أعمال واستثمار

حلّ اتحادي التأمين في سوريا .. ماذا بعد؟

بقلم: ديانا الصالح

أثار قرار وزارة المالية السورية بحل مجلس إدارة كل من اتحادي شركات التأمين، ووكلاء ووسطاء التأمين، موجة جدل واسعة حول توقيته والغاية الكامنة وراءه، حيث يُعتبر خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، تحت شعارات عمليات الإصلاح وإعادة الهيكلة الشاملة للقطاع التأميني السوري.

وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات تتمحور حول الأسباب المُعلنة حول حل اتحادي التأمين في سوريا، وماهية القطاع بشكل عام، وكيف يمكن الاستفادة من التجارب الخارجية لتحسين الواقع الداخلي؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

حلّ اتحادي التأمين في سوريا

أعلن وزير المالية محمد برنية حل كل من اتحاد شركات التأمين، ووكلاء ووسطاء التأمين، مبرراً ذلك بعدة أهداف مُعلنة تتجسد بتطوير القطاع التأميني وترسيخ دوره ومكانته الاقتصادية عبر وضع استراتيجية وطنية طموحة وفق تعبيره.

مشيراً إلى أن حل اتحادي التأمين في سوريا بمثابة الخطوة الأولى لسلسلة من الإجراءات الإصلاحية القادمة، التي تهدف حسب قوله إلى تطوير الحوكمة إضافة لمكافحة الفساد ضمن أروقة سوق التأمين، فضلاً عن العمل على تحديث وتطوير الأنظمة الداخلية وفقاً للمعايير الدولية، وصولاً إلى تأسيس قطاع جدير بالثقة وقادر على تقديم الخدمات المهنية بكل احترافية.

تاريخ قطاع التأمين السوري

بالعودة إلى تاريخ ومسيرة قطاع التأمين في سوريا، نلاحظ مروره بعدة تحولات جذرية، ففي عام 1952م أُنشئت (شركة الضمان) لتكون أول شركات التأمين في سوريا، وتميزت تلك الفترة بالانتعاش التأميني الملحوظ، الذي شمل شركات ووكالات عربية وأجنبية يتجاوز عددها 77 شركة.

ولكن زخم هذا النشاط شهد تغييراً جذرياً خلال عام 1961، مع صدور قانون التأميم رقم 117، الذي قضى بنقل ملكية كافة الشركات التأمينية العاملة آنذاك إلى الدولة، على أن تصبح “شركة الضمان” المعروفة حالياً باسم “المؤسسة العامة السورية للتأمين” الشركة التأمينية الوحيدة في سوريا والمخوّلة بإصدار العقود، ما تسبب بركود نسبي في ذلك الوقت.

واستمر الاحتكار الحكومي لسوق التأمين حتى عام 2004، الذي شكل نقطة تحول جذرية نحو التحرر، فتبدل دور الدولة من محتكر إلى مشرف ومنظم، وذلك من خلال المرسوم التشريعي رقم 68، الذي قضى بإنشاء “هيئة الإشراف على التأمين”، ولخص أهدافه بالسعي نحو إيجاد بيئة مناسبة للتقدم الصناعي مع تحقيق ضمان الأفراد، بالتالي فتح المجال أمام الاستثمار الخاص من جديد.

أما الانطلاقة الكبرى للشركات الخاصة في سوريا، فكانت عبر تأسيس 7 شركات في سنة 2006، لتتبعها 3 شركات أخرى في سنة 2007، وشركتان خلال عام 2008، ما يعكس التحول الجذري بخريطة السوق التي بدأت برسمها 13 شركة خاصة من أصل 14شركة، وذلك مقابل مؤسسة حكومية وحيدة في الوقت الحالي.

طبيعة التحولات الاقتصادية وتزايد عدد الشركات الخاصة فرضت ضرورة تأسيس “اتحاد شركات التأمين” خلال عام 2007، بموجب قرار صادر في نهاية عام 2006، ورغم أن أهدافه المعلنة تضمنت دوره كمظلة لحماية مصالح أعضائه وسعياً نحو تحقيق المنافسة المنظمة، مع شعارات تنادي بتخطي إرث الماضي وركب موجة التطورات العالمية، إلا أنه يقبع الآن في قفص الاتهام والتشكيك بنزاهته ومدى فعالية جهوده.

دور اتحاد شركات التأمين

يتركز دور اتحاد شركات التأمين وصلاحياته حول ثلاثة عناصر رئيسية وفقاً لما أفاد به الهيبة، وهي: تنظيم المهنة وحماية مصالح الأعضاء، ودعم السوق والعمل على تطويره إضافة إلى تحقيق المنافسة المنظمة، بينما يضم الشركات التأمينية والمؤسسة العامة للتأمين وإعادة التأمين.

تنظيم المهنة وحماية مصالح الأعضاء

يقوم الاتحاد بتمثيل أعضائه بشكل رسمي مع تنظيم مبادئ وقواعد الممارسة، إضافة إلى حيازته على صلاحيات استراتيجية واسعة تتعلق بالتسعير والحد من الخسائر بالتعاون مع الجهات المعنية، إضافة إلى حقه بإجراء دراسات خاصة بالحد من الخسائر، كما يعزز هذا الدور التنظيمي تأسيس مركز معلومات من شأنه الاستعلام وتحقيق خدمة الأعضاء وسوق التأمين، مما يؤدي إلى تعزيز الأسس الفنية السليمة.

دعم السوق وتطويره

تتجلى صلاحيات اتحاد شركات التأمين في سوريا في دعم السوق وتطويره، كما يلي:

  • دراسة وتحليل السوق لتنظيم الأعمال وفق المتطلبات.
  • التنسيق والتعاون المحلي والعربي والدولي لكسب عامل الثقة بقطاع التأمين.
  • إجراء البحوث العلمية والإحصائيات بما يخدم القطاع وذلك من خلال عقد الندوات والمؤتمرات إضافة للدورات التدريبية.
  • جمع المعلومات الخاصة بالأسواق المحلية والعالمية وتحليلها.

المنافسة المنظمة

يسعى اتحاد شركات التأمين إلى تحقيق التنافسية المنظمة بين الأعضاء من خلال الارتقاء بمعايير السلوك المهني لضمان التنافس العادل والمشروع، إضافة للالتزام بمبادئ وأخلاقيات المهنة، بما في ذلك تنظيم الحملات الإعلانية المشتركة.

استناداً لما سبق يمكن وصف عمل اتحاد شركات التأمين بالمهمة المزدوجة فهو يهدف إلى توحيد مصالح الأعضاء الفنية والتجارية مع السعي نحو تنظيمها لتحقيق النمو والاستقرار التأميني بشكل عام، بما يتوافق مع أحكام المرسوم التشريعي رقم 43.

العقبات والتحديات

أما بالنسبة للتحديات التي واجهها قطاع التأمين السوري، فهي كثيرة وفق ما أشار إليه الأمين العام للاتحاد السوري لشركات التأمين، نزار الهيبة، وقد تمحورت حول عدة عوامل جعلت غاية الشركات الرئيسية الحفاظ على البقاء فقط، دون التطلع نحو أهداف تقدمية أخرى، نذكر منها ما يلي:

  • انعدام الأمن والاستقرار
  • انخفاض مستوى الدخل
  • ارتفاع معدل التضخم
  • شلل شبه كامل القطاعات الإنتاجية
  • استنزاف القدرات الفنية عبر هجرة الخبرات والكفاءات الوطنية
  • انتشار الفساد داخل أروقة القطاعات المالية كالمصارف والتأمين
  • العقوبات والقيود الخارجية

تجربة “الملاءة المالية الثانية”

وللوقوف عند ضرورة تطوير الأنظمة الداخلية وفقاً للمعايير الدولية المُعلنة وراء حل اتحادي التأمين في سوريا، لا بد من الاستناد إلى تجربة الاتحاد الأوروبي وتطبيقه لنموذج “الملاءة المالية الثانية” منذ بداية عام 2016، الذي يعتبر أحد أهم الأطر التنظيمية الحديثة لقطاع التأمين وإعادة التأمين، وقد وُجِد كحلّ مثالي بعد أزمة مالية خانقة بلغت ذروتها عام 2008، فيما تتركز أهدافه على ضمان الحماية الكافية للأعضاء، من خلال اعتماد إطار منهجي قائم على المخاطر والتحديات.

يرتكز هذا الإطار على ثلاثة أركان تجمع المتطلبات الكمية والنوعية إضافة إلى الإفصاح، ففي الوقت الذي يحدد فيه الركن الكمي حجم رأس المال المطلوب وتقييم الأصول والخصوم وفقاً للقيمة السوقية، يأتي الركن النوعي الذي يسعى نحو إدارة المخاطر والتحديات والعمل على تقييمها والملاءة المالية الذاتية، إضافة إلى تركيزه على الحوكمة، وصولاً للإفصاح العام وتحديد متطلبات التقارير التنظيمية والإشرافية، كما يُعتبر هذا النهج معياراً عالمياً للحوكمة والشفافية، انطلاقاً من تحقيقه التوازن السوقي واعتماد المخاطر.

أما بالنسبة لإمكانية تطبيقه في سوريا يعتمد ذلك على الوضع العام، وهنا تكمن المشكلة، ففي الوقت الذي يحاكي فيه وزير المالية الركن الثاني من “الملاءة المالية الثانية” الخاص بتقييم المخاطر وإدارتها، فإن التطبيق المثالي للإطار يواجه عدة تحديات تجعله بعيد المنال إلى حدٍّ بعيد، وذلك استناداً لما يلي:

  • صعوبة تحديد القيمة السوقية للأصول بشكل حقيقي نتيجة لتذبذب الأسواق المالية والقيود المفروضة على سعر الصرف إضافة إلى عدم استقرار الوضع الاقتصادي.
  • انخفاض الدخل وارتفاع التضخم مع شلل حركة القطاعات الإنتاجية تحول بين الشركات السورية وتطبيق متطلبات الملاءة المالية التي تفرض رأسمالية أعلى للمخاطر والتحديات الأعلى.
  • البيئة السورية تفتقر للاستقرار والشفافية الاقتصادية وفقاً لرأي العديد من الخبراء، وهو ما يجعل تحقيق هذا المستوى من الشفافية المطلوبة ضمن الملاءة المالية الثانية أمراً معقداً ويحتاج إلى تشكيل مؤسسات وهيئات إشرافية قوية تتمتع بالاستقلال الكافي إضافة إلى الإرادة السياسية المتينة.

كخلاصة: يمكن أن يكون قرار حل اتحادي التأمين في سوريا بمكانه الصحيح للانطلاق نحو تبني الحوكمة والشفافية والقضاء على الفساد، وفقاً لمبادئ “الملاءة المالية الثانية”، إلا أن التطبيق التقني والكمي يبقى شبه مستحيل في ظل الوضع الاقتصادي المتردي، فهل تنجح دمشق بتحقيق المستحيل؟

اقرأ أيضاً: هل هناك خلاف أمريكي – «إسرائيلي» حول سوريا الجديدة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى