المجتمع السوري

حريق النويلاتي وصدام الواقع: لماذا هجرت شركات الإنتاج بلدها؟

بقلم هلا يوسف

لم تنجُ الدراما السورية من محاولات محاصرتها وسط الظروف الأمنية الصعبة التي تعيشها البلاد منذ سنوات. ومع تزايد التحديات، اختارت معظم شركات الإنتاج الاتجاه إلى بيروت لتصوير مسلسلات رمضان 2026، في خطوة يراها الخبراء الخيار الأكثر أماناً في الوقت الحالي. لكن شركة واحدة فقط قررت خوض المغامرة، إذ اتخذت غولدن لاين قرارها ببناء مدينة فنية في دمشق لتصوير مسلسل النويلاتي، متحدية كل الظروف. غير أن الحريق الذي اندلع في الموقع والتهم أجزاء كبيرة من موقع التصوير والمعدات قلب الموازين وأفشل هذا التحدي. فما الذي حدث بالضبط؟ وكيف تعاملت الشركة مع الأمر؟ وما الذي يدفع شركات الإنتاج للاتجاه نحو التصوير خارج سوريا؟ هذا ما سنتعرف إليه في هذا المقال.

اندلع مساء الأحد حريق كبير في موقع تصوير مسلسل النويلاتي داخل مدينة الفيصل الإعلامية في يعفور بريف دمشق، وذلك بعد دقائق من مغادرة فريق العمل. وسارعت فرق الإطفاء إلى المكان، لكنها لم تتمكن من منع النيران من التهام كامل موقع التصوير، بما فيه الأزقة الضيقة والبيوت التراثية والمباني، إضافة إلى معدات فنية وتقنية.

وأوضحت ديالا الأحمر، صاحبة شركة غولدن لاين المنتجة للعمل، أن فرق الإطفاء أكدت لهم أن الحريق مفتعل، مشيرةً إلى العثور على حربة روسية قديمة مغروسة في أحد أبواب الموقع، إلى جانب انتشار النيران في أكثر من نقطة؛ ما اعتبرته دليلاً على رسالة متعمدة تركها الفاعل.

وفي مداخلة لها عبر برنامج “تفاعلكم” على قناة العربية، قالت الأحمر إنهم تلقوا اتصالاً من حارس الموقع يخبرهم بوجود حريق محدود في كتلة واحدة من المدينة. لكنهم وفور وصولهم، اكتشفوا أن النيران امتدت بشكل غير طبيعي إلى أجزاء واسعة، رغم وجود مسافات كبيرة بين منطقة الاشتعال الأولى وبقية المواقع المحترقة مما أثار استغراب الشركة المنتجة.

من جهتها أعلنت الشركة في بيان رسمي أن خسائر الحريق تجاوزت مليوناً ونصف المليون دولار، ودعت أي شخص يمتلك معلومات قد تسهم في كشف الفاعل إلى التواصل مع الجهات المختصة، حفاظاً على العدالة ومنع تكرار مثل هذه الأفعال. وأشارت إلى أن من أشعل الحريق اختار توقيته بدقة، إذ اندلعت النيران بعد أقل من نصف ساعة من مغادرة الفريق للموقع عند منتصف الليل، لتحول الديكور الكامل إلى ركام خلال وقت قصير.

وبحسب ما أكدت الشركة سيستأنف العمل بعد ثلاثة أيام فقط، حيث ستعتمد خطة بديلة لانتقال التصوير إلى الجزء الذي لم تصل إليه النيران، ريثما تعاد إعمار المنطقة المتضررة. وتشير المعلومات إلى أن نحو 55% من موقع التصوير احترق، وهو موقع تطلّب بناؤه ثلاثة أشهر كاملة، فيما أتت النيران على ست نولات تاريخية لنسج البروكار يتجاوز عمرها 150 عاماً.

وعلى الصعيد الحكومي زارت اللجنة الوطنية للدراما في الحكومة السورية المؤقتة الموقع، معبّرة عن أسفها وتضامنها مع فريق العمل، فيما أعلنت الجهات الرسمية فتح تحقيق لمعرفة ملابسات ما حدث.

يُذكر أن مسلسل النويلاتي، الذي كتبه عثمان جحي ويخرجه يزن شربتجي بإشراف رشا شربتجي، ينتمي إلى عالم الفانتازيا التاريخية، ويستلهم حكايته من تاريخ دمشق ومهنة النول القديمة. ويشارك في بطولته عدد من نجوم الدراما السورية، بينهم ديمة قندلفت وسامر المصري في أولى عوداته إلى الدراما المحلية، إلى جانب فادي صبيح، ومحمد حداقي، وفايز قزق، ونادين تحسين بيك، ووجوه بارزة أخرى مثل إبراهيم شيخ إبراهيم، ورائد مشرف، ورامز أسود، وغزوان الصفدي، وحسين عباس، وجمال العلي، وأمانة والي، ووائل زيدان، وعلاء قاسم.

تفاعل النجوم مع حادث الحريق

شهد حادث الحريق موجة كبيرة من التعاطف من قبل الفنانين وصناع الدراما، إذ تداول المخرجون والممثلون ووسائل الإعلام المحلية مقاطع تظهر تصاعد ألسنة اللهب من موقع تصوير النويلاتي. وكان من بين المتفاعلين بطل العمل سامر المصري، الذي أكد أن التحضيرات ستستمر رغم كل شيء، قائلاً: “قدر الله وما شاء فعل… مؤلم جداً أن نرى عملاً فنياً صُنع بمحبة وإخلاص يتحول إلى رماد بهذه الطريقة. لكننا سنواصل، بإذن الله، العمل على إنجاز المشروع الذي ينتظره الجمهور في رمضان 2026”.

المخرجة رشا شربتجي بدورها عبرت عن حزنها العميق لما حدث، مشيرة إلى أن خسارة الديكورات مؤلمة، لكنها شددت على أن الإرادة موجودة لدى الجميع للاستمرار وخلق فن يليق بالجمهور، مؤكدة تضامنها الكامل مع المنتجين ديالا ونايف الأحمر.

كما أكد الممثل باسم ياخور دعمه للشركة، قائلاً إن “غولدن لاين” ستظل ركناً أساسياً في الدراما السورية والعربية رغم كل التحديات.

كما أعلن الممثل عابد فهد تضامنه مع فريق العمل والشركة المنتجة، مؤكداً أن غولدن لاين تمتلك تاريخاً طويلاً في إنتاج الأعمال التاريخية والاجتماعية والمعاصرة، ولها حضور بارز على مستوى العالم العربي. ويُذكر أن فهد يصور حالياً مسلسل سعادة المجنون في بيروت، وهو أيضاً من إنتاج الشركة نفسها.

أسباب شجّعت غولدن لاين على التصوير داخل سوريا

خلال السنوات الأخيرة، شهدت الدراما السورية طفرة واضحة في مستوى الإنتاج، سمحت ببناء مدن ومواقع تصوير ضخمة تُستخدم في أعمال تمتد عبر مراحل زمنية مختلفة. وبعض هذه المواقع ظل قائماً حتى بعد انتهاء التصوير ليستقبل الزوار ومحبي التقاط الصور، كما حدث في مسلسلي عاصي الزند وتاج من إنتاج شركة الصباح.

هذا التوجه الإنتاجي ربما منح غولدن لاين الثقة لبناء مدينة ديكور كاملة في ريف دمشق، على أمل أن تكون بمثابة قلب نابض لمسلسل يراد له أن يعيد إحياء الذاكرة الحرفية للشارع الدمشقي وتفاصيله الاجتماعية، وأن يقدم صورة أصيلة تعيد الجمهور إلى روح المكان الذي تنتمي إليه الحكاية.

وعلى الرغم من ذلك اتخذت الشركة في البداية الخيار الأسلم، حيث كانت قد أعلنت في وقت سابق عن نيتها نقل نشاطها إلى الإمارات ولبنان، بعد نحو عشرين عاماً من العمل المتواصل داخل سوريا دون توضيح الأسباب. لكن سرعان ما تغير المشهد، إذ أعلنت الشركة لاحقاً استمرارها في التصوير داخل البلاد بعد التوصل إلى تفاهمات جديدة مع اللجنة الوطنية للدراما.

وجاء هذا القرار عقب اجتماع مطول بين رئيس اللجنة، مروان الحسين، وممثلة الشركة ديالا الأحمر، حيث جرى الاتفاق على تقديم التسهيلات اللازمة لضمان بقاء نشاط غولدن لاين في سوريا. وبحسب ما نشره الكاتب السوري عثمان جحي عبر صفحته على فيسبوك حينها، فقد تضمن الاجتماع عدة نقاط جوهرية، أبرزها تقديم دعم لوجستي وفني يساعد الشركة على تنفيذ مشاريعها الدرامية محلياً دون عوائق.

اقرأ أيضاً: النجم السوري محبوب العرب: والدراما السورية مازالت على عرش التكريم

انعكاسات حادث الحريق

لا يقتصر ما حدث على خسارة مادية فحسب، فاحتراق مدينة تصوير كاملة يكشف جانباً أعمق من قصة الدراما السورية، التي تراجعت لسنوات بعد أن كانت من أبرز الصناعات التلفزيونية في المنطقة. هذا التراجع ارتبط بهشاشة البنية الإنتاجية، وضغوط سياسية، وتراجع التمويل المحلي، إلى جانب هجرة عدد كبير من الفنانين نحو لبنان ومصر ودول الخليج. لذلك يمكن النظر إلى الحريق كعامل إضافي يزيد من الضغوط على المنتجين والممثلين الذين ما زالوا يعملون داخل سوريا، ويضرب في الوقت نفسه الصورة التي تحاول الحكومة السورية تقديمها عن استعادة الأمن وعودة الحياة الطبيعية.

الحريق أعاد أيضاً تسليط الضوء على ضعف إجراءات الحماية والأمن في مواقع الإنتاج التي يتم فيها استثمار مبالغ كبيرة، وطرح تساؤلات حول قدرة صناعة الدراما على الاستمرار وسط هذه الضغوط وهجرة المواهب.

وحسب ما يتم تداوله فإن شركة غولدن لاين واجهت في الفترات الماضية تحديات أمنية مرتبطة بغياب بعض الفنانين المتعاونين معها خارج البلاد بسبب مواقفهم السياسية، لكن وساطات معينة سهلت عودة الأمور إلى مسارها الطبيعي، ما سمح باستئناف التصوير وعودة عدد من النجوم، ومنهم باسم ياخور الذي عاد من دبي إلى دمشق لاستكمال أعماله مع الشركة.

توجه شركات الإنتاج نحو التصوير خارج سوريا

على عكس شركة غولدن لاين، لم تخض بعض شركات الإنتاج تجربة التصوير داخل سوريا هذا العام، إذ فضل كثير منها الابتعاد عن المخاطر المرتبطة بتضييق الحريات وتقليص مساحات التصوير والرقابة على موضوعات الأعمال بحسب المعلومات التي تداولتها العديد من المصادر الإعلامية. لذلك اتجهت الشركات السورية واللبنانية إلى لبنان، لضمان إتمام مشاريعها الرمضانية بسلاسة، خصوصاً أن هذه الأعمال غالباً ما تكون باهظة التكلفة وأي خلل فيها قد يؤدي إلى خسائر كبيرة.

هذا التحول بدأ بعد سقوط النظام السابق، حين فتحت بعض الدول الخليجية والعربية أبوابها أمام الأعمال الدرامية السورية التي تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي في تلك الفترة. وقد ألمحت دول مثل قطر والسعودية إلى استعدادها لدعم أعمال تصور داخل سوريا، لكن التطورات اللاحقة، بما فيها العنف والرقابة وتضييق الحريات، جعلت الشركات ترى أن سوريا لم تعد بيئة مناسبة للتصوير، على الأقل في الوقت الحالي، ريثما تتضح الصورة العامة.

على سبيل المثال، تخطط شركة صباح إخوان لتصوير ستة مسلسلات كاملة في لبنان، يشارك فيها عدد من نجوم الدراما السورية الذين لم يعرف عنهم الانخراط في مواقف سياسية واضحة. كما فاجأت الشركة الجمهور بنقل تصوير مسلسل مولانا إلى بيروت، رغم أنها كانت قد شيدت استديوهات ضخمة في دمشق، والجدير بالذكر أن الشركة صورت عدة أعمال داخل سوريا مثل الزند وتاج وتحت سابع أرض من إخراج سامر البرقاوي، قبل أن تعود إلى بيروت مع المشروع الجديد.

كذلك قررت شركة ميتا فورا القطرية تصوير كامل إنتاجها الرمضاني في بيروت، بما في ذلك أعمال تنتقد حقبة النظام السابق مثل الخروج إلى البئر، والمستور، والسوريون الأعداء، وما اختلفنا. وفي نفس السياق تصور شركة غولدن لاين مسلسل سعادة المجنون في لبنان أيضاً.

باختصار، التحديات التي تواجه شركات الإنتاج الفني في سوريا، وما حصل مع شركة غولدن لاين، تظهر أن عودة الدراما السورية إلى موطنها الأصلي قد تتأخر. وعلى الصعيد المادي، تخسر البلاد الكثير نتيجة انتقال هذه الشركات إلى دول أخرى. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن تزدهر الدراما السورية من قلب سوريا، وأن تستعيد مكانتها وحيويتها خلال السنوات القادمة.

اقرأ أيضاً: البطل يتألق عالمياً: نجاح سوري يحقق ترشيحات هوليوود ويعزز حضور الدراما العربية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى