حمشو نموذجاً: هل يعيد رأس المال إنتاج نفوذه في المرحلة الانتقالية؟

بقلم: هلا يوسف
لم يكن ظهور أولاد محمد حمشو في حفل إطلاق «صندوق التنمية السوري»، وتبرعهم بمبلغ مليون دولار، حدثاً بروتوكولياً عابراً، فقد فهمه كثيرون بأنّه إشارة سياسية مدوّية فجّرت الانقسام مجدداً حول معنى «المصالحة» في سوريا الجديدة. بين من رأى في ذلك غسلاً متأخراً لسمعة لوّثتها الشراكات مع النظام السابق، ومن اعتبره دليلاً على أنّ المال لا يزال يفرض كلمته في السياسة كما في السوق، انفتحت سجالات تكشف حجم الجرح السوري الذي لم يندمل بعد. فحمشو ليس اسماً عادياً في الذاكرة الشعبية والسياسية، بل هو رمز لتشابك رأس المال مع السلطة الأمنية والعسكرية، وعودته للسطح تعيد إلى الأذهان أسئلة جوهرية عن العدالة، والمحاسبة، وحدود التسويات في بلد أنهكته الحرب.
صلح أم تسوية
استغرب كثيرون عودة عدد من رموز النظام لتصدّر الواجهة سواء السياسية أو الاقتصادية، وفق “تسويات” كما أعلنت الحكومة السورية الحالية، فكان محمد حمشو رجل الأعمال السوري أحد الخاضعين لهذه التسويات وفق معادلة المال مقابل البقاء.
ونقلت بعض المصادر أنّ حمشو حصل على تسويته مقابل مليار دولار، بل وعاد وسط حراسة أمنية مشددة أمام شركاته وأملاكه. لكن مصادرنا الخاصة في «سوريا اليوم 24» أعلمتنا بأنّ التسوية مع محمد حمشو لم تتمّ بعد، وبأنّ السلطة تفاوضه على إعادة عشرين بالمئة من أملاكه فقط، ولا تزال المفاوضات جارية.
لكمن كما يبدو، فنيّة التسوية مع حمشو قائمة منذ سقوط السلطة. فوفقاً لمصادر خاصة في إدارة العمليات العسكرية عند سقوط النظام السابق أن “الحديث عن تسوية حمشو بدأ منذ اليوم الثالث من سقوط النظام السوري مع صدور تعليمات بالحفاظ على ممتلكاته وعدم مصادرة أو الاستيلاء على أي منها”.
وتأكيداً لذلك، ذكرت وسائل إعلان نقلاً عن مصدر عسكري شارك في مداهمة مجمع فيلات تعود لحمشو في إحدى ضواحي دمشق، أنّ “المجموعة تلقت اتصالات من أحد أصحاب النفوذ في هيئة تحرير الشام بعد دخولهم إلى المنطقة، وصدرت أوامر بالانسحاب منها دون المساس بأي من الممتلكات”، وأضاف المصدر إن “كراجاً من طابقين يحوي عشرات السيارات شوهد خلال عملية تفتيش تعود ملكيته لحمشو ورجال أعمال آخرين شركاء له”.
والجدير بالذكر أنّ هذه التسوية، سواء تمّت أو في طور التفاوض، تأتي بوساطة قطرية نظراً لصلة القرابة بين محمد حمشو، ومعتز الخياط ابن أخت حمشو، الذي يحمل الجنسية القطرية ولديه استثمارات بملايين الدولارات في قطر، هو وشقيقه رامز الذي عقد اتفاقيات طاقة ضخمة – وجدلية – مع الحكومة السورية الحالية.
كما أنّ هناك من يذكر بأنّ آل الخياط أنفسهم، كانو شركاء لعدد من رموز السلطة – وعلى رأسهم ماهر الأسد – قبل أن تندلع الثورة ويقرروا الانتقال مع أموالهم إلى قطر.
لم تكن الحكومة تملك الخيار!
كثرٌ من المحللين السياسيين والاقتصاديين يرون بأنّ الخيارات لم تكن مفتوحة أمام الحكومة السورية، فقد ورثت اقتصاداً متهالك على حافة الانهيار، هذا إذا ما تجنبنا القول أنه منهار بالفعل. لذلك فسّر محللون ورجال أعمال سوريون أن طبيعة السياسة التي تنتهجها الحكومة السورية الجديدة تجاه شبكة الشركات الكبرى المرتبطة بعائلة الأسد تمثل عاملاً حاسماً في تحديد مسار الاقتصاد الوطني.
