مناسبات وأحداث

“حمص تجمعنا”.. كيف أعاد “صيف سوريا” الحياة إلى شوارع المدينة؟

بقلم هلا يوسف

عاشت سوريا هذا الصيف أجواء ممتعة جداً مع مهرجان “صيف سوريا” الذي مر على عدة محافظات، فمن الساحل حتى حمص كانت المهرجانات عنوان هذا الموسم. واليوم نودع آخر أيام مهرجان “صيف سوريا” في مدينة حمص، بعد أن امتد على مدار خمسة أيام، وقضاء العائلات أوقاتاً ممتعة جداً، خصوصاً الأطفال الذين أُفردت لهم أقسام خاصة بهم، عدا عن فرص عرض المواهب، واستعراض الحرفيين لمنتجاتهم، وكل ذلك تحت شعار “حمص تجمعنا”.

لم يقتصر المهرجان على فعالية واحدة، بل جمع بين نشاطات ثقافية واجتماعية وترفيهية وحرفية، حتى يرضي جميع الزوار. وبينما اختار البعض التجول بين المنتجات والأعمال اليدوية، اتجه الأطفال مباشرة إلى الورشات التي تم إعدادها لهم، في الوقت الذي وجد الشباب وأصحاب المشاريع فيه فرصة للتعريف بأعمالهم والتواصل مع الجمهور.

وبالنظر إلى الحماس لزيارة المهرجان، يمكن تأكيده عبر حركة الزوار التي كانت تبدأ منذ الافتتاح اليومي في الصباح الباكر، حيث بدأوا بالانتقال من جناح لآخر، وهذا ما حول المهرجان إلى ملتقى إنساني وثقافي، ويتجاوز فكرة عرض فعالية.

“حمص تجمعنا”.. عندما تصبح الثقافة مكاناً للقاء

لم يكن اختيار شعار “حمص تجمعنا” بالصدفة، وذلك لأن الفكرة الأساسية للمهرجان هي أن يجتمع أبناء المدينة باختلاف أعمارهم واهتماماتهم في مكان واحد، وأن تكون الثقافة وسيلة للتواصل بينهم.

وأوضح مدير المكتب الإعلامي لمديرية ثقافة حمص والمسؤول الإعلامي للمهرجان محمد العلوش أن الشعار جاء من الرغبة في تقديم مساحة يلتقي فيها أبناء المدينة ضمن أجواء تعكس روح حمص وتنوعها.

ولذلك، جاءت الأنشطة متنوعة منذ البداية، حيث توجد أركان للأطفال، وورشات للشباب، ومبادرات تطوعية، بالإضافة إلى وجود الحرف والمشاريع المحلية. وحتى الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى مكان المهرجان كان لهم نصيب من الفعاليات، إذ تضمن البرنامج نشاطاً للمسنين في دار المسنين بريف حمص، بالتعاون مع المنظمات الإنسانية وبرعاية منظمة “يداً بيد”.

والهدف من هذه الخطوات الإضافية إيصال الفرح لأكبر عدد ممكن من الناس، وألا تبقى الفعالية محصورة في الساحة التي تقام فيها. ويؤكد العلوش أن الهدف هو تقديم شيء يليق بحمص وأهلها، وأن تكون الثقافة قادرة على جمع أبناء المدينة وتقديم صورة عن أصالتها وتنوعها.

وفي تعليقه على المهرجان، قال مدير مديرية ثقافة حمص فادي مسالمي إن المهرجان يمثل مساحة مفتوحة أمام أبناء المدينة للتواصل والمشاركة، خصوصاً أنه جمع الأطفال والعائلات والشباب والحرفيين وأصحاب الأفكار والمشاريع.

وهذا التنوع هو من أكثر الأشياء التي تعطي المهرجان طابعه الخاص؛ فبدلاً من أن يكون النشاط موجهاً إلى فئة واحدة، أصبح الجميع جزءاً منه.

اقرأ أيضاً: مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي: حضور عربي كثيف في الدورة الأولى

الحرفيون وأصحاب المشاريع.. فرصة لعرض ما تصنعه الأيدي

وبينما كان الأطفال منشغلين بالورشات، كان للحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة حضورهم أيضاً. فمثلاً، في جناح جمعية خالد بن الوليد، وجد الزوار مجموعة من الأعمال اليدوية والتراثية، من الرسم على الزجاج والخشب إلى الأعمال الجلدية والموزاييك.

وأوضح أحمد الكردي، أحد المشاركين من الجمعية، أن المشاركة لها جانبان. الأول يتيح عرض المنتجات التراثية وبيعها، والثاني يركز على التدريب وتمكين الشباب والصبايا من خلال تعليمهم مهارات مهنية يمكن أن تساعدهم في الحصول على فرص جديدة.

وهذا يعني أن الجناح لم يكن مكاناً لبيع المنتجات فقط، بل مساحة للتعريف بأنشطة الجمعية وتشجيع الشباب على تعلم الحرف والاستفادة منها.

