حصر بيع حليب الأطفال في حمص.. تنظيم أم ملامح أزمة جديدة؟
لماذا يعود جدل حليب الأطفال إلى الواجهة.. وما سبب استياء الأسر!

بقلم: ريم ريّا
قررت نقابة الصيادلة في حمص مؤخراً حصر بيع حليب الأطفال في الصيدليات فقط، بعد أن كان هناك نقص وتفاوت في الأسعار. القرار أثار مخاوف بعض الأهالي من احتمال ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على الحليب، بينما يرى آخرون أنه خطوة لتنظيم التوزيع وضمان وصوله للجميع. أزمة حليب الأطفال ليست جديدة في سوريا، فهي مرتبطة بصعوبات الاستيراد وأسعار السلع الأساسية. في ظل هذه الظروف، تبحث الأسر عن بدائل لتأمين تغذية مناسبة لأطفالها، فيما تتابع الحكومة الوضع لضبط الإمدادات.
جدل حليب الأطفال في سوريا يعود من جديد
الجدل حول حليب الأطفال في سوريا يعود إلى عدة سنوات مضت، وجل الجدل قائم حول توفر المادة وحول أسعارها وجودتها. هذا الجدل مضى عليه عقدٌ من الزمن، إذ بدأ بشكلٍ واضح منذ بداية الثورة في سوريا عام 2011، حيث تأثرت عمليات الاستيراد والتوزيع نتيجة اختلال الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ما أدى إلى نقص للمادة بشكل متكرر في الأسواق وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، بالتالي فقدانها في بعض الأحيان.
جدل حليب الأطفال في سوريا ارتبط كذلك بالسياسات الحكومية السابقة المتعلقة بالدعم والتوزيع، وتعرضت هذه المادة كما سواها من المواد الغائية للاحتكار من قبل متنفذين على علاقة بالسلطة السابقة من أجل تحقيق الربح.
اليوم، يحاول بعض المسؤولين تنظيم وصول الحليب لضمان توفره للأسر الأكثر حاجة، في ظل خشية الأهالي أن تؤدي هذه الإجراءات إلى زيادة الضغط على الأسعار .
اقرأ أيضاً: ثلث بضائع الأسواق السورية “سم في الدسم”: كيف يشتري المواطن الخطر بماله؟
سبب قرار حصر البيع في الصيدليات وآثاره
أصدرت نقابة الصيادلة في حمص بيع حليب الأطفال في الصيدليات، ومنعت تداوله في المتاجر والمولات، ما أثار جدلاً واسعاً حول أثر القرار على أسعار مادة تعد أساسية لآلاف العائلات.
أسندت الجهات هذا القرار لأسباب قانونية وصحية. وعُلل هذا الحصر استناداً إلى اعتباره منتجاً طبياً يخضع لأحكام قانون تجارة الأدوية رقم 24. من جانبه أوضح نقيب صيادلة حمص، عبد القادر غنطاوي، أن الحليب المعدل، بما فيه حليب الأطفال والحليب منزوع الدسم، يعامل قانونياً معاملة الدواء، بسبب تأثيره المباشر على صحة فئة حساسة من المجتمع.
وجاء حصر البيع بالصيدليات بقصد ضمان سلامة التخزين والاستخدام، إذ تُلزم الصيدليات بشروط حفظ محددة، وتخضع لرقابة مديريات الصحة، على خلاف المتاجر العادية التي لا تقع ضمن نطاق إشراف النقابة. من جانبهم الصيادلة أيدوا القرار عارضين أسبابهم في ذلك، مرجعين تلك الأسباب إلى عوامل تتعلق بشروط التخزين والرقابة والدور الصحي للصيدلي، مع تباين في تقييم بعض التفاصيل.
مؤكدين أن الصيدليات ملزمة بتأمين درجات حرارة محددة للحفظ، وعدم تعريض العبوات للحرارة أو الشمس، إضافة إلى خضوعها لرقابة مديرية الصحة وتسعيرة رسمية ثابتة “لا يمكن تجاوزها بالزيادة أو النقصان” حسب قولهم. بخلاف المولات والمتاجر التي لا تخضع لآلية ضبط مشابهة. في حين أشار بعض الصيادلة إلى أن شروط التخزين، من حيث المبدأ، قد تكون متشابهة بين الصيدليات والمتاجر والمولات إذا التزم بدرجة حرارة الغرفة، لكن الفارق الأساسي يبقى في الرقابة والمسؤولية القانونية. فالصيدلي يسأل مباشرةً من مديرية الصحة عن أي ضرر.
كما أرجع بعض الصيادلة أسباب الحصر، بأنها لا ترتبط فقط بالتخزين أو السعر، بل تمتد إلى طبيعة حليب الأطفال نفسه، إذ يشمل أنواعاً علاجية لحالات مثل الإسهال وسوء الامتصاص والحساسية، تصرف عادة بإرشاد طبي أو صيدلاني، وهو ما لا يتوفر في المتاجر العامة ولا يدري به صاحب المتجر أو مسؤول نقطة البيع في المول.
هل قرار حصر البيع إيجابي.. وهل هناك بدائل عن حليب الأطفال؟
يبلغ سعر علبة حليب الأطفال بين 50 ألفاً و120 ألف ليرة سورية، يختلف ذلك حسب الشركة المصنعة ونوع الحليب. في حين تحتاج الأسر التي لديها طفل بعمر بين ستة أشهر وسنة إلى نحو ست أو سبع عبوات من الحليب بشكل شهري، ما يعني أن تكلفة تأمين الحليب لطفل واحد تتراوح بين 300 ألف و800 ألف ليرة شهرياً، بمتوسط يقارب 600 ألف ليرة سورية.
بالمجمل قرار حصر بيع الحليب في الصيدليات، قرار إيجابي من ناحية تنظيم السوق وضمان وصول المنتج للأسر المحتاجة، كذلك يقلل التلاعب بأسعار المادة ويضمن عدم بيع الحليب في أماكن لا تحمل صفة رسمية ربما يؤدي استمرار عرض المادة فيها إلى فقدان مراقبة الجودة وعدم ضمانها.
لكن من ناحيةٍ أخرى، خوف الأهالي خوف مشروع، لأن احتمال ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على الحليب لاسيما في المناطق التي تقل فيها الصيدليات يصبح أعلى. لكن لا يمكن لأحد أن ينكر أن القرار يحمل نية التوازن بين حاجات الأسر والتنظيم الحكومي ويجنح للضغط من أجل توفير المادة وبأسعار محددة.
انتشرت بدائل لحليب الأطفال في السنوات الماضية في البلاد وما زال بعضها مستمراً حتى اليوم، لاسيما في مناطق الشمال في سوريا. فمع فقدان حليب الأطفال المحلي في بعض الأحيان، اضطر بعض الأهالي إلى الاعتماد على الحليب التركي مرتفع الثمن في مناطق الشمال، إذ يبلغ سعر العلبة 400 غرام منه أكثر من ضعف سعر العلبة السورية التي لا تتجاوز 50,000 ليرة إلا في حال اختلاف شركات الحليب ونوعه، بينما يواجه الأطفال صعوبة في التكيف مع مذاقه وتركيبته المختلفة، بالرغم من قيمه الغذائية.
إلى جانب الحليب التركي، وبسبب انقطاع حليب الأطفال وارتفاع أسعاره، لجأ بعض الأهالي لإعطاء أطفالهم وهم في أشهرهم الأولى حليب بقري أو ماعز، وبحسب الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، فإن تركيز البروتين العالي الموجود في هذا النوع من الحليب ربما يؤدي إلى التهاب أمعاء الطفل، أو إلى نزيف في البطانة المعوية. ولا يحوي الحليب البقري كميات حديد كافية للطفل، وهو ما يمكن أن ينتج عنه حدوث فقر الدم، وأحياناً تكون الأعراض أكثر خطورة وتتسبب بموت الرضيع.
توفر بدائل غير متوازنة كحلول مؤقتة بديلاً عن الحليب الصناعي، يؤدي إلى نقص البروتين والفيتامينات الضرورية لنمو الأطفال. ونقص العناصر الغذائية الأساسية يؤثر على تطور الكتل العضلية والعظمية للطفل، ويزيد من خطر الإصابة بسوء التغذية المزمن، ويضعف جهاز المناعة، مما يجعل الطفل أكثر عرضة للأمراض المعدية والجفاف.