وبالرغم من أن ملامح هذه السياسة لم تتضح للكثير من السوريين الذين رفضوا رفضاً قاطعاً التعامل مع رموز النظام السابق، إلا أنه تم التطرق لسياسة الحكومة تجاههم من قبل مسؤولين سوريين مثل وزير التجارة السابق في حكومة الإنقاذ ماهر خليل الحسن ورئيس هيئة الاستثمار أيمن حموية، الذين كشفوا عن اتصالات تجري مع عدد من رجال الأعمال المقربين من النظام السابق، من دون الإفصاح عن هويتهم أو تفاصيل العلاقة.
ووفقاً لبعض المحللين، فإن عملية الاتصال تشمل نحو 12 شخصية اقتصادية بارزة، تُعدّ من الحلقة الضيقة التي دعمت النظام سابقاً، وباتت تحت أنظار الحكومة السورية الحالية، باعتبارهم ركائز لا يمكن تجاهلهم في البنية الاقتصادية السورية.
ولإدارة هذه المرحلة الانتقالية، ذكرت تقارير بأنّ الحكومة السورية الحالية ألزمت الشركات والمصانع التابعة لتلك النخبة بمواصلة أنشطتها تحت إشراف حكومي مباشر، مع تجميد أصولها المالية مؤقتاً. ويعكس هذا التوجه إدراك الحكومة لصعوبة إقصاء هذه الكيانات، إذ أشار وزير التجارة السابق الحسن إلى أن “اقتصاد البلد في أيديهم، ولا يمكن ببساطة مطالبتهم بالانسحاب”.
وتبرز مجموعة حمشو الدولية كمثال على هذا النهج، حيث أكدت مصادر مطلعة أنها خضعت لإشراف السلطات الجديدة، فيما تمّ إبلاغ موظفيها بضرورة التعاون الكامل مع ممثلي الحكومة الذين يزورون الشركة بانتظام لجمع المعلومات.
ومن الناحية الاقتصادية، يشير الخبراء إلى أن استمرار نشاط هذه الشركات ليس خيار سياسي فقط، بل ضرورة تفرضها الظروف المعيشية الصعبة. إذ يحذر الخبير الاقتصادي كرم شعار من أن أي حملة صارمة ضد بقايا النخبة الاقتصادية السابقة قد تؤدي إلى اضطراب خطير في الأسواق ونقص واسع في السلع الأساسية.
من هو محمد حمشو؟
يُعدّ محمد حمشو من أبرز الوجوه الاقتصادية المرتبطة بالنظام السوري السابق، إذ ترأس مجلس إدارة مجموعة حمشو التي تأسست عام 1989 وتضم اليوم نحو 20 شركة تنشط في قطاعات المقاولات والاستثمار السياحي والعقاري، إلى جانب نشاطات في الاتصالات والدعاية والإعلام. وتشمل ثروته شركات مثل “الشهباء للاتصالات” و”سيف الشام” و”دوا” و”تطوير”، وغيرها من الكيانات الاقتصادية التي توسّعت لاحقاً لتشمل الإنتاج الفني عبر إطلاق قناة “الدنيا” الإخبارية.
ترافق هذا التوسع الاقتصادي مع دعم سياسي واضح للنظام، وهو ما دفع بوزارة الخزانة الأميركية إلى فرض عقوبات على حمشو في آب 2011، ثم شملته عقوبات “قانون قيصر” عام 2020 مع عدد من أفراد عائلته، وجاء في تبرير العقوبات أن حمشو وأسرته لعبوا دور “واجهة” تجارية لماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة وشقيق بشار، وأنهم استفادوا من علاقاتهم لتحقيق ثروات شخصية على حساب معاناة الشعب.
اقرأ أيضاً: رويترز: تسويات بمليارات الدولارات بين «المشايخ» ورجال أعمال الأسد!
البداية من موظف صغير
اللافت أن بدايات حمشو لم تكن توحي بمثل هذا المستقبل الثري، فوفقاً لعدد من الروايات، بدأ محمد حمشو موظفاً في مؤسسة حكومية، قبل أن تمنحه علاقته بأحد أبناء اللواء إبراهيم حويجة (الرئيس الأسبق لإدارة المخابرات الجوية) فرصة الحصول على مناقصات عامة.
غير أن التحول الأساسي في حياته جاء بعد ارتباطه بماهر الأسد، حيث أصبح من المتداول في الشارع العام والخاص، بأنه الواجهة الاقتصادية له. ومن هنا انطلقت شبكته الاستثمارية التي شملت الاتصالات أولاً، ثم توسعت إلى قطاعات أكثر استراتيجية كالحديد والصناعات المعدنية والإعلام.
كما ترافق النفوذ الاقتصادي الذي حصل عليه مع نفوذ سياسي، فقد شغل مواقع بارزة في “اتحاد غرف التجارة السورية“، وصولاً إلى منصب أمين السر ورئاسة مجلس المعادن والصهر، قبل أن يصبح عضواً في مجلس الشعب لدورة 2016 – 2020.
وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً أشارت فيه إلى أن رجل الأعمال السوري المذكور استحوذ على مجموعة واسعة من الشركات العاملة في مجالات الكابلات والصناعات المعدنية والإلكترونيات والإنتاج الإعلامي، وتمّ تقدير قيمة 80% من أصوله التجارية بـ 640 مليون دولار، في حين ظل أفراد عائلته محتفظين بجزء من شركاتهم.
ومن بين أهم المصانع التي خضعت لإدارته معمل لمعالجة الحديد والصلب، وهو قطاع استراتيجي تمكن من احتكاره وإحكام السيطرة عليه لسنوات، خاصة خلال فترة الحرب. كما لعب دوراً محورياً في إدارة ملف الحديد، محتكراً هذا القطاع مانعاً أي منافسة حقيقية فيه، الأمر الذي جعل منه أحد أبرز المستفيدين من ظروف الحرب ضمن ما يطلق عليه في الأوساط العامية (تعفيش الحديد).
بحسب مصادر إعلامية وشهادات حيّة، اعتمدت معامل الحديد التابعة له بشكل كبير على صهر الخردة الحديدية، بما في ذلك كميات كبيرة جُمعت من منازل مدمرة في ريفي حلب وإدلب. وتشير المعلومات إلى أن هذه العمليات لم تقتصر على النفايات الصناعية فقط، بل شملت أيضاً الحديد المستخرج من أسقف المنازل المنهارة، والذي نُقل عبر شاحنات إلى مصانع الصلب التابعة له، تحت حماية ورعاية الفرقة الرابعة سيئة السمعة.
حمشو يُقاضي أحد نشطاء الثورة بسبب مقطع صوت
قصة سحب الحديد من منازل السوريين المدمرة لم تكن كلاماً من الهواء، بل ترافقت مع تسجيل صوتي لحمشو أعاد نشره الناشط عبد الحميد عساف في 10 آذار الماضي، حيث يعود تاريخ المقطع لعام 2018. وقد تضمن طلب حمشو من أحد ضباط “الفرقة الرابعة” قصف مبنى محدد بغرض الاستفادة من الحديد المتبقي فيه. هذا التسجيل أعاد إلى الواجهة اتهامات متكررة باستغلال الدمار في سوريا من قبل رموز النظام السابق وشركاؤهم لتحقيق مكاسب شخصية.
على إثر ذلك رفع محمد حمشو دعوى قضائية ضد عساف بتهمة “القدح والذم عبر الوسائل الإلكترونية”. وبالفعل، وكما يوضّح عساف، فقد تمّ استدعائه إلى مخفر “الصالحية”، حيث واجهه شخص يُدعى “أبو محمد” قائلاً: “لا تدخل معركة خاسرة، لا عدالة في هذا البلد”، قبل أن يجبره على توقيع تعهد بعدم التعرض لحمشو. ويكشف هذا الموقف بحسب عساف، عن مدى تغلغل النفوذ الاقتصادي في بنية السلطة القضائية والأمنية، حتى بعد انهيار النظام السابق شكلياً.
ولم تقتصر الضغوط على الجهة الأمنية فقط، بل تعدتها إلى تهديدات مباشرة لعساف من أحد حراس منزل حمشو، وأشار عساف أنه تم تهديده بالقتل في حال أعاد نشر التسجيل. كما أشار إلى تعرض حساباته الإلكترونية لهجمات منظمة من قبل ما تمّ وصفه بـ”الذباب الإلكتروني” التابع لحمشو، في محاولة لإسكاته وتشويه روايته، وفي وسط هذه الدوامة القضائية، يقول عساف أن الضحايا يجدون أنفسهم ملاحقين بينما يبقى المتهمون بارتكاب الانتهاكات بعيدين عن المساءلة.
يمكننا أن نصدّق عساف في بعض ما قاله، فالذي يرى أعداد الحرس المسلحين الذين ينتشرون حول مقرات شركات حمشو ومنازله، في المنطقة الحرة أو في قرى الأحرار (قرى الأسد سابقاً)، أو في غيرها، لخالها مراكز أمنية.
ما بين السر والعلن.. محمد حمشو شريك لرؤوس النظام
رغم أنّ هناك الكثير ممّا لا يمكن تصديقه في الإعلام، سواء عن حمشو أو غيره، إلّا أنّ هناك بعض الشهادات والتقارير هي من الأهمية بحيث لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها عند النظر إلى شخصية مثل محمد حمشو.
على سبيل المثال، تشير شهادات متفرقة ومصادر إعلامية متنوعة إلى أن شراكة محمد حمشو مع النظام لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، وبأنّه قام برعاية وتسليح مجموعة ميليشياوية من المقاتلين من أبناء دمشق، جنّدهم لدعم عمليات النظام الأمنية والعسكرية، وقد استمرّ عمله هذا لأكثر من عامين. غير أنّ أجهزة الأمن قامت لاحقاً بتفكيك هذه المجموعة. وعلى الرغم من عدم معرفة الأسباب بدقة، إلا أنّ ما كان يُشاع هو أنّ الدافع كان مخاوف طائفية، خشية أن تكون تلك المجموعات قد تعرضت لاختراق مقاتلي المعارضة المسلحة، بينما قال آخرون أنّ الأسباب هي خلافات على النفوذ مع قادة مجموعات ميليشياوية مسلحة أخرى تابعة للنظام.
من الحوادث التي تروى عن علاقة حمشو بآل الأسد أيضاً، أنّه تعرّض قبل عدّة أعوام من اندلاع الثورة إلى التضييق عليه وعلى أعماله، واعتقال شقيقه أيضاً من قبل الأمن. وبما أنّه كان في تلك الفترة شريكاً وواجهة لماهر الأسد، فلا يمكن اعتبار اعتقال شقيقه حدثاً معزولاً عن خلاف كبير. وقد أُشيع حينها أنّ السبب يرتبط بصفقة أجهزة حاسوب أو ما شابه، غير أنّ التفاصيل الدقيقة غير متوفرة.
كما تجدر الإشارة إلى أنّه قبيل سقوط النظام في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب، تم إجبار حمشو على الانسحاب من الترشح. وبحسب معلومات نشرتها صحيفة الشرق الأوسط، فانسحاب حمشو من الترشح لمجلس الشعب كمستقل لم يكن خطوة عفوية، بل نتيجة ضغوط داخلية مرتبطة بصراعات النفوذ في أروقة السلطة. فقد ارتبط اسم حمشو بـ”قائمة شام” التي ضمت إلى جانبه شخصيات اقتصادية وسياسية مثل طريف قوطرش وغزوان المصري وفهد درويش محمود ومحمد أكرم العجلاني ومحمد خالد العلبي ونهى محايري، الأمر الذي أثار حفيظة أجنحة نافذة داخل السلطة.
وبحسب الصحيفة، فإن الأمين القطري المساعد لحزب البعث، هلال الهلال، أوقف زيارة كان يجريها في حلب بشكل مفاجئ وعاد إلى دمشق وهو في حالة غضب شديد، مستهدفاً بالدرجة الأولى معاقبة المسؤولين البعثيين الذين وفروا دعماً غير معلن لقائمة “شام”. وفي اجتماع عاجل مع القيادة المركزية للحزب، تقرر فرض عقوبات على خمسة قياديين في فرع دمشق، في خطوة فُهمت على أنها رسالة مباشرة إلى حمشو بضرورة التراجع، بينما أشارت مصادر أخرى أن حمشو لم يسدّد كامل المبالغ المفروضة عليه كأتاوات.
في النهاية، تتجاوز قصة محمد حمشو حدود شخصه لتتحول إلى مرآة لامتحان أشد خطورة: كيف تُبنى شرعية مرحلة جديدة فيما يتقدم الصفوف رجال من صُلب النظام الذي انهار؟ هل ما جرى هو صلحٌ يفتح باب الاستقرار أم تسوية على حساب العدالة؟ هل يمكن للاقتصاد أن يتنفس في ظل شبكة المصالح ذاتها التي كبّلته لعقود؟ أم أنّ سوريا محكومة بأن تدور في فلك المال ــ الأمن ــ السياسة من جديد؟ أسئلة تتناسل من سؤال واحد لا يزال معلقاً في هواء البلاد: هل يولد الجديد حقاً، أم أنّ الماضي يطلّ كل مرة بوجه آخر؟
اقرأ أيضاً: 100رجل أعمال سوري في مؤتمر;تجمع سوريا الوطني