وفي جناح آخر، عرضت سمر دبجن أعمالاً يدوية مصنوعة من فن الحبال والمكرمية، بينها حقائب وقطع للديكور وميداليات وغيرها من المنتجات التي تجمع بين الشكل الجميل والاستخدام العملي.

وتقول دبجن إن مشاركتها تهدف إلى تعريف الناس بالحرف اليدوية وتشجيع المشاريع المحلية، مشيرة إلى أن الإقبال كان جيداً منذ اليوم الأول.

وبالنسبة للحرفيين، فإن هذه الفعاليات مهمة لأنها تعطيهم الفرصة للوصول مباشرة إلى الجمهور، وعرض منتجاتهم ومعرفة آراء الناس، وربما العثور على زبائن جدد.

لكن بالنسبة لدبجن، الموضوع يتخطى فكرة البيع ليصل إلى استعادة الحرف اليدوية لحضورها لدى الناس، ولهذا تعمل على تجهيز تصاميم جديدة خصيصاً لحمص وأهلها لعرضها خلال الأيام التالية من المهرجان.

بينما قالت إحدى الزائرات إن المهرجان أعاد شيئاً من الحياة إلى المدينة، ومنحها شعوراً افتقدته منذ سنوات، وهو رؤية أبناء حمص مجتمعين في مكان واحد.

وترى أن تنوع المشاركين كان من أكثر الأمور التي لفتت انتباهها، خصوصاً وجود الحرفيين والشباب والجمعيات وأصحاب المشاريع الصغيرة.

أما الأطفال، فكان وجودهم بالنسبة لها أحد أجمل تفاصيل المهرجان، إذ أعطوا المكان روحاً مختلفة وجعلوا العائلات تشارك في الأجواء بدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة.

سبعة أركان للأطفال.. اللعب يتحول إلى تجربة وتعلّم

إذا كان هناك مكان لا يتوقف فيه النشاط تقريباً، فهو أركان الأطفال. فالورشات لم تعتمد على أن يجلس الطفل ويتلقى المعلومات، بل جعلته يشارك بيديه ويجرب بنفسه. ولزيادة الحماس، حصل كل طفل على “جواز سفر” ينقله بين سبعة أركان، ويُختم الجواز عند المشاركة في كل ركن.

وما يجب ذكره أن التجربة الخاصة بالأطفال تختلف من ركن لآخر، فهناك صناعة الدمى والخياطة، وتشكيل المعجون والصلصال والسلايم، إلى جانب الحرف اليدوية والتلوين على الجبس والفسيفساء وصناعة أشكال مختلفة من البالونات.

بهذه الطريقة، يصبح اللعب طريقة للتعلم، ويشعر الطفل أنه في مغامرة صغيرة ينتقل خلالها من تجربة إلى أخرى.

وتوضح مسؤولة قسم الطفل في مديرية ثقافة حمص فرح ألفا أن الهدف هو أن يكون الطفل مشاركاً وليس متلقياً فقط، وأن يتعرف إلى مهارات جديدة ويختبر قدراته من خلال الممارسة.

كما تضمن برنامج المهرجان أنشطة للأسرة، وتحدي القراءة، وفقرات في الأدب والشعر والنثر والسجال، لتكون الفعالية أوسع من مجرد ورشات ترفيهية للأطفال.

ومثلاً، في ورشة صناعة الدمى، يتعرف الأطفال إلى كيفية إعداد الدمية باستخدام أنواع مختلفة من الأقمشة، كما يشارك الطفل في اختيار بعض التفاصيل، مثل الشعر والعينين، ويساعد في الخياطة وإضافة اللمسات النهائية.

وتوضح مشرفة الورشة تماضر الطويل أن مشاركة الطفل في صناعة الدمية تساعده على زيادة ثقته بنفسه، خصوصاً عندما يرى أن الجزء الذي صنعه أصبح جزءاً من عمل جماعي كامل. كما يمكن استخدام هذه الدمى في عروض مسرحية للأطفال، لتقديم القصص والأفكار التربوية بطريقة بسيطة وممتعة.

أما ركن الصلصال، فترك للأطفال مساحة أكبر للخيال، حيث تتحول قطعة صغيرة من الصلصال بين أيديهم إلى وردة أو شخصية أو شكل من اختيارهم.

وفي النهاية، من المؤكد أن نهاية مهرجان “صيف سوريا” في حمص لا تعني نهاية الفعاليات، لكنه كان بمثابة إعلان عودة الفرح والحياة إلى مدينة عانى قسم كبير منها من وطأة الحرب ودمارها. وتظهر فكرة “حمص تجمعنا” كشعار يعبر عن حجم التآلف والانسجام الذي يعيشه أبناء المدينة، ومقدار الفرص التي يقدمها المهرجان للشباب والأطفال والعائلات، سواء بالترفيه أو بعرض المنتجات.

اقرأ أيضاً: مهرجان صيف حوران.. حين تعود الحياة إلى درعا من بين الركام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى