المطبخ السوري

حروب المطبخ السوري.. اللحمة بكرز إدلبية أم حلبية؟

حروب المطابخ في سوريا لا تهدأ، فبينما تخمد معركة حلاوة الجبن بين الحموية والحمصية، تشتعل أخرى حول طبق اللحمة بكرز بين الأدالبة والحلبية. هذه الأكلة التراثية الفريدة، التي تمتزج فيها كرات اللحم الغنية بصوص الكرز الحامض اللذيذ، تحولت إلى ساحة تنافس تاريخي بين المدينتين، كلٌ يدّعي أنها من صنع يده. في هذا المقال سنأخذكم في جولة على تاريخ طبق اللحمة بكرز، ونستعرض آراء من يقولون إنه حلبي الأصل ومن يؤكدون أنه إدلبـي النكهة… وفي النهاية، نترك لكم الحكم.

اللحمة بكرز أو الكباب بكرز، طبق لا يختلف على مذاقه المتنوع بين الحامض والحلو اثنان، إلا أن الذي يختلف عليه الكثير هو أصله وتاريخه. فيقف هذا الطبق الشهي شاهداً على تنوع المطبخ السوري وغرابته.

وبمجرد ذكر هذا الطبق في أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي حتى تشتعل الحرب وتتصاعد حدة النقاشات بين السوريين حوله أصله. ففي الوقت الذي يؤكد فيه أهالي حلب أن الطبق ينتمي لمطبخهم العريق، يصرّ أهالي إدلب وبالتحديد مدينة أريحا على أنه جزء أصيل من تراثهم المحلي.

إلا أن الجدل بلغ ذروته بعد إعلان بلدية غازي عنتاب التركية منذ سنوات بأن الطبق يُعد من المأكولات التقليدية في المطبخ التركي، ونشرت صورة له مرفقة بتعليق يقول: “طبق اللحمة بكرز من أكثر الأطباق إثارة للاهتمام في مطبخ غازي عنتاب”.

لم يمر هذا الإعلان مرور الكرام، فقد اشتعلت وقتها التعليقات على السوشال ميديا متهمين تركيا بمحاولة ضم رموز المطبخ الحلبي والإدلبي للتراث التركي.

من يملك سرّ الوشنة؟

تقول المصادر أن من يملك الوشنة تعود له أصل اللحمة بكرز، إلا أنه وتخفيضاً من حدة النقاشات قالت أم محمد، وهي سيدة مقيمة في حلب: “لا فرق بين إدلب وحلب حول أصل طبخة اللحمة بكرز، لكن لا شك أن ثمار الوشنة من أريحا في إدلب، وحصراً يجب أن تطهى بها.” وتضيف مبتسمة:”بالنسبة لي، أعشق هذا الطبق وأعتبره جزءً من التراث الحلبي.”

وتٱكيداً على كلام أم محمد، تُعرف مدينة أريحا بأنها الموطن الأصلي لشجر الوشنة، وهي الثمرة التي تُمنح الطبق لونه ونكهته المميزة. حيث تتميز الوشنة بصغر حجمها وطعمها الحامض، كما أنها تترك صبغة داكنة عند عصرها أو تناولها، وهو ما يمنح صوص الطبق لونه القرمزي الشهي.

أما أنس تريسي، ابن مدينة أريحا، فحول الصراع من المدن إلى المناطق ليؤكد أن أصل طبق اللحمة بكرز هو “ريحاوي الأصل” قائلاً: “اللحمة بكرز تحضر من ثمار الوشنة التي تشبه الكرز إلى حد كبير، حتى أن الكثيرين لا يستطيعون التمييز بينهما.” ويضيف: “أصل الطبق من المطبخ الريحاوي، لكنه اشتهر في حلب أيضاً. قبل عام 2011، كان الحلبيون يقصدون جبل الأربعين لتناول وجبة اللحمة بكرز الطازجة، فالجبل كان وجهة سياحية مشهورة بلحومها الطازجة”.

ويتابع تريسي مشيراً إلى أن اللحمة بكرز من الأطباق الأساسية في إدلب، وخاصة في منازل أريحا التي تشتهر بزراعة أنواع متعددة من الكرز والوشنة. وبحسب روايات تناقلها عن أجداده، فإن هذا الطبق موجود منذ أكثر من مئة عام، في العهد العثماني، لكن لا أحد يعرف على وجه التحديد من ابتكره أول مرة.

في المقابل، لا يقبل أحمد حزوري، أحد أبناء حلب، بالتشكيك في هوية الطبق، قائلاً: “الأكلة حلبية، وامتيازات الحلبية واضحة فيها. نحن الحلبية نعلن الحرب، وإذا لم نأخذ الكرز من أريحا، فسيبقى على شجره، ولن يعرف أحد ما هي الوشنة ولا ما هي الطبخة”. ويضيف مازحاً: “بعد كم يوم سيقولون إن السفرجلية والسماقية والكباب كلها من أريحا أيضاً”.

سرّ النكهة.. كيف تُطهى اللحمة بكرز؟

لا يمكن الحديث عن طبق غريب بدون ذكر سر نكهته وطريقة طبخه الخاصة التي حولته إلى تراث عريق مرتبط بمحتمع ومدينة، بهذه الروح تتحدث أم محمد الحلبية عن طريقة تحضير طبق اللحمة بكرز الذي تصفه بأنه “أحد أطيب الأطباق السورية على الإطلاق، رغم أنه أصبح نادر الوجود اليوم بسبب الغلاء المعيشي”.

تقول أم محمد: “كنت سابقاً أحضر نحو 3 كيلو من الوشنة مع كيلو من لحم الكباب، وفنجان سكر حسب الرغبة، وبعض المكسرات للتزيين مثل اللوز أو الصنوبر، بالإضافة إلى الخبز المقطّع إلى مثلثات”.

وتتابع قائلة إن الخطوة الأولى تبدأ بـ عصر الوشنة بعد نزع النوى، ثم توضع على النار مع قليل من الماء حتى الغليان، بعدها أضيف السكر وكمية صغيرة من ملح الليمون، وأحرك الخليط حتى يصبح قوامه متماسكاً وله لون داكن يميل إلى الأحمر القاني”.

في الوقت ذاته، تقوم بشوي كرات اللحم المتبلة بالملح والبهارات نصف استواء، وتوضح: “يمكن لمن لا يرغب بالشوي أن يضع كرات اللحم مباشرة في عصير الوشنة، لكن من الضروري أن تحتوي اللحمة على القليل من الدهن لتمنح الطبق نكهته الأصيلة”.

بعدها تُسقط كرات اللحم في صوص الوشنة وتترك على النار لمدة عشر دقائق فقط، لتتشرب النكهات وتتمازج المكونات.

أما في التقديم فهناك طريقة سورية وطريقة تركية، بحسب الطريقة السورية تضع أم محمد في الصحن مثلثات الخبز المحمّصة، فوقها قليل من البقدونس، ثم تسكب اللحمة مع الصوص الحامض وتزين الوجه بالمكسرات المتوفرة. أما بالنسخة التركية من الطبق تختلف قليلاً حيث يُضاف إليها دبس الرمان، وتزين بالفستق الحلبي المبشور، بينما يُقلى الخبز في الزيت قبل وضعه في الطبق.

في النهاية، مهما اختلفت طريقة التقديم، ومهما تنوعت المدن الأصلية، يبقى طعم اللحمة بكرز الأصلي مرتبطاً بالوشنة الإدلبية واللمسة الحلبية التي تمنحه سر الطعمة التي لا تنسى.

اقرأ أيضاً: الذهب الأحمر في المونة السورية.. رحلة صناعة دبس الرمان في ظل التحديات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى