أعمال واستثمار

“حصراً بالعملة الجديدة” عبارة باتت تطارد السوريين.. وظهرت أزمة “الفكة” بين القديم والجديد

بقلم: ريم ريّا

كم مرة واجهت رفض قبول العملة القديمة هذا الشهر؟ سؤالٌ بات يوجهه السوريون لبعضهم قبل رمي السلام حتى. فبعد أسابيع من بدء تداول العملة الجديدة مطلع كانون الثاني 2026، لم تعد المشكلة تكمن في شكل أو قيمة الأوراق النقدية، بل في كيفية إدارة عملية الانتقال في الأسواق. فالمواطن اليوم يضطر إلى استبدال ورقة نقدية من فئة “500” الجديدة، أي خمسين ألف ليرة سابقاً، لشراء سلع لا تتجاوز قيمتها “100” الجديدة، أي عشرة آلاف ليرة سابقاً، ليتفاجأ بأن الباقي يعاد إليه بالعملة القديمة، التي يرفض المتجر قبولها من الأصل. بين رفض قبول العملة القديمة، والإصرار على دفع الثمن بالعملة الجديدة، ونقص الفئات الصغيرة منها “الفكة” أو “الصرافة” بالسوري، أصبحت أبسط عملية تسوق رحلةً من الارتباك والجدل، يدفع المواطن ثمنها وحده.

اعتماد العملة الجديدة.. تفاصيل يومية تكشف فوضى المرحلة الراهنة

لم يكن تغيير العملة في سوريا مجرد تغيير في شكل الأوراق النقدية أو حذف أصفار منها، بل أصبح تجربة يومية للمواطنين السوريين، أثرت على كل شيء من المحلات التجارية ووسائل النقل العام إلى الأسواق والعيادات وحتى أبسط المشتريات. في أحد أيام هذا الشهر.. شهر تموز الجاري، وجد المواطن السوري نفسه في موقف اضطراري، اضطر فيه إلى صرف ورقة نقدية من فئة 50.000 ليرة لشراء سلعة لا تتجاوز قيمتها 10.000 ليرة، ليحصل بعدها على الباقي بالعملة القديمة. ولاحقاً، عندما حاول استخدام “الباقي القديم” في عملية شراء جديدة أخرى، قوبل بالرفض!

لا تكمن المشكلة في وجود عملتين متداولتين خلال هذه الفترة الاقتصادية الانتقالية فحسب، بل في تغير أنماط المعاملات اليومية. فبينما يرفض بعض التجار والمحلات قبول العملة القديمة، يستمرون في إعطائها للزبائن كباقي، مما يضع المواطنين في موقف صعب.. أموال يصعب التخلص منها، وحاجة ماسة إلى عملة جديدة لإتمام مشترياتهم.

اقرأ أيضاً: بين الليرتين.. من يربح المعركة؟ إدارة عفرين تفرض التسعير بالعملة السورية

هل تأقلم المواطن السوري مع العملة الجديدة؟

على الرغم من مرور وقت على بدء تداول العملة الجديدة، لا يزال السوريون يعانون من بعض الارتباك بشأن استخدامها. سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تصبح العملة الجديدة تلقائية، خاصةً بالنسبة لكبار السن وبعض الفئات التي اعتادت على نظام نقدي محدد وطريقة محاسبية مختلفة لعقود. في الأسواق، يلاحظ أن المواطنين يتوقفون قبل الدفع، ويعدّون الأوراق النقدية عدة مرات، ويسألون البائع عن قيمة العملة التي بحوزتهم. هذا يعكس حقيقة أن تغيير العملة ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو عملية اجتماعية تتطلب فترة للتأقلم.

تزداد الأمور صعوبةً عندما تكون قيمة المشتريات صغيرة مقارنةً بالفئات الكبيرة. غالباً ما يضطر المواطنون إلى إخراج فئات نقدية كبيرة، مثل فئة الخمسين ألف ليرة سورية، لشراء سلع ذات قيمة أقل بكثير. ثم يبدأ البحث عن الباقي، وهي حلقة مفرغة أصبحت مصدراً للعديد من الشكاوى اليومية.

ولم تكن الأسواق وحدها مسرحاً لهذه المشاكل، بل كانت المشكلة أكثر وضوحاً في وسائل النقل العام، حيث تعتمد المعاملات على مبالغ صغيرة وسريعة لا تحتمل التأخيرات الطويلة. قد أفاد بعض الركاب في أحد المحافظات الساحلية، بحدوث جدالات حول اختلاف تقديرات قيمة الأوراق النقدية الجديدة أو صعوبة إعطاء الباقي. في الوقت نفسه، اضطر بعض السائقين إلى تكبد خسائر بسبب أخطاء في الحساب أو نقص الفكة.

في الرحلة الواحدة، قد تمر الورقة النقدية بين عدة أيادٍ قبل أن تصل إلى السائق. ومع كل عملية نقل، يزداد احتمال الخطأ، خاصةً عندما يحاول الركاب التحقق من قيمة الورقة النقدية أو التأكد من صحة المبلغ. أحياناً، تتحول الدقائق القليلة اللازمة للدفع إلى جدال طويل وتلاسن لفظي بين الركاب والسائق.

أخطاء الحساب وقلة “الفكة”.. المواطن هو الحلقة الأضعف

مع كل تغيير كبير في العملة، تحدث فترة من الارتباك يستغلها البعض لكسب المال بطرق غير مشروعة. يحدث هذا إما باستغلال عدم إلمام الناس بقيمة الأوراق النقدية الجديدة أو باستغلال أخطاء حسابية غير مقصودة. أفاد المواطنون بأنهم أصبحوا أكثر حذراً عند إجراء معاملات البيع والشراء، لا سيما عند التعامل مع مبالغ كبيرة، لأن عد النقود يتطلب الآن وقتاً وتركيزاً أكبر من ذي قبل. ويبدو أن المشكلة حادة بشكل خاص لدى كبار السن، حيث يجد بعضهم صعوبة في التمييز بين الأوراق النقدية الجديدة، مما يجعلهم أكثر عرضة للخطأ أو الوقوع ضحية للاحتيال.

لكن السؤال الأكثر شيوعاً بين المواطنين اليوم هو: لماذا يرفض بعض التجار قبول العملة القديمة مع إعادتها للزبائن كباقي؟

أصبح هذا التناقض من أبرز الشكاوى المتداولة، حيث يشعر المواطنون بأنهم يتحملون عبء هذه المرحلة الاقتصادية الانتقالية وحدهم. فهم يستلمون العملة القديمة في مكان، ثم يُطلب منهم الدفع بالعملة الجديدة في مكان آخر. ويعتقد المواطنون أن الحل يكمن في مزيد من الشفافية في آليات المعاملات، ومراقبة أدق لأي رفض غير مبرر لاستلام النقود خلال الفترة المسموح بها، وزيادة المعروض من الأوراق النقدية الجديدة ذات الفئات الصغيرة، مما سيساعد في حل مشكلة الفكة.

في حين يتفق الاقتصاديون على أن الأخطاء الأولية أمر طبيعي عند إدخال أي عملة جديدة، وأن المجتمع يحتاج إلى وقت للتكيف مع العملة الجديدة ونظام المحاسبة الجديد. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول يعتمد على تعاون جميع الأطراف “البنك المركزي، والتجار، وشركات النقل، والمواطنين”.

وهنا، تبرز المدفوعات الإلكترونية كحل يمكنه التخفيف من مشكلة العملات، إذ تتيح إجراء معاملات دقيقة وتقلل الحاجة إلى نقل كميات كبيرة من الأوراق النقدية، لكن لا زال مجالها غير مدعوم بشكل كافي في سوريا.

بينما ينتظر المواطنون السوريون انتهاء هذه الفترة من الارتباك، تُذكّرهم تفاصيل صغيرة، مثل ورقة نقدية قديمة أو فكة من عملية شراء بسيطة، يومياً بأن التغيير الاقتصادي لا يقتصر على البنوك والأسواق الكبيرة، بل يمتد إلى جيوب المواطنين، من لحظة ذهابهم إلى المتجر القريب وحتى عودتهم إلى منازلهم.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى