حين تتحول الامتحانات إلى هم عائلي.. ظاهرة انتظار الأهالي أمام المراكز تحت المجهر

بقلم هلا يوسف
مع انطلاق امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية كل عام، لا يعيش الطلاب وحدهم حالة القلق والترقب التي تسبق دخول قاعات الامتحان، بل تمتد هذه المشاعر إلى أسرهم التي رافقتهم طوال السنة الدراسية. فخلف كل طالب يستعد للإجابة عن الأسئلة، تقف أسرة بذلت الكثير من الوقت والجهد والمال أملاً في أن ترى ثمرة تعبها في نجاح أبنائها وتحقيق طموحاتهم، وبالتالي يصبح النجاح هدفاً جماعياً لا يقتصر على الطالب وحده، وهذا ما يجعل تجمع عدد كبير من الأهالي أمام المراكز الامتحانية أمراً غير مستغرب.
هذه الظاهرة التي أصبحت جزءاً من المشهد السنوي للامتحانات تحمل في طياتها أكثر من معنى، فهي من جهة تعكس قوة الروابط الأسرية وحرص الأهالي على تقديم الدعم المعنوي لأبنائهم في مرحلة مفصلية من حياتهم التعليمية، ومن جهة أخرى تثير تساؤلات تربوية ونفسية حول مدى تأثير هذا الحضور المكثف على الطلاب أنفسهم. لذلك هذا ما سنناقشه في هذا المقال.
الامتحان حدث يعيشه الطالب والأسرة معاً
مع انتشار ظاهرة مرافقة الأهالي لأبنائهم إلى الامتحانات وانتظارهم أمام المراكز الامتحانية، تباينت آراء المرشدين والباحثين التربويين حول هذه الظاهرة، إذ يشير الباحث الاجتماعي سلامة إلى أن هذه الظاهرة تعكس طبيعة المجتمع السوري القائم على الترابط الأسري والعلاقات العائلية القوية، حيث يشعر الآباء والأمهات بأنهم شركاء في رحلة الأبناء التعليمية منذ بدايتها وحتى لحظة الامتحان. كما أن السنوات الطويلة التي تقضيها الأسر في متابعة دراسة أبنائها وتأمين احتياجاتهم التعليمية تجعل الامتحان مناسبة تعيش الأسرة تفاصيلها وكأنها جزء من تجربتها الشخصية.
ويظهر هذا الأمر بوضوح من خلال حرص العديد من الأهالي على البقاء قرب المراكز الامتحانية لساعات طويلة رغم حرارة الطقس أو ظروف الانتظار الصعبة. ويرى كثير منهم أن وجودهم يمنح أبناءهم شعوراً بالأمان والاطمئنان، ويبعث رسالة مفادها أنهم ليسوا وحدهم في هذه المرحلة المهمة.
عندما يتحول الدعم إلى مصدر للقلق
بينما يرى عدد من المختصين النفسيين والتربويين أن النوايا الإيجابية لا تعني دائماً نتائج إيجابية. فالمرشد النفسي عبد العزيز السلوم يؤكد أن تجمع الأهالي أمام المراكز الامتحانية قد يزيد من التوتر النفسي لدى الطلاب بدلاً من تخفيفه، لأن الطالب يشعر بأن عائلته بأكملها تعيش حالة ترقب مرتبطة بأدائه ونتيجته.
ويوضح السلوم أن الطالب يحتاج خلال فترة الامتحانات إلى الثقة والهدوء أكثر من حاجته إلى المراقبة المستمرة أو المتابعة المبالغ بها. كما أن انتظار الأهل أمام المركز ثم استقبال الطالب بعد خروجه بسيل من الأسئلة حول طبيعة الأسئلة والإجابات والعلامات المتوقعة قد يزيد من شعوره بالضغط النفسي، خاصة إذا كان أمامه امتحانات أخرى في الأيام التالية.
كما يحذر المختصون من ظاهرة ما يعرف “بالضغط النفسي الارتدادي”، وهي الحالة التي تنتقل فيها مشاعر القلق والخوف من الأهل إلى الأبناء. فعندما يرى الطالب حجم التوتر الذي تعيشه أسرته، يشعر بمسؤولية أكبر لتحقيق نتائج ترضي الجميع، ما قد يؤثر على تركيزه وأدائه داخل قاعة الامتحان.
وتؤكد الباحثة التربوية الآلوسي أن أفضل ما يمكن أن يقدمه الأهل لأبنائهم خلال هذه الفترة هو الطمأنينة والثقة. وترى أن الطلاب يحتاجون إلى بيئة هادئة ومشجعة أكثر من حاجتهم إلى النصائح المتكررة أو المراقبة المستمرة، مشددة على أهمية أن يكون الدعم الأسري بعيداً عن الخوف المبالغ فيه أو تحويل الامتحان إلى حالة طوارئ داخل المنزل.
في النهاية، أصبح منظر انتظار الأهالي أمام المراكز الامتحانية جزءاً من العادات الاجتماعية المرتبطة بالشهادات العامة. وعلى الرغم من ما يحمله هذا المشهد من مشاعر إنسانية صادقة، إلا أنه يكشف في الوقت نفسه حجم الرهبة التي ما زالت ترافق امتحانات الشهادات العامة في المجتمع، وعندما تتراجع رهبة الامتحانات ويحل محلها الشعور بالثقة والاستعداد، قد يصبح الدعم الأسري أكثر هدوءاً وتوازناً.
اقرأ أيضاً: تعرفة السرافيس في سوريا.. نار الأسعار تشعل غضب الأهالي والسائقين معاً









