من تغيير عقليته السياسية بشكل جذري. حتى بعد أن خرج من تحت قبضة النظام، لم يتوجه بشكل حقيقي نحو بناء رأي سياسي مستقل، بل يكرر نفس أخطاء الماضي. ربما بغير انتباه، فهذا ما تم توريده له خلال عقود من الزمن، لكن على الأرجح أنّ هناك مستفيدين من جهالة الناس وإبقاءهم على ماهم عليه، وهم ما سنسميهم: “أمراء الحرب” اختصاراً لجميع المستفيدين من استمرار دوامة العنف والعنف المضاد.
الشعب اليوم، بحاجة إلى طرح حلول وطنية جامعة تغير من وعيه الجمعي وتعيد تصويب مساره، بدلاً من تجديد الاصطفافات السياسية القديمة، بشعاراتها البالية. هذه الاصطفافات زادت من العدائية تجاه أي طرح من شأنه أن يسهم في إيجاد بدائل حقيقية جامعة تحل الأزمة.
لا خلاص إلا بمشروع وطني جامع
الحلول التي يُروج لها في سوريا اليوم على أساس طائفي أو قومي، لن تؤدِ إلى الاستقرار الحقيقي كما يزعم المروجون لها، بل ستجعل الأزمات تتفاقم وتستمر لأجيال قادمة. كل محاولات البعض لإعادة بناء النظام السوري على أساس محاصصة طائفية أو لحساب قومية ما، هي بمثابة خطوة نحو إنتاج الخراب من جديد، وإعلاء كلمة المستفيدين من العسكرة: “أمراء الحرب”.
إذا نظرنا إلى تجارب دول أخرى مثل لبنان، نجد أن الطائفية كانت السبب في تعطيل التقدم السياسي والاقتصادي، ولليوم وبعد أعوام طويلة ما زالت تداعيات الحرب الطائفية تؤثر في البلاد وتمزق نسيجها الاجتماعي، وقوننة هذه الطائفية لم تخلق إلا المزيد من الإشكالات والتعقيد.
بالمحصلة، بعد عقدٍ من الزمن أو نصف قرنٍ من الاستبداد، لا تهم الأعوام بقدر محصلتها ونتائجها. قد تكون التجربة السورية درساً قاسياً في كيفية انزلاق الشعوب بين الخيارات الخاطئة، وتكرار الأخطاء. وفي حال كان هناك أي أمل حقيقي للخلاص من هذه الدوامة، فإنه يتجسد في مشروع وطني حقيقي يعيد بناء الثقة بين أفراد الشعب السوري ويؤسس لدولة تحتضن جميع مواطنيها بلا استثناء. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح دون أن يكون أساسه عدالة اجتماعية قائمة على أسس وطنية بعيداً عن الطائفية والاستقواء بالخارج.









