حملات تُلاحق المتسولين وواقع يعيدهم إلى الشوارع.. لماذا يستمر التسول في سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح
داخل مدن أنهكتها الحرب طويلاً، كان يُفترض أن يكون التعافي الاجتماعي أحد أول العناوين التي يمكن أن تُقاس بها بداية الاستقرار، لكن ظاهرة التسول في سوريا تنفي هذه الفرضية بصمت، فبدل أن يتراجع مع الخطة الحكومية الجديدة، يواصل تمدده إلى مدن وأحياء لم يكن يعرفها من قبل، والجدير بالذكر أن هذا الاتساع، يتزامن مع إطلاق لجان وحملات ومراكز رعاية أُعلن عنها رسمياً أكثر من مرة.
التسول في سوريا يتمدد جغرافياً
التسول في سوريا ظاهرة قديمة متجددة، تتسع بشكل أصبح مألوفاً وبحضور طاغٍ، لا سيما في الأزقة والأسواق، ليشكل بذلك هويةً موحدةً لمختلف المدن السورية، حيث تنتشر مجموعات من المتسولين بينهم نساء وأطفال وكبار في السن أمام المحال التجارية والمطاعم والإشارات المرورية.
وعلى الرغم من بيانات مكتب مكافحة التسول والتشرد في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، التي أكدت انخفاض عدد المتسولين في حمص بعد معالجة 1787 حالة، إلا أن الواقع الأوسع يبدو أكثر تعقيداً، فعند الحديث عن انخفاض أو تحسن بمعالجة هذه الظاهرة، تبدأ التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي بالتوارد حول ازدياد الأزمة، وانتقالها من الشوارع وإشارات المرور إلى الأسواق والمحال التجارية.
حيث لاحظ سكان عدة مدن أن هذه الظاهرة تتسع، حتى أنها باتت تتبع أساليب أكثر تنظيماً في بعض المناطق، وذلك مع تكرار وجود الأشخاص أنفسهم في المواقع نفسها يومياً، فالناس باتت تحفظ وجوههم أحياناً، ويختلط الأمر على آخرين بين من يراهم شبكة منظمة للتسول وبين من يراهم بحاجة فعلاً للمال.
السيد مازن خلوف وهو يعمل في محل تجاري ذكر لموقع سوريا اليوم 24 أنه صادف الشخص المتسول نفسه مرتين، في المرة الأولى كان يستجدي المارة بحجة علاج ابنه المريض وحاجته إلى جرعات دواء، وفي المرة الثانية ادّعى أنه هو المريض شخصياً، وعندما واجهه بهذا التناقض، لم يظهر عليه أي علامات خجل، فقد أجاب: “رح تشوفني كل يوم، ورح ضل اطلب مصاري، وما إلك عندي شي.”
أشكال متعددة أكثر تعقيداً
الظاهرة تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً من مجرد اليد الممدودة، فالكثير من الأطفال يبيعون اليوم سلعاً رخيصة كالمناديل والورود والعلكة، ويركض بعضهم لتنظيف زجاج السيارات عند الإشارات، في محاولة لكسب تعاطف المارة.
فحين يتردد المواطن في إعطاء المال مباشرة تجده يشتري سلعة رمزية بدافع الشفقة، وبهذا تتحول عملية الشراء من تبادل تجاري إلى مساعدة غير مباشرة، ويصبح الشارع مصدر دخل أكثر إغراءً من العودة إلى المدرسة.
فيما تثير بعض المشاهد الميدانية التساؤلات حول وجود إشراف من أشخاص بالغين على عمل بعض الأطفال في الشارع، وهذا ما يفتح الباب أمام احتمال أنهم جزء من شبكة أوسع وأنهم ليسوا أصحاب قرار.
الباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، ذكر أنه من أبرز الأسباب التي جعلت ظاهرة التسول في سوريا تتضخم، أنها نتيجة انعدام الوعي، والتسرب المدرسي، أما السبب الأساسي لهذه الظاهرة فهو تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
كيف تتحرك الحكومة رسمياً؟
في مواجهة استمرار انتشار التسول في سوريا، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن تطوير خطة وطنية شاملة لمكافحة هذه الظاهرة، وذلك بالتعاون مع عدة وزارات وجهات معنية، بهدف معالجة جذور هذه الظاهرة وأسبابها، من خلال برامج متعددة للرعاية والدعم.
وأُطلقت على أساس هذه الخطة حملة ميدانية منظمة، تقوم على تنفيذ حملتين أسبوعياً، تستهدفان مناطق محددة من دمشق وريفها، حيث تعمل الفرق على توعية الأطفال بمخاطر التسول، وتوجيههم إلى مراكز آمنة ومجهّزة لاستقبالهم إضافة إلى العمل على تمكين أهاليهم
خطة الوزارة شملت تأهيل ثلاثة مراكز رعاية جديدة، مركزان في منطقة باب مصلى مخصصان للإناث، ومركز في الكسوة بريف دمشق للأطفال من عمر ثلاث سنوات حتى الثامنة عشرة، مع تخصيص جزء صغير للأمهات وأطفالهن.
فيما تتراوح مدة الإقامة في هذه المراكز بين ستة أشهر وعامين، وتشمل خدمات الإيواء والدعم النفسي والرعاية الصحية، والقانونية والتعليم ومحو الأمية والتدريب المهني، إلى جانب برامج لتمكين الأهل اجتماعياً واقتصادياً، ومتابعة لاحقة بعد خروج الأطفال لضمان عدم عودتهم للشارع.
رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد بمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في دمشق، خزامى النجاد، ذكرت أنه من أصل حوالي 1500 طفل موجودين في الشوارع كمتسوّلين، سحب نحو 253 طفلاً من دمشق وريفها، موضحة أن سبب عودة الأطفال إلى التسوّل بعدما كانوا موجودين في المركز، هو أنّ الأهل يكتبون تعهداً بألّا يعيدوا أو يجبروا الطفل على التسول مجدداً، لكنّهم لا يلتزمون بهذا التعهد.
وكشفت الوزارة أن أعداد الحالات المضبوطة في كل حملة تراجعت تدريجياً مقارنة ببداية العمل، وهو ما تعتبره مؤشراً على أثر الجهد المبذول، ولذا تسعى حالياً إلى تعميم التجربة التي تم تطبيقها في دمشق على بقية المحافظات.
الأهل في قلب المشكلة
جزء كبير من الأطفال المتسولين في الشوارع يعملون بمعرفة أهاليهم ورضاهم، حيث يُقنع الأهالي أطفالهم بالعمل لمساعدة العائلة على تأمين تكلفة المعيشة اليومي، في الوقت الذي يُجبر فيه بعض الأطفال على ذلك، تحت تهديد العقاب من الأهل في حال لم يحصلوا على مبلغ محدد، ما قد يدفعهم لأي تصرف مقابل الحصول على المبلغ المطلوب.
السيد يوسف وهو يعمل ضمن أحد المحال التجارية ذكر لموقع سوريا اليوم 24 :”دخل طفل يطلب المال كمساعدة، حاول أن يستعطفني بالحيلة، وعند ازدحام المحل حاول استغلال الموقف والتسلل إلى درج المحاسبة بقصد السرقة”.
وهنا تتحول الحالات من تسول إلى استغلال للطفل وقد تتطور إلى اتجار بالبشر في حالات أشد خطورة، ووفقاً للمادة 604 من قانون العقوبات السوري فيواجه بالحبس من سنة إلى 3 سنوات، مع الغرامة من خمسين ألف ليرة سورية إلى مئة ألف ليرة سورية لكل من دفع قاصراً الى التسول، أي أن المبلغ المستحق للدفع كغرامة لا يصل إلى 10 دولار، والجهة المخوّلة لرفع الدعوى هي النيابة العامة.
كما توجد قوانين ومواد عدة تسعى لضبط التسول والمتسولين، أي أن الإطار القانوني موجود ومتعدد المواد والتفاصيل باختلاف السنوات، لكن تطبيق هذه القوانين هو الغائب رغم وجود الحاجة إلى تطويره مع توفير الدعم اللازم للجهات المسؤولة عن التطبيق.
خطة شهرية بالأرقام دون عشوائية
توضح مديرة مكتب مكافحة التسول والتشرد خزامى النجاد، أن خطة العمل تُعد مع بداية كل شهر، عبر اجتماع يجمع وزارة الشؤون الاجتماعية وفرع مكافحة الاتجار بالأشخاص، ويتم خلال الاجتماع الاتفاق على تنفيذ حملتين أسبوعياً، تستهدفان مناطق مختلفة وفق دراسة مسبقة.
وتؤكد النجاد أن اختيار المناطق لإجراء الحملات لا يتم شكل عشوائي، فهناك دراسة لطبيعة انتشار حالات التسول في كل منطقة، مع مراعاة توقيت تنفيذ الحملة، ووفقاً لأحدث إحصائية سجلها المكتب في محافظتي دمشق وريفها، فقد بلغ عدد الحالات المرصودة منذ انطلاق الحملة وحتى 30 حزيران الماضي 550 حالة، مع استثناء حملة الأسبوع الأخير من الشهر التي لم يتم إضافتها للإحصائية بعد، بحيث يتم تحديث هذه الإحصاءات في بداية كل شهر وإضافة نتائج الحملات الجديدة إلى سابقاتها.
يبدو أن الصورة مشتتة مع واقع يتبلور حول وجود خطط حكومية تُنفذ ميدانياً، ومراكز رعاية تؤهل لاستقبال المتسولين، وأهالٍ يعيدون أطفالهم إلى الشارع رغم التعهّدات الموقّعة، فالجهد المبذول يقابله اتساع للظاهرة، وهذا ما يحتمل أن يكون تفسيراً لعدم قدرة الحملات وحدها مهما كانت منظمةً على معالجة المشكلة، التي تغذيها الحرب والفقر والبطالة، فهذه الأسباب تستدعي ما هو أبعد من ضبط حالة أو تأهيل مركز.
اقرأ أيضاً: 800 ألف ليرة حصيلة ثلاث ساعات تسول في مدينة حمص!









