حوادث الاعتداء الأخيرة… كيف ستحاربها وزارة الداخلية؟

إعداد: هلا يوسف
في الآونة الأخيرة، تكررت حالات الاعتداء البدني واللفظي ضدّ مدنيين، ولم تسلم منها حتى الشخصيات المعروفة في الأوساط الفنية والسياسية، هذه الانتهاكات تأتي أحياناً على يد عناصر من الأمن العام، وأحياناً أخرى من قبل أشخاص ينتحلون صفتهم، لكن كيف تنوي وزارة الداخلية محاربة هذه الانتهاكات وضمان عدم تكرارها؟
علينا أولاً أن نقف على بعض هذه الحوادث التي شهدناها مؤخراً؟ وأن نطرح سؤال: هل هذه مجرّد حالات عابرة بالنسبة لوزارة الداخلية، يتم نشر مقاطعها وصورها، لتجد نفسها مضطرة لتقديم التبريرات والاعتذارات، مع وعود بفتح تحقيقات؟ أم أن الأمر يشير إلى خلل أعمق، يتعلق بضعف الرقابة على العناصر الأمنيين التابعين لها؟
ما الأسباب الحقيقية وراء هذه التجاوزات؟ وهل لدى الوزارة خطة واضحة لمنع تكرارها قبل أن تتفاقم الأمور أكثر؟ كل هذه التساؤلات سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
حوادث الاعتداءات الأخيرة تفجر الوضع
نبدأ مقالنا من أحدث حادثة اعتداء وقعت في مدينة الباب بريف حلب، حيث تعرض المطرب الشعبي عمر الخيري للضرب والإهانة، شملت حلق شعره والاعتداء عليه جسدياً ونفسياً، وذلك أثناء مداهمة لإحدى صالات الزفاف في المدينة.
وبحسب مصادر إعلامية، فإن الاعتقال جاء على خلفية غنائه سابقاً للجيش السوري خلال فترة حكم النظام السابق، واتهامه بـ”التشبيح”. وُجهت أصابع الاتهام في هذه الحادثة إلى مجموعات مسلحة تابعة “للجيش الوطني”، في حين أظهرت مقاطع مصوّرة لحظات الاعتقال، والتي وثّقت تعرض الخيري للإهانة، مع إجباره على ترديد أغانٍ للرئيس السوري الحالي، بالإضافة إلى الرسم على وجهه بشكل مهين.
وفي سياق مشابه، أثارت وفاة الشاب السوري يوسف اللباد في دمشق مؤخراً جدلاً واسعاً، خاصة بسبب التناقض بين الرواية الرسمية والمعلومات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل عائلته ومقربين منه.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام متعددة، فقد توفي اللباد تحت التعذيب، بعد أن تم اعتقاله قبل عدة أيام من محيط المسجد الأموي على يد عناصر من الأمن الداخلي، دون الكشف عن التهم أو الأسباب التي أدت إلى توقيفه، وتفيد المعلومات أنه كان قد عاد إلى سوريا مؤخراً قادماً من ألمانيا في زيارة قصيرة.
هاتان الحادثتان، كمثالين يصلحان لاختزال الحوادث الأخيرة، تسلطان الضوء على سلسلة من الانتهاكات التي تطال المدنيين، سواء كانوا من المؤيدين السابقين للنظام السوري أو من مناصري الثورة، وفي ظل هذه الوقائع، تحاول وزارة الداخلية الظهور بمظهر الشفافية، من خلال التعليق على مثل هذه الحوادث، ومحاولة التوضيح.
توضيح من وزارة الداخلية
في حادثة الاعتداء على المطرب الشعبي عمر الخيري في منطقة الباب، أصدرت الوزارة بياناً أوضحت فيه أن الأشخاص المتورطين لا ينتمون إليها، بل ينتحلون صفة عناصر من الأمن العام، وأكد المتحدث الرسمي باسم الوزارة، نور الدين البابا، أن الوزارة ستتخذ موقفاً للدفاع عن نفسها تجاه ما وصفه بحملة منظمة تهدف لتشويه صورتها ونشر الأكاذيب، ويُفتح هنا باب التساؤل مجدداً حول تضارب الولاءات في تلك المنطقة، خاصة أن مثل هذه الأفعال تضع الوزارة في موضع الاتهام، رغم تأكيدها التزام الشفافية في محاسبة أي من عناصرها الذين يتجاوزون صلاحياتهم.
أما في قضية وفاة يوسف اللباد، فقد صرح المتحدث الرسمي نور الدين البابا قائلاً: “نثمن كل من تطرق لقضية وفاة يوسف اللباد، وكثير ممن انتقدوا كانت غايتهم تصحيح المسار”، مضيفاً أن “المرحوم يوسف دخل المسجد وهو في حالة غير مستقرة، ولم يتم توقيفه في أي فرع أمني”، وأضاف: “تم تقييده بالأصفاد حفاظًا على سلامته وسلامة الآخرين، بعد أن تسبب بمشادة مع المصلين وعناصر الحراسة”، موضحاً أن “تقرير الطب الشرعي سيصدر قريباً لتحديد ما إذا كانت الآثار التي ظهرت على جسده ناجمة عن تعذيب أو نتيجة وضع صحي”.
انتقادات رغم التوضيح
لا شكّ بأنّه ليس من مصلحة وزارة الداخلية السورية التورط في عمليات قتل واعتداء قد تسيء إلى سمعتها، خاصة في ظل مساعي الحكومة الحالية لتعزيز ثقة المجتمع المحلي والدولي بها، غير أن ما يدعو للتساؤل هو مدى قدرة الوزارة على فرض السيطرة الكاملة على عناصرها، وهو ما لاحظناه أيضًا في حالات شملت عناصر تابعين لوزارة الدفاع، بالتزامن مع تفشي ظاهرة السلاح غير المنضبط.
بالرغم من هذه التصريحات، تعرض موقف وزارة الداخلية من حادثة يوسف اللباد لانتقادات وسخرية واسعة من قبل العديد من المتابعين، حيث طالب كثيرون بنشر تسجيلات كاميرات المراقبة في الجامع الأموي للتحقق من صحة رواية الوزارة، في حين اكتفى آخرون بالسخرية متسائلين كيف يمكن لشخص أن ينتحر بضرب رأسه وجسده بأجسام صلبة.
جاءت هذه التعليقات بمعظمها رداً على تصريحات قائد الأمن الداخلي في محافظة دمشق، العميد أسامة محمد خير عاتكة، الذي أوضح أن عناصر حماية المسجد تعاملوا مع حالة يوسف اللباد وحاولوا تهدئته ومنعه من إيذاء نفسه أو الآخرين، وأضاف أن اللباد أقدم خلال وجوده في غرفة الحراسة على إيذاء نفسه بشكل عنيف بضرب رأسه بأجسام صلبة، ما أدى إلى إصاباته البالغة، وتم الاتصال بالإسعاف فوراً، لكنه فارق الحياة رغم محاولات إنقاذه.
ومع ذلك، لم تنجح هذه التصريحات والوعود بالمحاسبة في إقناع المتابعين، الذين ما زالوا يطالبون وزارة الداخلية بالقيام بدورها في حفظ الأمن والأمان، وعدم السماح لأن تكون عناصر الأمن مصدر تهديد لأي مواطن.
اقرأ أيضاً: أنس خطاب وزير الداخلية السوري.. من هو؟
أسباب الانتهاكات الأمنية
بعد تسجيل عدة انتهاكات خلال فترة قصيرة، كان من الضروري أن يخرج مسؤول من وزارة الداخلية ليشرح أسباب هذه الانتهاكات ويعرض سبل تفاديها، لذلك، أجرى المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، مقابلة مع تلفزيون سوريا للتوضيح.
خلال المقابلة، أكد البابا أن وزارة الداخلية تبني نفسها تدريجياً، ولتغطية الثغرات الأمنية التي ظهرت بعد سقوط النظام السابق، تم اللجوء إلى دورات تدريبية قصيرة تتراوح مدتها بين عشرة إلى خمسة عشر يوماً، على أمل استكمال بقية التدريبات لاحقاً.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تمثل سلاحاً ذا حدين، فهي وفرت للوزارة الكادر البشري اللازم الذي كان ينقصها، لكن في المقابل، كانت هذه الكوادر تفتقر للخبرات الأمنية والأخلاقية وطرق التعامل السليمة.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تم حل جميع الأجهزة الأمنية التابعة للدولة في ظلّ النظام السابق؟ ولماذا لم يتم الاستعانة بالعناصر الأمنية التي لم تتلطخ أيديهم بالعنف والقتل والدماء؟
أجاب البابا بأن النموذج الأمني الذي كان سائداً في النظام السابق كان مبنياً على البطش والقتل، أما الآن، رغم وجود تجاوزات في وزارة الداخلية، فهي تجاوزات مرفوضة وغريبة عن طبيعة الجهاز الأمني الحالي.
وبخصوص الاستفادة من كفاءات المنشقين عن النظام السابق، أوضح البابا: “نحن بحاجة لهؤلاء، ولدينا عناصر ممن أنشقوا أو لم ينشقوا، لكن النظام السابق كان متخلفًا مقارنة بالأنظمة الأمنية في العالم.” كما أكد أن وزارة الدفاع تضم العديد من العناصر الذين تجاوزت أعمارهم 35 عاماً، وهناك فكرة لإلحاقهم بوزارة الداخلية، لأن الوضع الداخلي في سوريا يتطلب وجود أشخاص يتحلون بالحكمة والوعي والنضج، وعلى رأسهم المنشقون.
الآن يتساءل الشعب السوري عن الحلول الممكنة، فلم يعد يحتمل التجاوزات والانتهاكات التي أصبحت شبه يومية، فالذين ناضلوا من أجل الحرية لا يحتملون الاعتقال والموت جراء ذلك، ومن هنا، قدم نور الدين البابا مجموعة من الحلول التي تعتزم وزارة الداخلية تطبيقها لمعالجة هذه المشكلة.
يأخذنا هذا لسؤال: لماذا لا تضم قوات الأمن الداخلي وبقية الأجهزة الأمنية أفراد سوريين من جميع المكونات الدينية والطائفية؟ وهل من الجيد إقحام جزء من “الشريعة الإسلامية” في المسلك الأمني والشرطي؟
الدين والأخلاق!
تستعين وزارة الداخلية بجزء من “الشريعة الإسلامية” في تجهيز وتدريب قوات الشرطة والأمن. والهدف وفقاً لما وضحه ضباط في الوزارة لعدد من وسائل الإعلام على رأسها رويترز، هو “غرس القيم الأخلاقية في نفوس المجندين”.
إلا أن محللين إقليميين حذروا من أن وضع الدين في صلب عمل الشرطة قد يثير خلافات جديدة في بلد متعدد الطوائف ومشحون بالسلاح بعد أكثر من 13 عاماً من الحرب الأهلية.
من جانبهم، أوضح كبار ضباط الشرطة الذين التقت بهم وكالة رويترز أن هدف إدخال “الشريعة الإسلامية” في عمل وزارة الداخلية ليس فرضها على المواطنين، بل تعليم المجندين السلوك الأخلاقي، حيث أكد حمزة أبو عبد الرحمن، الرجل الذي ساهم في تأسيس أكاديمية الشرطة في إدلب قبل انتقاله إلى دمشق، أن فهم الجوانب الدينية، مثل ما هو مسموح وما هو غير مسموح، يعد أمراً أساسياً للمجندين ليتمكنوا من “التصرف بعدالة”.
لكن من جهة أخرى، أشار المعلقون، ومنهم تقرير رويترز، إلى أن العديد من الطوائف والأديان الأخرى يمتنعون عن التطوع في الأمن العام والشرطة السورية “حتّى لو تمّ قبولهم”، ويرجع ذلك إلى أن نماذج طلب الالتحاق تحتوي على قسم يتعلق بـ”المعتقدات والتوجهات والآراء”، حيث يُطلب من المجندين الكشف عن “مرجعيتهم”، وهو مصطلح غالباً ما يشير إلى القادة الدينيين المسلمين الذين تعتبرهم الطوائف المختلفة كمرجعيات دينية.
حلول للحد من التجاوزات والانتهاكات
أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية أن الوزارة تعمل على تنفيذ خطة تتضمن استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة لضبط الانتهاكات والتجاوزات، قائلاً: “نعمل في الوزارة على تطبيق عدة أفكار من شأنها تحسين الأداء الأمني، من بينها تخصيص رقم تعريفي لكل عنصر أمني، بحيث يتمكن المواطن من التعرف عليه والإبلاغ عنه في حال ارتكب أي تجاوز أو انتهاك”.
وتشمل الخطة أيضاً تزويد كل دورية وكل عنصر أمني بكاميرا تثبت على الجسم، تُستخدم لتوثيق كافة الأعمال التي يقوم بها أثناء أداء مهامه، ووفقاً لما صرح به نور الدين البابا، فإن هذه الخطوة تهدف إلى توفير دليل مادي يُثبت أو ينفي أي اتهامات محتملة بحدوث انتهاك أو خطأ خلال تنفيذ المهام.
من جانب آخر، يرى الكثير من السوريين أن هناك حلّ سريع يتمثّل في دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية، لا سيما في وزارتي الدفاع والداخلية، إذ يساهم ذلك في تعزيز التنوع الفكري داخل هذه المؤسسات، مما قد يسهم في بناء الثقة بين الدولة السورية ومختلف مكونات المجتمع السوري، ناهيك عن سمعة قوات سوريا الديمقراطية بأنّها أكثر انضباطاً من غيرهم. قد يؤدي هذا الدمج إلى تشجيع المزيد من السوريين من مختلف الأديان والطوائف على الانخراط في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية الجديدة.
كما لا يجب إغفال دور الكوادر الأمنية النسائية ضمن وزارة الداخلية، وهنا يمكن للحكومة السورية إن تستفيد من تجربة “قسد” في هذا المجال، حيث كان للنساء دور بارز في العمل الأمني.
الخلاصة، نجاح إصلاحات وزارة الداخلية في الحد من الانتهاكات المستقبلية يتطلب مساءلة شاملة لجميع الأطراف الضالعة في الصراع، سواء في الماضي أو الحاضر، وذلك ضمن إطار قانوني نزيه وموضوعي، كما يجب الاعتماد على آليات رسمية ومستقلة لتلقي الشكاوى، بعيداً عن أي تدخلات أمنية، إلى جانب تفعيل دور المجتمع المدني في إعادة تصميم وتقييم أجهزة الأمن، مع ضرورة الارتباط بالمعايير الدولية في مجالات أخلاقيات العمل الأمني والدفاعي.
فهل تنجح وزارة الداخلية في ضبط الانتهاكات والاعتداءات قبل أن يفوت الأوان؟
اقرأ أيضاً: ما هي خطط وزارة الداخلية لمستقبل سوريا الأمني؟









