ثقافة وتراث

حلاوة الجبن.. “حرب” الحلويات بين حمص وحماة لم تُحسم بعد

بقلم: هلا يوسف

سقط النظام السابق، وسقطت معه العديد من المعارك، إلا أن “الحرب” ما زالت قائمة بين الحماصنة والحموية على طبق حلاوة الجبن. ويستغل الطرفان كل مناسبة لنسب الملكية الفكرية له حول طبق الحلوى هذا. لكننا قمنا بأبحاثنا لمعرفة جذور حلاوة الجبن، ومن أين أتت، للمساهمة في حل الخلاف وقيام الصلح بين المدينتين.

حمصية أم حموية؟

على أصوات النواعير في حماة حيث هدير مياه العاصي، يرفع الحموية شعارهم الشهير: “حلاوة الجبن حموية الأصل والمنشأ، لا جدال في ذلك”.

فعند ساحة العاصي تحديداً، حيث يتجمع الزوار لتذوّق الحلويات المحلية، يقف ماهر حلوم سلورة، مدير محل الحلويات الشهير الذي يحمل اسم عائلته، متفاخراً بأن الجد الأكبر له، الحاج حمدو سلورة، هو أول من صنع حلاوة الجبن عام 1910.

يقول ماهر بابتسامة واثقة: “جدي اخترعها من خيرات الريف الحموي الغني بالحليب والجبن والقشطة، ومنذ ذلك الوقت ونحن نطوّرها جيلاً بعد جيل”.

كما يشرح ماهر طريقة صناعة الحلوى بطريقة المحترفين، ويشير أنها تستغرق قرابة ساعة من الزمن، تبدأ بخلط السميد والسكر والجبنة الطرية والسمن العربي، ثم تُمدّ العجينة على طاولة رخامية، وتحشى بالقشطة الطازجة، وتُلفّ بعناية لتبدو كالحرير الأبيض، قبل أن تُزيَّن بالفستق أو تُقدَّم مع البوظة لمن يريد “نسخة فاخرة”. ويؤكد أن سرّ المذاق الحقيقي يكمن في الجبنة: “الكمية المناسبة تعني الطراوة والمطّ، وكلما كانت الجبنة طازجة… كان الطعم لا يُقاوم”.

من جانبه، يروي فضل عبد الغني، أحد أبناء حماة المهتمين بالتراث الشعبي، أن هذه الحلوى ليست مجرد طبق حلو، بل جزء من هوية المدينة، مشيراً إلى أن جذورها تمتد لأكثر من 155 عاماً، حين ابتكرها أحمد حلوم سلورة عام 1868.

ويضيف فضل: “الفكرة كانت بسيطة: تحويل مكونات يومية متوفرة في البيوت مثل الجبن الطازج والسميد والسكر إلى طبق فاخر ينافس الحلويات الشامية، وهكذا وُلدت حلاوة الجبن التي أصبحت رمزاً للكرم الحموي”.

ويتابع بفخر أن حلاوة الجبن أصبحت عنصراً ثابتاً في المناسبات والأعياد، حتى غدت رمزاً ثقافياً لحماة، تقدم في الضيافات وتُهدى للمدن الأخرى كرسالة “كرم” بطابع حموي أصيل.

حمص تدافع عن ملكيتها الفكرية

لكن في حمص، حيث تدور الحياة حول دوار الساعة القديمة، يرفض الحلوانيون التنازل عن اللقب بسهولة، حيث يقول صاحب محل “سلورة” الحمصي، الذي يحمل الاسم ذاته الموجود في حماة، بابتسامة دبلوماسية: “نحن نعترف أن الحموية صنعوها أولاً، لكن الحماصنة هم من أبدعوا في تقديمها وطوروها حتى صارت على شكلها الحالي”.

إلا أن محل حلويات الأفندي (سلطان الحلو) وسط المدينة، ممثلاً بمديره عبد الناصر العجيل، اختار الحياد ونسب حلاوة الجبن لمدينة طرابلس، وبذلك أدخل مدينة ثالثة على خط الصراع الأزلي بين حمص وحماة، وقال: يا جماعة، أصل الحكاية طرابلسي! أهل طرابلس في لبنان هم أول من صنع حلاوة الجبن، ثم نقلها الحموية إلى سوريا، وبعدها أبدع فيها الحماصنة”.

وهكذا دخلت طرابلس اللبنانية كطرف ثالث في “المعركة الحلوة”، لتتحول المنافسة إلى صراع ثلاثي عربي حول من صنع الطبق أولاً.

وبين كل تلك الادعاءات، لا توجد وثائق رسمية أو براءة اختراع مسجلة باسم مدينة محددة، مما يجعل الجدل مفتوحاً وممتداً، طالما هناك من يمدّ العجينة ويفرش القشطة ويزيّن بالفستق ويرش القطر.

أشهر الحلويات في حمص

في قلب حمص القديمة، حيث تمتزج رائحة الهيل مع عبق الحلاوة الطحينية، يؤكد عبد الناصر العجيل مدير أحد أشهر محلات الحلويات في المدينة، أن الحلاوة الطحينية الحمصية هي “ملكة الحلويات بلا منازع”.

يقول العجيل بفخر: “حلاوتنا الطحينية وصلت إلى الخليج والأردن ولبنان بفضل المغتربين الحماصنة الذين حملوا مذاقها معهم إلى كل مكان”.

وأشار إلى أن كانت محلات حمص تعجّ بالزوّار من كل المحافظات السورية من اللاذقية وحلب والرقة ودير الزور وإدلب قبل عام 2011 يأتون خصيصاً لتذوّق “الحلاوة الحمصية” التي تتميز بقوامها الناعم ونكهتها الغنية.

لكنّ الحلاوة الطحينية ليست وحدها في قائمة الحلويات الحمصية. فهناك أيضاً المعجوقة، والكنافة، والسمسمية، والفستقية، وكلها أطباق تقليدية توارثتها الأجيال، تشهد على غنى المطبخ الحمصي وتنوّعه، وقدرته على الجمع بين البساطة والطعم الفاخر في آنٍ واحد.

أشهر الحلويات الحموية

أما في حماة، مدينة النواعير ومياه العاصي، يتحدث فضل عبد الغني عنها كمدينة تعيش على إيقاع الحلويات التراثية، التي تعبّر عن روحها الريفية الغنية بالمكونات الطبيعية.

ومن أبرز ما تشتهر به المدينة:

السيالات (اللزاقيات)

وهي من أبسط الحلويات الشعبية وأكثرها دفئاً، تصنع من الطحين والماء والسكر، وتُطهى على النار لتصبح رقائق رقيقة تُحلّى بالعسل أو السكر. وغالباً ما تُحضر في فصل الشتاء لتمنح الدفء والطاقة.

 الشَّلَق

طبق آخر لا تجده إلا في حماة، يشبه في روحه البقلاوة لكنه أبسط وأشهى بطريقة خاصة، حيث تُحضر رقائق عجين رقيقة جداً وتُطهى على النار، ثم تُغمر بالسمن العربي والسكر وتُزيَّن بجوز الهند والجوز المطحون.

حلاوة المحيا

واحدة من أقدم الحلويات الحموية، تعتمد على السميد والقطر (الشيرة)، ويوضع ماء الزهر أو ماء الورد لزيادة النكهة. تُشكل على شكل شرائح صغيرة أو قطع ناعمة، وتُزين بالفستق الحلبي. وتشتهر خصوصاً في المناسبات الدينية.

“البشمينا”…حلوى ليلة النصف من شعبان

في ليلة منتصف شعبان، تتلألأ أسواق حماة بتلال من حلوى “البشمينا” وهي كرات أو أصابع من عجينة السميد المحلاة بالسمن والسكر، مغطاة بالفستق الحلبي أو جوز الهند.

يقول عبد الغني بفخر: “هذا تقليد حموي قديم، تتنافس فيه المحلات على عرض أجمل التلال من البشمينا احتفالاً بالمناسبة”.

