من يحمي المدنيين في لحظة الفوضى؟ قراءة في أداء الأجهزة بعد اضطرابات الساحل

الكاتب: أحمد علي
يتحول الشارع في دقائق من مساحة عادية إلى مساحة خطر عندما يختلط الاحتجاج بالخوف والسلاح. في تلك اللحظة لا يبحث الناس عن تفسيرات كبيرة بقدر ما يبحثون عن حماية: أن يعودوا إلى بيوتهم سالمين، وألا تُترك أحياؤهم لدوامة انتقام. اضطرابات الساحل السوري في اللاذقية وطرطوس أواخر كانون الأول 2025، وما رافقها من موت وجرحى وروايات متضاربة، أعادت سؤال حماية المدنيين إلى مركز النقاش: من يضمن الأمن حين تتكسر القواعد التي اعتادها الجميع؟
حماية المدنيين بين القانون والميدان
بدأت الاحتجاجات بعد تفجير استهدف مسجداً في حمص، ثم خرجت تظاهرات في مدن ساحلية رفعت مطالب سياسية واجتماعية، قبل أن تنزلق بعض التجمعات إلى اشتباكات وإطلاق نار. المعطيات تحدثت عن موت ما بين ثلاثة وأربعة أشخاص وإصابة العشرات، وعن فوضى رافقت تداخل متظاهرين مع مجموعات مضادة، فيما أشارت تغطيات إلى هجمات طالت مقار أمنية وإحراق مركبات. لكن اختلاف التفاصيل لا يلغي جوهر المشكلة، فالمدنيون كانوا وسط معادلة لا يملكون أدواتها.
في مثل هذه اللحظات، يصبح معيار حماية المدنيين هو طريقة إنفاذ القانون، لا نوايا الأطراف. مبادئ الأمم المتحدة الأساسية لا تسمح باستخدام القوة إلا عند الضرورة وبالقدر المتناسب، وتؤكد واجب تقليل الضرر واحترام الحياة، وأن اللجوء إلى السلاح الناري آخر خيار. ولا يجري الحديث عن هذه القواعد من باب كونها “ترفاً حقوقياً”، بل هي الحد الأدنى الذي يمنع لحظة اضطراب من التحول إلى سلسلة ثأر.
جاهزية الشرطة وقت الصدمة
الجاهزية هنا تعني القدرة على إدارة الحشود قبل أن تشتعل: فصل المجموعات المتواجهة، فتح ممرات، وتأمين الإسعاف والفرق الطبية قرب نقاط التجمع. كما تفيد وحدات تواصل ميداني تتحدث مع الأهالي ورجال الدين والوجهاء لتخفيض التوتر، لأن غياب وسيط محلي يترك الشارع لمن يرفع صوته أكثر. فرض حظر تجول مؤقت في اللاذقية كان محاولة سريعة لاحتواء الانفلات، لكنه يبقى أداة لا تكفي وحدها إذا لم ترافقها إجراءات ميدانية دقيقة تقلل الاحتكاك بدل دفعه إلى الأزقة.
وتتضرر حماية المدنيين حين تكون تعليمات العناصر مبهمة أو عندما يُستخدم إطلاق النار في الهواء كوسيلة ضبط. هذا السلوك قد يرفع الهلع ويزيد الإصابات غير المقصودة، ويعطي مساحة لمسلحين أو محرضين لخلط الأوراق. الجاهزية المهنية تعني تدريباً على التهدئة، ومحاسبة فورية للسلوك الخطر، وتنسيقاً واضحاً بين الشرطة والجهات العسكرية حتى لا يتحول تعدد القوى إلى تعدد قرارات في الشارع.
الشفافية تصنع الثقة العامة
حين تتضارب الاتهامات بين “مسلحين مجهولين” و“بقايا نظام” و“قوات قتلت متظاهرين”، يصبح الفراغ المعلوماتي مادة قابلة للاشتعال. لذلك، الشفافية جزء من حماية المدنيين، لأنها تقلل الشائعات التي تدفع الناس إلى تسليح أنفسهم أو الانتقام. وإعلان وزارة الداخلية عن حظر التجول مع استثناءات للطوارئ، وإعلانات عن توقيف مشتبه بهم، خطوات مهمة، لكن تأثيرها يرتبط بقدر المعلومات التي تُقدَّم: ما التهم، ما مسار التحقيق، وما حقوق الموقوفين، وكيف يستطيع المتضررون التبليغ بأمان.
وعندما تُعلن النتائج، يجب أن تُكتب بلغة مفهومة لا بلغة تهديد أو تبرير. الشفافية ليست فقط نشر أرقام، بل أيضاً الاعتراف بما لم يُحسم بعد، وتحديث الجمهور بانتظام. وفي بيئات حساسة مثل الساحل السوري، هذا السلوك يرسل رسالة تهدئة تقول إن الدولة ترى ما يحدث ولا تغلق الباب أمام الحقيقة، وهو شرط عملي كي تبقى حماية المدنيين ممكنة.
المحاسبة تمنع تكرار الانتهاك
من دون محاسبة، تتحول أي أزمة إلى عادة. حماية المدنيين تعني أن أي ادعاء بإطلاق نار غير مبرر، أو اعتداء على متظاهرين، أو انتهاك أثناء توقيف، يجب أن يواجه تحقيقاً سريعاً ومستقلاً وعقوبات واضحة عند ثبوت المسؤولية. فالمبادئ الأممية تشدد على أن إنفاذ القانون هدفه حماية الحياة والحقوق، وأن استخدام القوة يجب أن يكون قابلاً للمراجعة والمساءلة.
والجانب العملي للمحاسبة لا يحتاج شعارات: قواعد اشتباك مكتوبة، توثيق للتدخلات قدر الإمكان، قنوات شكوى لا تُعرّض المشتكي للانتقام، وتمكين القضاء من الوصول للأدلة. فعندما يشعر الناس بأن حماية المدنيين ليست وعداً سياسياً بل مساراً قانونياً، تتراجع رغبتهم في “العدالة الخاصة” التي لا تنتج إلا مزيداً من الدم.
خلاصة
تُقاس قوة الدولة في لحظات الهدوء بما تبنيه من مؤسسات، وتُقاس مصداقيتها في لحظات الاضطراب بما تحميه من أرواح. فقد كشفت اضطرابات الساحل السوري أن حماية المدنيين ليست نتيجة تلقائية لوجود الأجهزة في الشارع، بل نتيجة لطريقة عملها: هل تتدخل بسرعة قبل أن يتوسع العنف؟ هل تُبقي القنوات مفتوحة أمام المعلومات المؤكدة بدل ترك الناس للشائعة؟ وهل تملك القدرة على محاسبة من يخطئ، أيّاً كان موقعه، حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة؟
عندما تتكامل هذه العناصر يصبح الأمن ممارسة يومية تحمي الجميع، لا مجرد استجابة طارئة تنتهي مع أول حظر تجول. وفي بلد مثقل بالانقسامات والخوف المتراكم، تظل حماية المدنيين هي المؤشر الأوضح على أن النظام العام قادر على تهدئة المجتمع بدل دفعه نحو جولات جديدة من الفوضى.
ما قبل الختام، تجدر الإشارة إلى أنه في الأيام التي تلت الأحداث، انتشرت قوات الأمن في نقاط حسّاسة بهدف معلن هو منع أي تحرّكات مضادّة من التكسير أو جرّ الشارع إلى موجة فوضى جديدة. وبغض النظر عن أيّ رأي بخصوص كفاية ذلك في منع الفوضى، فهذا واقع يجب ذكره، خاصة أنّه – بوصفه معطى ميداني واقعي – ساهم وفق قناعة عامة عابرة للاستقطاب لدى كثيرين، في الميل نحو التهدئة وتقليل فرص الاحتكاك المتجدد، بما يعطي إشارة بأنّ قوات الأمن لم ترد السماح للشارع بالانزلاق إلى الفوضى.
ختاماً، تُفهم اضطرابات الساحل السوري هنا بوصفها تعبيراً عن مطالب أهلية مباشرة مثل إنهاء الخطف والقتل ومعالجة ملف المعتقلين وتوسيع اللامركزية، لكنها سرعان ما دخلت في مسار خطير بفعل مظاهرات مضادة واحتكاكات سمحت بتصاعد خطاب تحريضي وطائفي، ما يضع المدنيين في قلب دائرة يمكن أن تتوسع بسرعة إذا تُركت للشائعة ولحسابات القوة.
وهنا فإن جوهر الخطر ليس الاحتجاج بحد ذاته، بل تحويله إلى تعبئة هوياتية تفتح الباب لعنف انتقامي وتدخلات خارجية، لذلك، وكمدخل لحماية المدنيين ينبغي إيقاف التحريض فوراً وضبط الشارع بأقل قدر من القوة وبأقصى قدر من الشفافية، بالتوازي مع فتح مسار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة وفق مقتضيات قرار مجلس الأمن 2254 عبر صيغة حكم انتقالي توافقي غير طائفي، ثم دستور وانتخابات، ومعالجة الملفات الخلافية (ومنها علاقة المركز باللامركز) ضمن إطار وطني جامع لا عبر الشارع…
اقرأ أيضاً: مظاهرات الساحل السوري: شارعان في بلد واحد!









