حين تُختَزل المواطنة في البقاء فقط… ماذا يعني الانتماء إلى سوريا؟

إعداد: لمى ابراهيم
يمكننا تعريف الانتماء إلى الوطن على أنّه ارتباط جسدي وروحي بين المواطن وأرضه، ينبع بالدرجة الأولى من الرضا عن هويته التي تحفظ مكانته كمواطن يتلقى الخدمات التي يستحقها، ويستطيع تمثيل نفسه فيها بشكل يضمن وجوده ولا يلغيه، كل هذا يدفعه إلى الالتزام بالأرض وتقديم واجباته نحوها وصولاً إلى الاستماتة في الدفاع عنها وكأنها شيء من ممتلكاته الخاصة.
الأفراد الذين يعيشون في نفس البلد يتشاركون العادات والتقاليد واللغة، وهم في علاقات تبعية متبادلة ويتبعون نظام دولة واحدة، إضافة إلى مسؤولياتهم تجاه وطنهم، ويعتمد التزام الفرد الكامل تجاه المجتمع على القيم التي يتمتع فيها الإنسان والتي يكتسبها من أرضه ومحيطه.
شروط وظروف الانتماء إلى الوطن
يعدّ نمو الدولة من أهم مقومات وشروط تحقيق المواطنة فيها؛ وذلك بامتلاك الدولة لثقافة المساواة والمشاركة أمام القانون، وعلى ذلك فإن الدول المستبدة لا تتيح الفرصة لتحقيق مفهوم المواطنة لأنها تقوم على حرمان فئة كبيرة من الأفراد من حقوقهم في المشاركة، وبالتالي طمس فئات من المجتمع وعدم الاكتراث لرأيها في مستقبل البلاد.
ومن أهم الشروط لتحقيق الشعور بالانتماء، هو إشباع كافة الاحتياجات سواء أكانت السياسية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، وفي حال عدم قيام الدولة بدورها في تنمية البيئة المناسبة لتنشئة هذا النوع من الاحتياجات وتحقيق هذه الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لأفرادها، فإن ذلك سيؤدي إلى عدم إشباعهم لهذه الاحتياجات وظهور ظواهر عديدة تدل على تلاشي مفهوم المواطنة بشكل تدريجي بسبب تهرب البعض من واجباتهم.
وإذا ما أردنا اختصار الظروف التي تفضي إلى شعور المواطن بالانتماء إلى أرضه، فيمكن القول إنها تتمثل في حرية التعبير، والفكر، والإيمان، وحرية التملك، وإبرام العقود، والحق في تحقيق العدالة، وتحقيق العنصر المدني في المؤسسات القضائية.
كما تتمثل في جملة من الحقوق السياسية؛ كالمشاركة في السلطة السياسية كناخب في الهيئات السياسية، أو من خلال انتخاب من يمثله في البرلمان.
وأخيراً شعور المواطن بالرضا عن نفسه في المجتمع وبيئته الصغرى اليومية، ويمكن تحقيق ذلك في ضمان الرفاهية، والحق في الحصول على الأمن، وإشباع حقوقه الاقتصادية، وتتضمن أيضاً حقوقه في التعليم والرعاية الصحية.
اقرأ أيضاً: ألواح الطاقة الشمسية: كيف تؤثر على المناخ.. وما واقعها في سوريا؟
كيف يشعر السوري أنّه ينتمي إلى بلاده؟
عندما نفكر في إسقاط مفهوم المواطنة على المواطن السوري في إطار ظروف حياته، إلى جانب أوضاع البلاد المتردية بسبب الحرب وتبعاتها، فيمكن القول إن السوري بحاجة في الدرجة الأولى إلى تأمين مستلزمات الحياة اليومية مثل المأكل والمشرب والمسكن والخدمات، وهذا ينسحب على ضرورة تأمين مصدر دخل يمنحه هذا الاستقرار، وبالتالي الحصول على فرصة عمل تتناسب مع مقدراته.
جنباً إلى جنب في الأهمية، لعل أحوج ما يحتاجه السوريون اليوم بعد سنوات من الحرب الطاحنة التي ضاعت خلالها مفاهيم الإنسانية، أن يعيش الإنسان بكرامة في وطنه، الذي يراه مواطناً له حقوق يجب تأمينها له ليتمكن من تقديم واجباته حيال وطنه، وكلما شعر الإنسان بالعيش الكريم اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً انعكس ذلك على فعالية مواطنته وعلاقته بأرضه، وفق التعريفات المتعددة لمفهوم المواطنة.
وبالمجمل، كل ما سبق يمكن أن يتحقق بصورة مثالية إذا شعر المواطن بالحرية في بلاده، ومعنى الحرية هنا هو ممارسة حقوقه دون إلحاق الأذى بالآخرين أو بوطنه، وأكثر ما عانى منه السوريون على مدار عقود ماضية هو مصادرة حرية التعبير عن الرأي، وما كان يترتب عليها من مساءلة غيرت حياة الآخرين وإما دفعتهم إلى الصمت والبقاء في الوطن دون قدرتهم على تمثيل أنفسهم في المحافل الاجتماعية، أو عرضتهم لخطر الاعتقال، أو الهجرة هرباً من الملاحقات.
وعن مفهوم الحرية بالذات، تحدث الفيلسوف جان جاك روسو في عمله الشهير “العقد الاجتماعي”، إذ قال: “لقد وُلِد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مقيد بالأغلال”، ويرى روسو أن البشر في حالة الطبيعة كانوا أحراراً ومستقلين، لكن هذه الحرية كانت محدودة وغير مضمونة، ومع تطور المجتمعات ونشأة الملكية الخاصة، بدأت تظهر الصراعات والظلم، ما جعل العودة إلى حالة الطبيعة أمراً مستحيلاً وغير مرغوب فيه.
ولحل هذه المعضلة، يقترح روسو العقد الاجتماعي كحل، هذا العقد ليس اتفاقاً بين الأفراد وحاكم، بل هو اتفاق بين الأفراد أنفسهم لتشكيل مجتمع سياسي… ومن خلال هذا التعاقد، يتنازل كل فرد عن حقوقه الطبيعية الفردية بالكامل للمجتمع ككل، وهو ما يمكن تحقيقه في سوريا عبر تمكين مفهوم الانتماء إلى الأرض، لينسحب بعد ذلك على انتماء المواطنين لبعضهم البعض في إطار المساواة العادلة، التي تجعلهم يرون المجتمع كتلة واحدة، لا فرق فيها بين شخص وآخر، والجميع يحترم حقوق الجميع.
اقرأ أيضاً: التدخين يسرق براءة أطفال سوريا!
مفهوم الانتماء من الناحية الفلسفية
يشير الانتماء إلى الوطن عند كثير من الفلاسفة إلى الروابط العميقة والمعقدة التي تربط الفرد ببلده ومجتمعه، ولا يقتصر هذا المفهوم على مجرد مكان الولادة أو الإقامة، بل يتجاوز ذلك ليشمل مجموعة من المشاعر، القيم، الالتزامات، والتفاعلات التي تشكل هوية الشخص وعلاقته بالمجتمع الأكبر.
ولم يقتصر الحديث عن الانتماء والمواطنة على الفيسلوف جان جاك روسو، بل تحدث عنها أيضاً أفلاطون في كتابه “الجمهورية”، عندما ربط الانتماء والولاء للمدينة بالوظيفة التي يقوم بها الفرد داخلها، حيث يسعى كل جزء من المجتمع (الفلاسفة الحكام، الجنود، العمال) لتحقيق الانسجام والخير العام، والمواطنة عنده مرتبطة بامتلاك الفضيلة والعمل من أجل الصالح العام للمدينة.
أما أرسطو في كتابه “السياسة”، فيرى أنّ الإنسان “حيواناً سياسياً” بطبيعته، ما يعني أنه لا يمكنه تحقيق وجوده الكامل إلا داخل الدولة، والمواطنة عنده هي المشاركة الفعالة في حكم المدينة وفي أجهزتها القضائية، ويميز بين المواطن الكامل وغير الكامل (مثل النساء والعبيد والأجانب)، ويشدد على أن المواطن الحقيقي هو من يجمع بين حكم نفسه وحكم الآخرين (كحاكم ومحكوم).
بدوره أيضاً، قال جون لوك الذي يعدّ أحد أهم منظري العقد الاجتماعي، إنّ الأفراد يدخلون في هذا العقد للحفاظ على حقوقهم الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية)، والانتماء عنده يقوم على الموافقة، ويمنح الفرد الحق في المشاركة السياسية والدفاع عن حقوقه ضد أي حكومة تستبد به، وبالمجمل فالمواطنة عنده مرتبطة بحقوق الفرد وحرياته الأساسية.
ويرى هيغل أن الدولة هي أعلى تجلٍ للروح الموضوعية، وهي التي تمكّن الفرد من تحقيق حريته الأخلاقية، فالانتماء للوطن والدولة في نظره ليس قيداً على الحرية الفردية، بل هو الشرط الضروري لتحقيقها بشكل كامل، فالمواطنة عنده تعني الاندماج في المؤسسات والقوانين العقلانية للدولة التي تضمن الاعتراف المتبادل بين الأفراد.
خلاصة الكلام، إن مفهوم المواطنة والانتماء عند السوريين قضية معقدة تتجاوز التعريفات الفلسفية وتدخل إلى صميم التجربة الإنسانية التي عانت الكثير من الأزمات… فبينما تُعرف المواطنة في الفكر السياسي بأنها علاقة قانونية وحقوقية بين الفرد والدولة، تظهر عند السوريين في شكل صراع يومي من أجل الحقوق الأساسية التي تحق لكل إنسان، والأمن والأمان، والاعتراف بالوجود.
اقرأ أيضاً: «سرطان السوشيال ميديا» ينهش ما تبقّى من إنسانيتنا!









