سياسة

600 مليون دولار: هل تنجح التبرعات في إعادة بناء حياة السوريين؟

حملات إعادة الإعمار في سوريا.. جردة حساب شاملة

الكاتب: أحمد علي

سؤال بسيط يطرح من السوريين، هل تكفي مئات الملايين التي جُمعت باسم إعادة الإعمار لتغيير ملامح بلد محطّم، أم أننا أمام أرقام لامعة على الشاشات أكثر مما هي مشاريع ملموسة على الأرض؟ بعد سقوط سلطة بشار الأسد، تحولت ساحات المدن وقاعات المحافظة ومنصات البث المباشر إلى مسارح مفتوحة لحفلات تبرع، تتحرك فيها العواطف والذكريات بقدر ما تتحرك فيها الأرقام.

خلال عام واحد فقط، بات الحديث عن “موجة التبرعات” جزءاً من يوميات السوريين في ما بعد الأسد؛ حالة تجمع بين الأمل والشك، بين رغبة عميقة في إعادة بناء البيوت والحياة، وخوف مبرر من أن تتحول هذه الموجة إلى قصة أخرى من قصص المال الذي يضيع بين البيروقراطية والفساد، أو يوظَّف في معارك السياسة أكثر مما يوظَّف في إعادة بناء الجسور والمدارس.

حملات إعادة الإعمار في سوريا

شهدت سوريا تنظيماً لخمسة عشر حملة رئيسية لإعادة الإعمار في عدة محافظات، تجاوز مجموع المبالغ المُعلنة فيها 631 مليون دولار أمريكي، وهذه الأرقام تتكرر تقريباً في العديد من التقارير.

تصدرت قائمة الحملات مبادرات ضخمة مثل «فداء لحماة» التي أعلنت جمع أكثر من 210 ملايين دولار، و«الوفاء لإدلب» بأكثر من 200 مليون، تلتها حملات إقليمية مثل «ريفنا بيستاهل» في ريف دمشق، و«أبشري حوران» في درعا، و«دير العز» في دير الزور، إلى جانب حملات ذات طابع مناطقي أو مديني أصغر حجماً مثل «أربعاء حمص»، و«فزعة منبج»، و«تفتناز بدنا نعمرها».

أمام هذا المشهد، تبدو حملات إعادة الإعمار في سوريا كأنها شبكة واسعة من الصناديق المحلية، لكل محافظة تقريباً حملتها، ولكل حملة رموزها وشعاراتها وقصتها الخاصة.

من أين جاءت الملايين؟

حملات إعادة الإعمار في سوريا لم تُبنَ فقط على تبرعات أفراد صغار يدفعون ما يستطيعون، بل على مزيج معقد من مصادر التمويل، جزءاً كبيراً من الأموال جاء من رجال أعمال وتجار كبار داخل البلاد وخارجها، إلى جانب مساهمات من المغتربين السوريين في الخليج وأوروبا وتركيا، مع حضور لافت لتبرعات بالعملات الصعبة من الشتات.

إلى جانب التبرعات المباشرة، اعتمدت كثير من الحملات على المزادات الرمزية: بيع كاميرا مصوّر شهير، أو خوذة لمقاتل سابق، أو لوحة فنية، أو حتى بدلة عسكرية من زمن الحرب، تُعرض على المسرح وتُرفع قيمتها دقيقة بعد أخرى أمام الجمهور. التقارير توضح أن الأرقام المعلنة لا تعكس بالضرورة الأموال المحصلة فعلاً؛ إذ يدخل ضمنها التعهد بالدفع لاحقاً أو التعهد بتنفيذ مشروع عيني (ترميم مدرسة، تجهيز قسم في مستشفى، إعادة تعبيد طريق) بدلاً من تحويل مبلغ نقدي إلى صندوق الحملة.

هذا يعني أن جزءاً من الـ 600 مليون دولار وأكثر ما يزال على الورق، وأن قياس أثر حملات إعادة الإعمار في سوريا يتطلب النظر إلى ما وصل فعلاً إلى الصناديق وما تم تنفيذه على الأرض، لا إلى ما أُعلن عنه فقط على المنصات والشاشات.

فجوة هائلة مع حجم الدمار

عند وضع هذه الأرقام في سياقها الوطني، يتغير المشهد، فتقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي تتحدث عن تكلفة لإعادة الإعمار في سوريا تتراوح بين 400 و500 مليار دولار، مع بقاء نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، وحاجة أكثر من 16.7 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة. وبالمقارنة، تبدو مئات الملايين التي جمعتها حملات إعادة الإعمار في سوريا أقرب إلى قطرة في بحر، لكنها ليست قطرة يمكن الاستهانة بها.

فعلى مستوى الأثر المحلي، تتيح هذه المبالغ إمكانية إعادة تأهيل مئات المدارس، وترميم مستشفيات ومراكز صحية، وتحسين شبكات مياه وصرف صحي، وإعادة بناء جزء من البنية التحتية الأساسية في مدن وبلدات معيّنة. لكن المشكلة أن هذا الأثر يظل جزئياً وغير متوازن جغرافياً؛ إذ تستفيد المناطق التي تمتلك قدرة أكبر على جمع التبرعات، بينما تبقى مناطق أفقر أو أقل تنظيماً خارج دائرة الأضواء والتمويل. وهنا يتحول سؤال العدالة المكانية إلى جزء أساسي من تقييم هذه التجربة.

شفافية غائبة وأسئلة صعبة

إحدى أكثر النقاط حساسية في نقاش حملات إعادة الإعمار في سوريا تتعلق بالشفافية، وتحليل تفاعلي نشره موقع «سوريا الغد» يشير بوضوح إلى غياب أي تقارير تدقيق مالي مستقلة لهذه الحملات، فلا وزارة مالية نشرت كشف حساب، ولا هيئات رقابة أعلنت للرأي العام كيف صُرفت الأموال، ومن صادق على العقود، ومن اختار الشركات المنفذة.

التحليل نفسه يذهب أبعد من ذلك، ويتحدث عن «اقتصاد رمزي» تُقاس فيه القيمة بما يقال إنه جُمع، لا بما نعرف أنه نُفذ فعلاً، فحين تُقال أمام الكاميرات أرقام بمئات الملايين، وتُرفع على الشاشات جداول دقيقة للتبرعات لحظة بلحظة، بينما تغيب الجداول نفسها عند مرحلة الصرف والتنفيذ، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً من السؤال الاقتصادي.

إلى جانب ذلك، تُجمع معظم الأموال بالدولار أو بعملات صعبة أخرى عبر قنوات متعددة، بعضها غير رسمي تماماً، ما يزيد من صعوبة تتبع المسار المالي ويُضعف قدرة المؤسسات الجديدة في دمشق على إدارة السياسة النقدية بشكل متماسك.

بهذا المعنى، لا تكفي نوايا المتبرعين ولا حماسة الجمهور لتجعل من حملات إعادة الإعمار في سوريا قصة نجاح مكتملة؛ فثقة الناس ليست في لحظة التصفيق أثناء الحملة فقط، بل في لحظة رؤية مدرسة أُعيد فتحها أو حيّ أُعيدت إليه الخدمات بعد أشهر وسنوات.

ما الذي ينتظر هذه الأموال؟

في موازاة هذه الحملات المحلية، ظهرت مبادرة رسمية تحت اسم «صندوق التنمية السوري»، هدفها المعلن توحيد الجهود التمويلية وربط التبرعات بخطط قطاعية في التعليم والصحة والبنية التحتية، مع وعود بآليات رقابة أكثر وضوحاً. لكن حتى الآن، ما يزال الصندوق في طور التشكّل، وما تزال العلاقة بينه وبين حملات إعادة الإعمار في سوريا غير محسومة: فهل ستندمج هذه الحملات فيه تدريجياً؟ هل ستبقى صناديق محلية مستقلة؟ أم سيتشكل نظام مزدوج يزيد من تعقيد المشهد بدل تبسيطه؟

المستقبل القريب سيختبر ما جرى في ثلاث قضايا أساسية. الأولى، قدرة السلطة الجديدة والمجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني على بناء آلية شفافة وبسيطة تُظهر للناس، وباللغة التي يفهمونها، أين ذهبت كل ليرة أو دولار. الثانية، تحوّل هذه الأموال إلى مشاريع ملموسة يمكن قياسها: عدد غرف الصفوف التي أُعيد فتحها، عدد الأسر التي عادت إلى منازل رممت، عدد الكيلومترات من الطرق التي صارت سالكة.

أما الثالثة، فهي حماية هذه الأموال من التوظيف السياسي الضيق، بحيث لا تصبح أداة لمكافأة منطقة على حساب أخرى أو لتلميع صورة هذا المسؤول أو ذاك.

فإذا نجحت حملات إعادة الإعمار في سوريا في أن تتحول من أرقام على الشاشات إلى بنى تحتية حقيقية وخدمات يومية ملموسة، فقد تكون قد وضعت لبنة أولى باتجه عقد اجتماعي جديد، أما إذا بقيت حبيسة لغة «جمعنا» و«تعهدنا» من دون نتائج يشاهدها الناس، فإنها قد تتحول إلى جرح جديد في ذاكرة السوريين تجاه كل ما يُقال إنه «باسمهم».

اقرأ أيضاً: إعادة إعمار سوريا .. من يدفع ثمن الثلث المفقود؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى