حماة تغرق بالظلام.. سرقة أكبال الكهرباء لا تتوقف لماذا تتكرر وما الحلول المطروحة؟

بقلم: ريم ريّا
على الرغم من أعمال الصيانة المستمرة التي تنفذها الجهات الخدمية في حماة لإعادة الإنارة إلى الحدائق والشوارع والمواقع الأثرية، إلا أن سرقة الكابلات الكهربائية تعيد الوضع مراراً وتكراراً إلى نقطة الصفر. ومع تكرار الاعتداءات على شبكات الإنارة، تواجه المدينة تحدياً يتجاوز الخسائر المادية، إذ يؤدي ذلك إلى تراجع جودة الخدمات العامة ويحرم السكان من فرصة الاستمتاع بالحدائق والمعالم السياحية ليلاً. فما الذي يدفع نحو هذه السرقات المستمرة، وهل التدابير الحالية كافية لوقفها؟
سرقة الكهرباء.. ظاهرة متنامية رغم جهود الصيانة في حماة
شهدت مدينة حماة خلال الأشهر الأخيرة تكراراً ملحوظاً في عمليات سرقة الكوابل النحاسية ومنظومات الإنارة، ولا سيما في المواقع العامة والأثرية، مثل شريط النواعير، وقصر الأرناؤوط، وحديقة أم الحسن، وناعورة المأمورية. وتشير المعطيات إلى أنه بينما تقوم فرق الصيانة بإعادة تركيب الشبكات وتشغيل الإنارة، فإنها غالباً ما تعود بعد أيام قليلة لإصلاح الأضرار ذاتها، وهي حلقة مفرغة تزيد من استهلاك المواد وتستنزف الكوادر الفنية والموارد المالية.
يعزو المراقبون ذلك في المقام الأول إلى القيمة العالية للنحاس مقارنة بالمعادن الأخرى، مما يجعل الكابلات هدفاً سهلاً للعصابات أو الأفراد الساعين لبيعها في أسواق الخردة لتحقيق ربح سريع. بالإضافة إلى ذلك، فإن عوامل مثل وجود الكابلات في مناطق مفتوحة، وعدم كفاية التدابير الأمنية، وغياب المراقبة المستمرة ليلاً، تمنح اللصوص فرصة تنفيذ عملياتهم في وقت وجيز ودون أن يتم كشفهم. ومما يفاقم المشكلة أن التدهور الاقتصادي دفع بعض الأفراد لسرقة الممتلكات العامة كمصدر للدخل غير المشروع، مدفوعين بالطلب المستمر على المعادن القابلة لإعادة التدوير.
اقرأ أيضاً: قدر العتمة يجوب المحافظات.. سرقة الأكبال النحاسية مأساة جديدة في سوريا
أضرار تتجاوز قيمة المسروقات.. والمواطن يدفع الثمن
لا تقتصر تداعيات هذه السرقات على فقدان الكابلات فحسب، بل تؤدي إلى تعطل أنظمة الإنارة ومضخات المياه، وتأخير أعمال الصيانة، وزيادة التكاليف التشغيلية على الجهات الخدمية التي تضطر لإصلاح المواقع ذاتها مراراً وتكراراً. كما تشوه هذه السرقات المشهد الحضري للمدينة، إذ تغرق الحدائق والمعالم السياحية في الظلام، مما يقلل من أعداد الزوار ويثير مخاوف السكان بشأن السلامة والأمن، لا سيما بعد حلول الظلام.
ويشير السكان أيضاً إلى أن انقطاعات الكهرباء المستمرة تؤثر على حركة الأعمال المحلية وتحد من قدرة العائلات على زيارة الحدائق، التي تُعد متنفسات ترفيهية حيوية خلال أشهر الصيف.
هل التدابير الحالية كافية؟
نفذت السلطات المعنية عدة تدابير، شملت إعادة تأهيل المواقع المتضررة، وإنشاء نقاط حراسة في المواقع المستهدفة، ومتابعة بلاغات السرقة. ومع ذلك، لم تنجح هذه التدابير حتى الآن في القضاء على الظاهرة، إذ تسلط الحوادث المستمرة الضوء على الحاجة إلى حلول أكثر شمولاً تتجاوز مجرد إصلاح الأضرار بعد وقوعها. ويشير مراقبون إلى أن غياب كاميرات المراقبة في العديد من المواقع، وعدم كفاية التغطية الأمنية ليلاً، وضعف الرقابة على تجارة الخردة، كلها عوامل تقوض فعالية التدابير الحالية.
وقد طرح خبراء ومسؤولون حلولاً عدة للمساعدة في الحد من هذه الظاهرة. وتشمل أبرز هذه التدابير: تركيب كاميرات مراقبة في المواقع الحساسة، وزيادة الدوريات الأمنية الليلية، وفرض عقوبات أكثر صرامة على سرقة الممتلكات العامة. وبالإضافة إلى ذلك، تُعد مراقبة أسواق الخردة أمراً جوهرياً لمنع بيع الكابلات المسروقة.
وتتضمن المقترحات الأخرى استخدام كابلات تحتوي على نسبة أقل من النحاس، ودفنها على أعماق أكبر، وتزويد شبكات الإنارة بأنظمة إنذار قادرة على كشف أي محاولات للقطع أو العبث بها، وهي حلول أثبتت نجاحها في خفض معدلات السرقة في مدن أخرى.
كذلك، يشدد الخبراء على أهمية إشراك المجتمع المحلي في حماية الممتلكات العامة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة وإطلاق حملات توعوية تبيّن أن سرقة البنية التحتية العامة لا تضر بالمؤسسات فحسب، بل تؤثر أيضاً على الحياة اليومية لجميع السكان.
إلى متى تستمر هذه الأزمة؟
من الصعب تحديد إطار زمني لانتهاء هذه الظاهرة، إذ يعتمد الأمر على مدى نجاح السلطات المعنية في معالجة الأسباب الجذرية بدلاً من الاكتفاء بإصلاح الأضرار. فالاستمرار في ضعف الرقابة ووجود سوق مستعدة لشراء النحاس المسروق يعنيان أن حوادث السرقة مرشحة للتكرار، حتى مع استمرار جهود احتوائها.
ومع ذلك، إذا اقترنت التدابير الأمنية بتشريعات أكثر صرامة، ورقابة فعالة على تجارة الخردة، واستخدام تقنيات حماية حديثة، فمن المرجح أن تتراجع هذه الحوادث تدريجياً. وسيؤدي ذلك إلى تقليل الأضرار والحفاظ على شبكة الإنارة العامة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من هوية مدينة حماة وحياة سكانها.









