«حلب بعد التمشيط»: من يملك الشيخ مقصود فعلياً… وما الذي تغيّر على الأرض؟

الكاتب: أحمد علي
تتكشف الحقيقة في المدن المتعبة على شكل تفاصيل يومية: طريق يُفتح ثم يُغلق، مشفى يتحول إلى نقطة اشتباك، وحيّ كامل يصبح سؤالاً سياسياً قبل أن يكون مساحة سكن. في حلب، عاد هذا السؤال بقوة مع جولة حرب/قتال شهدتها الأيام الأخيرة من كانون الثاني الجاري 2026، ثم مع إعلان القوات الحكومية أنها أنهت “التمشيط” في “أحياء كردية” بينها الشيخ مقصود والأشرفية، وسط روايات متعارضة عمّن خرج ومن بقي ولماذا؟!
من يملك الشيخ مقصود
الشيخ مقصود لم يكن يوماً “مجرد حي”. تاريخياً يُعد أحد أبرز التجمعات الكردية في حلب، ومع سنوات الحرب صار مرتبطاً بقوات وإدارات أمنية محلية على صلة بالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. بعد سقوط سلطة بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، ومحاولة السلطة الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع إعادة توحيد البلاد، صار الحي اختباراً عملياً لمعنى “الدولة الواحدة” على الأرض، لا في الخطب.
الجواب المختصر عن “من يملك الشيخ مقصود” اليوم ليس اسماً واحداً، بل في الحقيقة صراع على ثلاثة مستويات: السيطرة الأمنية، الإدارة المدنية، وشرعية السلاح. دمشق تقول إن قواتها أعادت فرض السيطرة إلى حد كبير، وإنها تتعامل مع جيوب مسلحة بعد عمليات “تمشيط” وملاحقة، بينما تؤكد رواية قسد أن ما جرى تضمن استهدافاً واسعاً، وأن من أُخرجوا في بعض الحالات كانوا مدنيين، لا مقاتلين، وأن القتال دار في بيئات حساسة مثل مشفى.
اتفاقات دمج لا تكتمل
لفهم ما تغيّر، يجب العودة خطوة إلى الوراء: في آذار 2025 وُقِّع اتفاق إطار لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية. الاتفاق كان كبيراً في العنوان ومفتوحاً في التفاصيل، لذلك عاش على “نية التنفيذ” أكثر مما عاش على آليات صارمة.
ثم جاء اختبار حلب تحديداً: وُقع اتفاق لاحق حول الشيخ مقصود والأشرفية يتضمن انسحاباً لعناصر عسكرية إلى شرق الفرات، مع إبقاء ترتيبات أمنية محلية وتنسيق مع وزارة الداخلية. الفكرة كانت بسيطة: تخفيف “المشهد العسكري” داخل مدينة كبيرة، وإبقاء الأمن في يد مؤسسات تُحسب على الدولة مع مراعاة خصوصية اجتماعية. لكن كانون الثاني 2026 تبيّن أن الخلاف حول “شكل الدمج” لم يُحسم: هل تدخل قوات سوريا الديمقراطية ككتلة واحدة؟ أم تُفكك إلى أفراد؟ وهل يُسمح بسلاح محلي ثابت أم يُمنع كلياً؟
روايات متقابلة ومصالح
سياسياً، لدى سلطة دمشق مصلحة واضحة في إنهاء الجيوب المسلحة داخل المدن وإظهار أن الدولة الجديدة قادرة على فرض الأمن. في المقابل، لدى قيادة قوات سوريا الديمقراطية، وعلى رأسها مظلوم عبدي، مصلحة معاكسة في ضمان ألا يتحول “الدمج” إلى تصفية نفوذ من دون ضمانات حقيقية، خصوصاً مع حساسية علاقتها بتركيا وقلقها من تغير المزاج الأميركي.
وتضيف تركيا من جانبها ضغطاً خارجياً ثابتاً، إذ إن أنقرة تصف القوات الكردية بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني، وتطالب بإتمام دمجها في الدولة السورية، محذرة من أي كيان مسلح مستقل قرب حدودها. وفي الواقع، إن تصريحات رجب طيب أردوغان ومسؤولي البرلمان التركي عن رفض “بنية إرهابية” في سوريا تعطي دمشق ورقة ضغط إضافية على القوى الكردية، وبشكل أخص قسد، لكنها في الوقت نفسه تدفع الأخيرة للتشدد خوفاً من أن يصبح “الدمج” غطاءً لإضعافها.
وكما يبدو، فإن الولايات المتحدة تقف في المنتصف بـ”قلق واضح” وربما مزعوم. المعطيات تتحدث عن وساطة أميركية ودعوات لوقف القتال، مع حضور اسم المبعوث توم باراك في دعوات العودة إلى الحوار وحماية اتفاقي آذار ونيسان 2025. فواشنطن -وفق المعلن- تريد شريكين قويين ضد تنظيم الدولة، لكنها تريد أيضاً دولة سورية موحدة قابلة للحياة، وهذا التوازن ينهار فوراً عندما تتحول الأحياء إلى خطوط نار.
ما الذي تغيّر على الأرض
الأثر الأوضح إنسانياً هو النزوح والتهجير والضحايا. والحديث عن أكثر من 140 ألف نازح خلال أيام يعيد تذكير السوريين بأن “ما بعد الحرب” قد يكون هشاً مثل الحرب نفسها إذا لم تُحسم ملفات السلاح والإدارة والمعابر والنفط وغيرها. اقتصادياً، تعطّل مطار حلب وطرق التجارة يضرب مدينة تحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي شيء.
كذلك، فإن دمشق، وعبر وزارة الطاقة اتهمت قسد بقطع المياه عن حلب كلّها، بينما نفت قسد الأمر بشكل حاسم ووضعت حجتها، وهذا أمر سنعالجه بشكل مفرد فيما بعد.
أما التغيير السياسي الأعمق، فهو أن الشيخ مقصود لم يعد ملفاً محلياً. صار عقدة تربط دمج قوات سوريا الديمقراطية، وعلاقة دمشق بتركيا، وحضور واشنطن، واختبار قدرة الدولة الجديدة على إدارة التنوع. لهذا، قد يربح طرف جولة “تمشيط”، لكن لا أحد يربح مدينة إذا بقي سؤال الشرعية معلّقاً فوق شوارعها.
الوضع الميداني ما قبل اتفاق الفجر
حتى صباح 11 كانون الثاني 2026، كان يوحي المشهد الميداني في الشيخ مقصود والأشرفية بأنه انتقل من مرحلة الاشتباك المفتوح إلى مرحلة “الضبط الأمني” مع بقاء هامش توتر. التحديثات الميدانية المنشورة على منصّة Syria Liveuamap أشارت إلى بدء قوات الأمن الداخلي فرض إجراءات أمنية في محيط الحيين، مع حديث متكرر عن التعامل مع مخاطر ميدانية مثل المتفجرات أو التحصينات التي خلّفتها أيام القتال، وهي مرحلة عادةً تسبق إعادة فتح الطرق وعودة حركة المدنيين بشكل أوسع.
وفي الوقت نفسه، نقلت تغطية الجزيرة تأكيدات رسمية محلية بأن حلب باتت خالية من مقاتلي قسد، وأن آخر المقاتلين خرجوا من الشيخ مقصود على متن حافلات باتجاه شمال شرق سوريا، وهو ما بدا أنه يدفع باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار ميدانياً إذا استمر دون خروقات. لكن صورة “الانتهاء الكامل” لم تكن محل إجماع مطلق، إذ تحدثت روايات أخرى خلال الساعات السابقة عن جيوب لم تغادر أو عناصر بقيت متحصنة داخل نقاط حساسة، ما فسّر استمرار لغة التحذير والتشديد الأمني، وجعل الوضع أقرب إلى تهدئة قابلة للانكسار إذا عادت الخلافات حول شروط الانسحاب، السلاح، أو ترتيبات الإدارة المحلية في الحيين.
عبدي يحسم عند الثالثة والثلث فجراً!
عند الثالثة والثلث فجراً، اختار مظلوم عبدي أن يضع نقطة سياسية على سطرٍ ميداني ملتهب، عبر إعلانٍ مقتضب يؤكد التوصل إلى تفاهم بوساطة أطراف دولية لوقف الهجمات والانتهاكات بحق “أهلنا في حلب”. وفي هذا الإعلان تتكثف ملامح التسوية المؤقتة عملياً: وقف إطلاق النار، وتأمين إخراج القتلى والجرحى والمدنيين العالقين، مع نقل المقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال وشرق سوريا.
وقبل إعلان عبدي بوقت قليل، أي عند حوالي الساعة الثالثة من فجر يوم الأحد 11 كانون الثاني 2026، نقلت عدسة الوكالة السورية الرسمية للأنباء «سانا» خروج ما وصفته بكونه «آخر دفعة من عناصر تنظيم قسد من حي الشيخ مقصود في حلب نحو شمال شرق سوريا».
ختاماً، وبينما يُقرأ ذلك كإقرار بأن لحظة الاشتباك بلغت سقفها وأن نافذة التهدئة فُتحت أخيراً، فإنه يترك الباب مفتوحاً أمام اختبار أصعب: هل تُترجم وعود الوسطاء إلى ضبط فعلي على الأرض ومنع خروقات لاحقة، أم يتحول “التفاهم” إلى محطة عابرة لا تمنع جولة جديدة؟ العبارة الأشد دلالة في نص عبدي ليست ما قيل عن الخروج، بل ما قيل عن العودة، حين دعا الوسطاء إلى الالتزام بوعودهم ووقف الانتهاكات والعمل على “عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم”، وكأن الرسالة الضمنية أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد وقف النار: معركة ضمانات الناس وحقهم في البقاء، لا مجرد ترتيب مسارات الانسحاب.
اقرأ أيضاً: حلب.. مدينة تحاصرها الروايات والمدنيون وحدهم يدفعون الثمن!