حلاوة الجبن… جوهرة المطبخ الحموي

ولا تكتمل الحكاية دون ذكر حلاوة الجبن التي تعتبر في أعلى قائمة مطبخ حماة. ففي الأعراس والمناسبات، تتفنن السيدات والطهاة في إعدادها يدوياً وتزيينها بالفستق الحلبي وماء الزهر، لتشكل طبق حلوى لا يقاوم من الجمال والمذاق.

مكوّنات حلاوة الجبن وأصنافها

مع إبداع اللوحة البيضاء التي تسمى حلاوة الحبن، لا بد من معرفة مكوناتها، وطريقة صنعها، حيث تبدأ الحكاية بمكونات بسيطة: جبن طازج، سميد ناعم، سكر، وماء زهر أو ماء ورد. تُطهى المكونات على نار هادئة حتى تتمازج وتتحول إلى عجينة مرنة وطرية، تُمدّ على طاولة رخامية وتُقطع على شكل شرائح رفيعة تشبه شرائط الحرير. والنتيجة قوام طري يذوب في الفم، ومذاق يجمع بين الحلاوة والنكهة المميزة للجبن السوري.

في حين تتعدد أشكال حلاوة الجبن بحسب طريقة التقديم والحشوة، ولكل صنف جمهوره المخلص:

1. حلاوة الجبن السادة

وهي النسخة الأبسط والأقدم، تُقدَّم من دون أي حشوة داخلية، فقط تُقطّع إلى شرائح صغيرة، ويُسكب فوقها القطر (الشيرة) بحسب الرغبة. تُعتبر خيار من يحبون المذاق النقيّ للجبن والسميد دون إضافات.

2. حلاوة الجبن المحشية

الأشهر والأكثر طلباً، وهي عبارة عن لفائف من العجينة الطرية تُحشى بالقشطة العربية، ثم تُقطَّع إلى قطع صغيرة وتُزيَّن بالفستق الحلبي، مع رشة سخية من القطر العطري.

3. المعجوقة

وهي نسخة فاخرة تشبه الكنافة في طريقة التقديم، إذ تُمدّ رقائق الحلاوة في صوانٍ كبيرة، وتُفرش فوقها طبقة غنية من القشطة العربية، ثم تُرش بالفستق الحلبي المطحون لتكتمل الصورة.

وفي جميع أصناف حلاوة الجبن، وأشكالها المتنوعة، لا يمكنك أن تنسى رائحة ماء الزهر التي تفوح منها، لتعبق في محلات الحلويات.

طريقها نحو العالمية

لم تعد حلاوة الجبن مجرد حلوى تُقدَّم في الأعراس السورية أو على موائد الأعياد، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة طبقاً عالمياً يعرّف الغرب على مذاق المطبخ السوري وروحه.

فمنذ أكثر من عشر سنوات، حملها السوريون معهم في حقائبهم وقلوبهم إلى مختلف بلدان العالم. ومع موجات الهجرة، بدأت تظهر في ألمانيا والسويد وفرنسا وهولندا محال متخصصة في الحلويات الشرقية، كان السوريون هم أبطالها.

أما في السويد، فقد بلغت شهرة حلاوة الجبن إلى رئيس الوزراء السويدي السابق، ستيفان لوفين، حيث ظهر في أحد المقاطع المصوّرة وهو يتناول قطعة من حلاوة الجبن، مبدياً إعجابه بها.

وفي فرنسا وهولندا أيضاً، بدأت حلاوة الجبن تحجز لنفسها مكاناً على رفوف الحلويات الشرقية الفاخرة، بعد أن كانت شهرتها مقتصرة على مدن سورية مثل حماة وحمص وحلب.

وهكذا تحولت حلاوة الجبن من صراع مدينتين محليتين، إلى حلوى عالمية تتصدر محلات الحلويات الشرقية السورية في أوروبا والدول العربية.

اقرأ أيضاً: الطعام الشعبي والتراث السوري

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى