حقول النفط والغاز غير المكتشفة بين الوهم والواقع

بقلم هلا يوسف
يرى روس بيروت جونيور، رئيس غرفة التجارة الأمريكية، أن قطاع الطاقة في سوريا يمكن أن يشكل نقطة بداية لإعادة بناء الاقتصاد، ويؤكد أن إعادة تشغيل حقول النفط تمثل أولوية مهمة في المرحلة القادمة. ويشير إلى أن هذه الحقول تعرضت خلال السنوات الماضية إلى تراجع واضح في الإنتاج بسبب ضعف التمويل وغياب الصيانة والتحديث، وهو ما أدى إلى انخفاض كفاءتها بشكل كبير. ومن وجهة نظره فإن إدخال التكنولوجيا الحديثة قد يغير هذا الواقع، إذ يمكن إعادة تأهيل الحقول القديمة وتحسين إنتاجيتها، بل وربما الوصول إلى موارد جديدة لم يتم استخراجها من قبل، مع تقديرات تشير إلى وجود كميات كبيرة غير مكتشفة قد تصل إلى مليارات البراميل.
كما يعتقد أن دخول شركات أمريكية كبرى إلى السوق السورية قد يحمل معه خبرات تقنية متقدمة ومعايير حديثة في التشغيل والسلامة والبيئة، وهذا قد يساهم في رفع كفاءة الإنتاج وفتح فرص عمل جديدة، وهو ما قد ينعكس على الاقتصاد بشكل عام. لكن هذا الطرح يثير في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً حول مدى واقعية هذه التوقعات، وما إذا كانت سوريا بالفعل تمتلك احتياطات غير مكتشفة يمكن أن تغير مسار اقتصادها في المستقبل.
ماذا تقول الأرقام عن النفط والغاز في سوريا
عند النظر إلى البيانات المتاحة نجد أن سوريا تُصنف في المرتبة الثانية والأربعين عالمياً من حيث احتياطات الطاقة. وتشير تقديرات الهيئة الجيولوجية الأمريكية إلى أن احتياطات الغاز الطبيعي تبلغ نحو 700 مليار متر مكعب، مع تقديرات إضافية تقارب 250 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل نسبة صغيرة جداً مقارنة بالاحتياطي العالمي لا تتجاوز نحو 1.2 بالألف.
وفي المقابل، تشير بيانات مؤسسة النفط السورية إلى أن البلاد تعتمد بشكل كبير على الغاز في حياتها اليومية، سواء في إنتاج الكهرباء أو في الاستخدامات المنزلية والصناعية. إذ يبلغ الطلب اليومي حوالي مليوني متر مكعب، بينما يصل الإنتاج إلى نحو 12.5 مليون متر مكعب يومياً، ويتم توجيه أغلبه إلى قطاع الكهرباء بنسبة تقارب 79 في المئة، ثم الصناعة بنسبة صغيرة، والباقي لوزارة النفط.
ومع ذلك، تظهر تقديرات أخرى أكثر اتساعاً من حيث الاحتمالات، حيث تشير منصة “الطاقة” في واشنطن إلى وجود ما يقارب 40 تريليون قدم مكعبة من الغاز غير المكتشف، وهو رقم كبير إذا ما قورن بالاحتياطات المؤكدة، لكنه يبقى في إطار التقديرات الجيولوجية التي لم تُثبت بالحفر الفعلي بعد.
كيف يُنظر إلى باطن الأرض في سوريا
من الجانب العلمي، يرى الدكتور مصطفى المصري، عميد كلية الهندسة البترولية في الجامعة العربية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا، أن الدراسات الجيولوجية التي أُجريت في البر السوري تشير إلى احتمالية وجود كميات كبيرة من الغاز قد تتجاوز 15 تريليون متر مكعب، خاصة في مناطق مثل وسط البلاد وشمال دمشق. لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن هذه الأرقام ليست مؤكدة بشكل نهائي، بل تعتمد على دراسات أولية تحتاج إلى مزيد من التحقق.
أما في البحر، فإن الصورة ما تزال أكثر غموضاً، لأن عمليات الحفر الاستكشافي لم تبدأ فعلياً في المياه السورية، رغم وجود مؤشرات غير مباشرة مثل التراكيب الجيولوجية والتسربات التي قد تدل على وجود مكامن غازية تحت قاع البحر المتوسط. لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود احتياطات قابلة للإنتاج.
ويشرح المصري أن الوصول إلى نتائج دقيقة يمر بمراحل علمية متدرجة تبدأ بالدراسات السطحية وتحليل البيانات الزلزالية، ثم الانتقال إلى حفر آبار استكشافية، وبعدها تحديد حجم المكمن واتجاهه وامتداده، وصولاً إلى مرحلة التقييم الاقتصادي التي تحدد ما إذا كان الإنتاج مجدياً أم لا. وهذا يعني أن أي حديث عن ثروة مؤكدة يبقى سابقاً لأوانه ما لم تكتمل هذه المراحل.
تقديرات إقليمية وتجارب دولية
على مستوى أوسع، تشير بعض الدراسات الدولية إلى أن منطقة شرق البحر المتوسط، وخاصة ما يعرف بحوض المشرق، تحتوي على إمكانيات كبيرة من النفط والغاز. ففي دراسة نُشرت عام 2005، تم تقدير احتمال وجود نحو 17 مليار برميل من النفط غير المكتشف، بالإضافة إلى ما يقارب 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في هذا الحوض الممتد من سواحل سوريا حتى غزة.
وتشير هذه الدراسات إلى أن سوريا قد تمتلك حصة تقارب 10 في المئة من هذا الحوض، لكن هذه النسبة تبقى تقديرية وليست مؤكدة. كما أن روسيا حاولت بعد عام 2013 الدخول في عمليات تنقيب بحرية في أحد البلوكات السورية، لكنها واجهت صعوبات تقنية حالت دون تحقيق نتائج كبيرة، ما دفعها إلى التركيز على الحفر البري.
ومن جهة أخرى، يوضح المتخصص في منظمة أوبك وائل حامد عبد المعطي أن الاحتياطات القابلة للاستخراج من الغاز في سوريا تُقدّر بنحو 430 مليار متر مكعب، مع احتمال وجود كميات أكبر في المناطق البحرية، خاصة أن سوريا تقع ضمن حوض “ليفانت” الذي يعد من أهم مناطق الغاز في العالم.
ماذا يمكن أن يعني النفط للاقتصاد السوري
يرى الدكتور مصطفى المصري أن اكتشاف احتياطات كبيرة من الغاز أو النفط يمكن أن يغير جزءاً مهماً من الاقتصاد السوري إذا تم استثماره بطريقة صحيحة. فهذه الموارد يمكن أن توفر دخلاً كبيراً من صادرات الطاقة، وتساعد في تحسين قطاع الكهرباء وتقليل الانقطاعات التي تعاني منها البلاد منذ سنوات طويلة، كما يمكن أن تقلل من الاعتماد على الوقود المستورد عبر التحول إلى الغاز الطبيعي الأقل تكلفة والأقل تلوثاً.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساهم هذه العائدات في تمويل مشاريع البنية التحتية مثل الطرق والإسكان والمدارس، كما يمكن أن تدعم تحديث شبكات الكهرباء والموانئ والمصافي. ومن المتوقع أيضاً أن يؤدي تطوير هذا القطاع إلى خلق فرص عمل للمهندسين والفنيين، مع تعزيز موقع سوريا الجيوسياسي في منطقة شرق المتوسط، خاصة إذا تم فتح المجال أمام شركات دولية للاستثمار.
لكن في المقابل، يشير المصري إلى أن بعض الأخبار المتداولة عن اكتشافات سريعة، مثل ظهور الغاز أثناء حفر آبار مياه، غير دقيقة من الناحية العلمية، لأن آبار المياه تكون ضحلة نسبياً ولا تصل إلى الأعماق التي توجد فيها المكامن الغازية، والتي قد تبدأ من أكثر من 2000 متر تحت سطح الأرض.
في النهاية، يبقى الحديث عن حقول النفط والغاز غير المكتشفة في سوريا معلقة بين التأكيدات والاحتمالات، وعلى الرغم من الأرقام المتداولة والأحلام المبنية عليها تبقى كلمة الفصل لما تحمله سوريا في باطنها من ثروات. وفي حال وجود هذه الثروات فإنها تحتاج لسنوات حتى تظهر عوائده على المواطنين.
اقرأ أيضاً: مستثمرو سوريا يثيرون الاحتجاجات في ألبانيا: تجميد أموال شركة مرتبطة بآل الخياط!









