حظر “الفيب” في دمشق: كيف تمنع السوق السوداء من الانتعاش؟

بقلم: ديانا الصالح
أثار قرار حظر التعامل مع السجائر الإلكترونية في دمشق وتشديد الرقابة على أسواقها، موجة جدل واسعة، انقسم معها الشارع السوري إلى تيارين الأول يراه ضرورة لا بد منها للتصدي لانتشارها المقلق بين فئتي الشباب والمراهقين وحماية الصحة العامة، بينما يخشى الآخر أن يفتح باباً جديداً لتنشيط التهريب وتعزيز السوق السوداء، في ظل الفوضى الرقابية التي يعاني منها السوق وفقاً لرأيهم. وفي هذا السياق، يثور تساؤل هام: هل ينجح الحظر في سوق يئنّ تحت وطأة عدم الاستقرار والتهريب منذ سنوات، أم أنه سيتعثّر أمام سطوة التجار والأساليب غير القانونية؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
حظر السجائر الإلكترونية في دمشق
عممت مديرية الشؤون الصحية في دمشق، على كافة المنشآت والمتاجر الخاصة ببيع السجائر الإلكترونية في دمشق، بمنع التعامل مع تلك المنتجات بكافة أنواعها، محذرةً من فرض عقوبات تصل إلى الإغلاق في حال المخالفة، وذلك في إطار المحافظة على الصحة العامة.
وفي هذا السياق، يؤكد مدير الشؤون الصحية بدمشق، رضوان السواق، مباشرة تطبيق الحظر عبر تكثيف الدوريات الرقابية على المتاجر والأسواق المتخصصة بتلك المنتجات، نتيجة لرصد انتشارها بشكل متزايد خلال الفترة الأخيرة، مشيراً إلى أن الإجراءات التنظيمية بحق المخالفين، تتضمن مصادرة المنتجات وإتلافها، مع تنظيم الضبط اللازم وصولاً إلى إغلاق المنشأة لفترة تمتد لثلاثة أيام عند المخالفة الأولى، مع مضاعفة تلك المدة عند التكرار.
كما يوضح السواق أن تلك الخطوة مدفوعة بالمحافظة على الصحة العامة خاصة عند الأطفال والمراهقين، مؤكداً رصد ارتباط عدد من حالات إصابة الرئة باستخدام “الفيب”، فضلاً عن المكونات والمنكهات المسرطنة التي تحتويها بعضها، إلى جانب أضرار الجزيئات المعدنية الناجمة عن طريقة التسخين كالنيكل والرصاص.
فيما تتباين آراء المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض، حيث يشيد الأول بأهمية القرار في ظل تصاعد معدل استخدام هذا النوع من السجائر كبديل للتدخين التقليدي، دون دراية بضررها الكبير على الصحة لا سيما بين المراهقين، في حين يعتقد المعارضون للقرار بأنها أخف ضرراً من التدخين العادي والأراجيل، إضافة إلى كونها وسيلة للإقلاع عن التدخين التقليدي، بالتالي يمكن لهذا القرار أن يحدّ من الخيارات المتاحة للعزوف عن عادة التدخين.
وعلى الرغم من أهمية هذا التحرك المدفوع بالقلق على الصحة العامة، إلا أنه أثار مخاوف ناشطين محليين من إتاحته فرصة تعزيز السوق السوداء لتجارة سجائر “الفيب”، مؤكدين أن أي قرار حظر في سوق غير مستقر، غالباً ما يثير القلق من فتح الباب لتنشيط التهريب والتجارة غير القانونية.
آثار الحظر المُحتملة وفقاً للدراسات
في سياق متصل، ينتقد الخبير الأسترالي روهان بايك، تقييد منتجات التبغ والسجائر الإلكترونية، معتبراً أنها فرصة ذهبية لتغذية التجارة غير القانونية، إلى جانب مساهمة تلك السياسة بشكل غير مباشر في تقويض تدابير مكافحة التدخين، مشيراً إلى ضرورة التعلم من أخطاء بلاده بهذا الجانب، مع تبني استراتيجيات من شأنها الحد من الأضرار عبر تحفيز استخدام بدائل النيكوتين ذات المخاطر المنخفضة، وذلك من خلال التدابير الضريبية المناسبة وحملات التوعية.
وهذا ما تؤكده دراسة بحثية بعنوان “تأجيج اللهب: تحليل ظهور وتداعيات وتحديات حرب أستراليا الفعلية على النيكوتين” منشورة في مجلة Harm Reduction Journal، في 24 آذار 2025، حيث تشير إلى أنه على الرغم من الانخفاض الملحوظ بمعدلات التدخين في أستراليا بفضل التدابير التي طبقتها لمكافحة التدخين التقليدي، إلا أن السياسات الأخيرة كرفع الضرائب وحظر السجائر الإلكترونية، أدت إلى تنشيط وازدهار السوق السوداء للنيكوتين.
كما توضح الدراسة أن تلك السياسات أنتجت عواقب وخيمة بشكل غير مباشر، مثل ارتفاع معدل النشاط الإجرامي إلى جانب العنف الممنهج، فضلاً عن المخاطر الصحية الملازمة لانتشار بضائع النيكوتين غير الخاضعة للرقابة.
تجارب الدول السابقة
تجدر الإشارة إلى ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في قضية الحظر، لا سيما وأنه لم يثبت نجاحاً مثالياً لدى العديد من الدول كسنغافورة والمكسيك، اللتين شهدتا تصاعداً في معدل التهريب ونشاط الأعمال التجارية غير القانونية عقب حظرهما للسجائر الإلكترونية، دون إيجاد بدائل علاجية واضحة، مما أدى إلى تحدٍّ رقابي مستمر.
وإلى ذلك تؤكد تقارير دولية أن حظر السجائر الإلكترونية في كازاخستان، أسفر عن ارتفاع معدل توجه المستخدمين نحو السوق السوداء، فقد استمرت حركة البيع غير المنظمة من خلال جهات ومنصات غير شرعية لا تخضع للرقابة.
بينما حققت الولايات المتحدة نجاحاً نسبياً في الحد من استخدام “الفيب” وتراجع أعداد مدمنيها نتيجة لما طبقته من سياسة تنظيمية مدفوعة بإرادة سياسية وتشديد رقابي تدريجي، حيث تراجع استخدام السجائر الإلكترونية بشكل ملحوظ بين طلاب المدارس منذ ذروة اعتمادها من قبل أكثر من 5 ملايين طالب خلال عام 2019، مروراً بتسجيلها نسبة 7.8% خلال عام 2023، وصولاً إلى أدنى مستوياتها خلال عام 2024 بنسبة 5.9%.
وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى قدرة سوريا على الاستفادة من التجربة الأمريكية الناجحة في خطوتها الجديدة بحظر السجائر الإلكترونية في دمشق، عبر اتباعها عدة إجراءات قابلة للتطبيق ضمن السوق المحلية، مثل التشديد الرقابي الصارم على الأسواق مع طلب موافقة مسبقة قبل التسويق، إضافة إلى تحديد سن شراء التبغ بما في ذلك السجائر الإلكترونية على ألا يقل عن 21 عاماً ضمن قوانين صارمة (كالتأكد من الهوية وتنظيم عمل المتاجر تمهيداً لتقليل استخدامها بين الشباب)، ووضع استراتيجيات للحد من انتشار تلك المنتجات بين الطلبة، مع فرض مراجعات صحية وعلمية قبل دخولها إلى السوق.
الجدير بالذكر أيضاً، أهمية تكثيف البرامج التوعوية حول المخاطر المتعلقة باستخدام السجائر الإلكترونية، عبر الوسائل الإعلامية والفرق الصحية والنشرات الدورية، إلى جانب إيجاد بدائل علاجية واضحة كالدعم الصحي والبرامج الفعالة للمساعدة على الإقلاع عن التدخين، لا سيما وأن العديد من الأشخاص يميلون إلى “الفيب” كخيار للابتعاد عن التبغ التقليدي.
“الفيب” واستغلال الفراغ القانوني السابق
تمنع القوانين السورية ممارسة عادة التدخين ضمن الأماكن العامة، ولكن الفراغ القانوني المرتبط بتصنيف سجائر “الفيبس” كما يشير ناشطون، أدى إلى تدفق أعداد كبيرة منها من خلال التجارة غير القانونية (الاستيراد غير الرسمي)، الأمر الذي ساهم في انتشار أنواع تثير القلق كونها مجهولة المصدر والمواصفات.
وإلى ذلك، تقدّر منظمة الصحة العالمية أن ما يزيد عن 100 مليون شخص يعتمدون السجائر الإلكترونية على مستوى العالم، منهم 15 مليون مراهق (أعمارهم بين 13 و15 عاماً)، محذرةً من الوقوع في موجة إدمان جديدة تتخطى تراجع استهلاك التبغ.
وفي سياق متصل، تشير معطيات منصة GSTHR الدولية المتخصصة ببيانات التدخين، إلى تقدير عدد المدخنين في سوريا بحوالي 3.1 مليون شخص حتى سنة 2024، فيما وصلت نسبة انتشار عادة التدخين اليومية بين البالغين إلى 24.7% حسبما أكدته أحدث بيانات المسح من عام 2003.
كما تؤكد البيانات ارتفاع نسبة الانتشار بين الذكور مقابل الإناث بشكل ملحوظ، حيث سجلت نحو 48% مقارنةً بالانتشار بين النساء الذي قُدّر بحوالي 8.9%، مؤكدة أن عام 2021 شهد تأثيراً قوياً في سوريا على الصحة العامة نتيجة للتدخين.
فيما وصل عدد الوفيات الإجمالي الناجم عن عادة التدخين في سوريا إلى 13.133 حالة وفاة، أي ما يقارب نسبة 12.55% من العدد الإجمالي للوفيات في البلاد، ويتوزع هذا الرقم على 10,984 حالة بين الذكور، بنسبة تقارب 17.37% من العدد الإجمالي لوفيات الذكور، و2,149 حالة بين الإناث، أي نحو 5.19% تقريباً من العدد الإجمالي لوفيات الإناث.
يتضح مما سبق، أنه على الرغم من أهمية قرار حظر السجائر الإلكترونية في دمشق للمحافظة على الصحة العامة، والحد من انتشار تلك العادة التي باتت ظاهرة اجتماعية، إلا أنها تواجه عدة تحديات للتطبيق المثالي، أهمها القدرة على ضبط السوق الذي يعاني أصلاً من حالة اضطراب واستغلال من قبل التجار والاقتصاد الأسود، لذلك لا بدّ من الاستفادة من تجارب الدول السابقة والعمل على تفعيل الرقابة الجدية ضمن الأسواق منعاً من تنشيط التجارة غير الشرعية وتفاقم الأزمة بدلاً من حلها.
اقرأ أيضاً: التدخين يسرق براءة أطفال سوريا!









