حماية الأقليات واجبة.. سواء في تصويت على الغداء أو في نصوص الدساتير

مقال رأي – عروة درويش – حماية الأقليات واجبة.. سواء في تصويت على الغداء أو في نصوص الدساتير
قبل أيام، جرى في المؤسسة التي أعمل بها تصويتٌ بسيط عبر «واتس آب» لاختيار مدينة للقاء الفريق على غداء تعارف. الخياران كانا دمشق أو حمص، فهناك جزء كبير من الموظفين يسكنون في مناطق ومحافظات متفرقة من سوريا.
وكما كان متوقعاً، صبّت معظم الأصوات نحو دمشق، فالأغلبية تسكن هناك ومن الطبيعي أن تختار مدينتها. لكن المدير تدخّل في لحظة فاصلة، موضحاً أنّ التصويت لم يكن موجهاً إلى هؤلاء أصلاً، إذ إن اختيارهم محسوم سلفاً. الغاية الحقيقية، كما شرح بود، أن يُترك القرار لتلك الأقلية الموزّعة خارج العاصمة، كي تحدد هي إن كان الأنسب أن تُعقد المائدة في دمشق أم في حمص، الأقرب إلى جغرافيا تنقّلها.
قد يبدو الأمر تفصيلاً يومياً عابراً، لكنّه في الحقيقة يحوي مفتاحاً جوهرياً لفهم فكرة كبرى: حماية الأقليات. فالأغلبية، من حيث المبدأ – وبغض النظر عن الحالة السورية التي فيها أغلبية واحدة فقط يمكن الاعتراف بها: «الفقراء والمنهوبين» – تستطيع أن تفرض خياراتها بيسر، بينما الأقلية قد تذوب في الصمت إن لم تكن هناك آلية تمنحها صوتاً ووزناً.
أدركت الدول الديمقراطية المستقرة هذه الحقيقة مبكراً. لهذا نجد أن كثيراً من الدساتير المتطورة، التي تعترف بحقوق المساواة لجميع مواطنيها في جميع المناحي الاجتماعي والسياسية، أي أنها لا تحتاج في المبدأ لتقرير حقوق خاصة بفئة محددة، تنصّ بشكل مباشر على حماية الأقليات.
الأمر المؤكد أنّ هذا النص على هذه الحقوق الخاصة ليس مردّه أنّ المساواة الدستورية وهمية وعلى الورق فقط، بل لأنّ الواقع يثبت أن صوت الأغلبية قد يبتلع الآخرين إن لم تكن هناك ضمانات واضحة، لمسائل محددة وواضحة بدورها.
خذ الدستور السويدي مثالاً ممتازاً عمّا نقول. هذا الدستور لا يكتفي بالقول إنّ جميع المواطنين متساوون، بل يذهب أبعد من ذلك: يعرّف الأقليات الوطنية بالاسم، «وأشهرهم شعب السامي»، ويمنحهم حقوقاً محددة، من استخدام لغتهم الأم في التعاملات الرسمية، إلى التعليم والرعاية بلغاتهم، بل ويعترف لشعب السامي ببرلمان خاص يمكّنه من إدارة شؤونه الثقافية والاجتماعية.
هذه ليست صدفة. السويد دولة علمانية تنص على المساواة بين مواطنيها بشكل كلي، وتطبق هذه المساواة، لكنّها تدرك أيضاً أنّ العدالة لا تُقاس بمجرد «المساواة»، بل بتمكين الأضعف من أن يعيش مساواته فعلاً. وكما قال مفوّض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك: «في كثير من الأحيان يُنظر إلى التنوع كتهديد، وهذا نهج خاطئ. التنوع يجب أن يُحتفى به ولا أن يُنظر إليه باعتباره خطراً».
والأهم أنّ هذا المنطق يجد جذوره في النقاشات الكبرى للفقه الدستوري. تحدّث الفقيه الأمريكي ألكسندر بكل Alexander Bickel، في كتابه The Least Dangerous Branch منذ عام 1962 عن مفهوم العقبة المضادة للأغلبية counter-majoritarian difficulty» ليصف الدور الإشكالي، ولكن الضروري، للمحاكم الدستورية حين تتصدى لقوانين أقرّتها الأغلبية وذلك لأنّها مخالفة للدستور.
تشرح المعضلة أنّ الدساتير، في جوهرها، ليست مجرد وثائق تنظّم الحكم، بل هي أدوات تملك الحق في أن تكون «مضادة للأغلبية»، ومن أجل هذا لها الحق في كبح الميل – الطبيعي أحياناً – للجماعة الأكبر في فرض خياراتها دون التفات إلى مصالح الجماعة الأصغر.
لكن ما هي الحماية التي يمكن للدستور السوري القادم أن يمنحها، حتى لو لم يكن هناك تهديد مباشر «للأقليات» المطلوب حمايتها؟ لا يمكن وضع إجابة شاملة لهذا السؤال لأنّ مجالات الحماية أكبر من أن يتمّ حصرها. لكن لنحاول استكشاف بعض جوانب هذه «الحماية» معاً:
- الحماية الثقافيّة واللغويّة: حتى لو لم يتمّ تهديد حياة الأقليات، فإن لغاتها وثقافتها قد تتآكل مع الزمن تحت ضغط الثقافة المهيمنة. الحماية هنا أداة للحفاظ على التنوع الثقافي كجزء من التراث الوطني.
- منع التهميش البنيوي: الأغلبية قد تتخذ قرارات «محايدة» ظاهرياً لكنها تُنتج آثاراً سلبية على الأقليات، مثالها الخدمات العامة المتطورة المتركزة في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة حيث أغلبية السكان. النصوص الخاصة تمنع هذا الانزلاق. ويحضرني هنا نص في الدستور النرويجي يفرض على الدولة توفير الخدمات بشكل متساوٍ ومتوازٍ في كامل أنحاء النرويج، وهو الأمر الذي جعل سكان الريف النرويجي، وبشكل معاكس لبقية العالم، لا ينزحون إلى المدن الكبرى.
- تعزيز الثقة والانتماء: عندما ترى الأقليات أنّ حقوقها منصوص عليها بوضوح، أي أنّ جزء واضح وأصيل من الدولة، يتعزز شعورها بالانتماء والولاء لهذه الدولة. الحماية هنا ليست ضد الأغلبية، بل هي عقد ثقة جماعي.
- سدّ الثغرات في الممارسة الديمقراطية: الديمقراطية نفسها تقوم على حكم الأغلبية، لكنّ هذا المبدأ إن تُرك وحيداً قد يتحول إلى «استبداد الأغلبية». الحماية إذن هي الضمانة بأن الديمقراطية لا تتحول إلى أداة إقصاء.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ حماية الأقليات ليست مجرد بند شكلي أو استجابة لتاريخ من الاضطهادات، بل هي شرطٌ أساسي لأي مجتمع يريد أن يكون عادلاً بحق. ومن دونها، تتحول المساواة إلى شعارات جميلة على الورق، بينما في الواقع تتصرّف الأغلبية بما يوافق مزاجها.
إن كان تصويت صغير بين زملاء عمل قد كشف لنا هذه الحقيقة، فكيف بالحري مع شعبٍ كالشعب السوري، متنوّع دينياً وعرقياً وطائفياً ولغوياً، والذي قد تتوارى مواطن تنوعه خلف الصوت الأعلى؟ هنا بالذات تكمن أهمية أن تتحول الفكرة من لفتة ودية في مؤسسة صغيرة، إلى قاعدة راسخة في نصوص الدساتير. من هنا، يصبح مشهد تصويت بسيط على مكان غداء، حين يُعاد تأويله، فكرة جوهرية عن فلسفة دستورية عميقة: حماية الأقلية ليست استثناءً على المساواة، بل هي طريق لتحقيق المساواة.
ربما لا تحتاج بعض الأفكار الكبرى إلى قاعة برلمان كي تولد، بل إلى طاولة مستديرة فيها مساحة للجميع… حتى لو كان الهدف الأخير مجرد صحن فتوش مشترك.
اقرأ أيضاً: فرنسا في سوريا.. جعجعة طَحنُها الوهم
اقرأ أيضاً: مقال رأي: «مظلومية السنة» بين أيتام صدام وضحايا الأسد: ذاكرة جمعية أم اجتماعية؟
————————————————————————————————————
تنويه
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.









