القصة الكاملة لحراقات النفط في سوريا… وقود يهدد الحياة!

الكاتب: أحمد علي
رائحة الدخان التي تلتصق بالثياب ليست تفصيلاً عابراً في بعض مناطق الشمال والشرق السوري؛ إنها أثر مباشر لاقتصاد تشكّل عندما صار الوقود حاجة يومية لا تنتظر شاحنات ولا قرارات. وسط هذا الفراغ ظهرت “الحراقات”، مصافٍ بدائية تكرر النفط الخام بوسائل بسيطة لتنتج مازوتاً وبنزيناً وكيروسيناً بجودة متدنية.
وما تفعله هذه المصافي يسد نقصاً حاداً ويخلق فرص عمل، لكنه يضع المجتمع في مواجهة فاتورة صحية وبيئية واقتصادية تتراكم مع الزمن.
حراقات النفط في سوريا
المقصود بحراقات النفط في سوريا هو وحدات تكرير بدائية تُقام قرب مصادر النفط أو على طرق النقل، وتقوم فكرتها على تسخين النفط الخام داخل خزانات معدنية لساعات طويلة ثم تمرير الأبخرة عبر أنابيب تُبرَّد في الماء لتتكاثف وتُجمع على شكل مشتقات مختلفة. العملية تعتمد على نار مباشرة تحت الخزان، وأحياناً على حرق مواد رديئة، ما يرفع كثافة الملوثات في الهواء ويترك مخلفات تُرمى في التربة أو قرب مجاري المياه.
كيف بدأت ثم تمددت
لم تنشأ الحراقات كفكرة “ابتكار”، بل كاستجابة لفجوة في الإمداد، فمنذ 2011 تدهور قطاع الطاقة وتراجعت القدرة على الاستيراد، ثم فقدت الدولة السيطرة على مناطق إنتاج أساسية شرقاً عام 2012، وتضررت خطوط النقل، وباتت مناطق واسعة بلا وقود منتظم. ويحدد تقرير بحثي ميداني لمركز حرمون عام 2012 كبداية لظهور الحراقات حول الآبار في الشرق، ثم يصف انتقالها نحو الشمال الغربي حيث لا توجد مصافٍ نظامية، بينما بقيت المصفاتان الوحيدتان في حمص وبانياس خارج تلك المناطق.
مع الوقت تحولت الحراقة من حل اضطراري إلى “سوق” بحد ذاته. كل موجة شحّ في المازوت أو ارتفاع في الأسعار كانت تعيد تشغيل مواقع أُغلقت، وتدفع لافتتاح مواقع جديدة، لأن الطلب ثابت في التدفئة والنقل والزراعة، ولأن البدائل قليلة أو أغلى ثمناً.
أرقام تتبدل مع السوق
سؤال “كم عدد الحراقات؟” لا يملك رقماً واحداً، لأن الظاهرة تتحرك مع خطوط السيطرة والطلب والرقابة. ومع ذلك تمنحنا المصادر محطات تقريبية. في ريف حلب الشرقي تنقل “عنب بلدي” عن شهود محليين أن قرية ترحين ضمت نحو 700 حراقة عام 2023، قبل أن تذكر الصحيفة في 2024 أن العدد بلغ قرابة 1200، في مؤشر على سرعة التوسع حين يغيب التنظيم.
وفي شمال سوريا أيضاً ترد تقديرات بالمئات؛ فقد نقلت SciDev.Net عام 2019 رقماً يقارب 450 محطة تكرير بدائية. كما قدّر مصدر محلي لصحيفة الجزيرة عدد الحراقات في قرية شبيران بريف حلب بنحو 400.
أما في الشرق، فيشير تقرير مركز حرمون – نقلاً عن تقارير ودراسات سابقة – إلى أن مناطق سيطرة “قسد” بين عامي 2013 و2017 شهدت نحو 330 تجمعاً للحراقات بما يقدَّر بين 10 آلاف و15 ألف حراقة بأحجام مختلفة، مع بقاء مجموعات أقل تعمل لاحقاً قرب القامشلي.
ويضيف التقرير جدولاً تقديرياً يوزع أعداداً تقريبية على مناطق متعددة، ما يوضح أن الحراقة ليست ظاهرة موضعية بل شبكة ممتدة تتقلص وتتوسع بحسب الربح والمخاطر.
اقتصاد موازٍ
وراء عمل الحراقات شبكات تديره، فالنفط الخام يحتاج جهة تسيطر على الآبار أو على طرق النقل، وصهاريج، وسماسرة شراء، وأصحاب حراقات، ثم تجار توزيع يضخون المازوت “المضروب” في السوق.
ضمن هذا المسار تظهر رسوم مرور وإتاوات وتراخيص غير مستقرة تفرضها سلطات أمر واقع، وأحياناً شركات محلية تحاول احتكار توريد الفيول أو شراء الإنتاج، كما وثقت المعطيات في حالة ترحين حين تحدثت عن مساعٍ لشركة خاصة للتحكم ببيع الإنتاج وفرض قنوات محددة للتسويق.
يخلق هذا الاقتصاد وظائف وسيولة، لكنه يعمل بلا حماية، وتصف تقارير ميدانية عملاً قرب خزانات ونيران مكشوفة، مع نقص معدات السلامة، ما يجعل الانفجار أو الحرق احتمالاً دائماً. وعلى مستوى الصحة العامة، لا يتعلق الأمر برائحة مزعجة فقط؛ بل تقارير صحفية تربط انتشار أمراض تنفسية وتدهور جودة الهواء بالتكرير البدائي والتجارة بالمحروقات غير المنظمة.
اقتصادياً، قد يبدو تكرير النفط محلياً أقل كلفة، لكنه ينتج وقوداً غير مضبوط المواصفات وقد يسبب أعطالاً ويزيد الاستهلاك، ما يرفع كلفة النقل والإنتاج. ومع غياب الرقابة تتحول المنافسة إلى سباق على الأرخص، وتضيع فرصة تحصيل ضريبي منظم لصالح رسوم متفرقة لا تعود على خدمات عامة.
وفي مناطق قريبة من الحراقات تتأذى الزراعة والثروة الحيوانية بفعل التلوث والترسبات، وهو ما تناوله تقرير حرمون ضمن أثر اجتماعي واقتصادي يتجاوز حدود موقع الحراقة نفسها.
ما الذي تفعله الدولة
التعامل مع الظاهرة لا ينجح بالمنع المجرد، لأن حراقات النفط في سوريا وُلدت من فجوة في الإمداد ومن سوق يحتاج الوقود يومياً. المقاربة الواقعية تبدأ بتحويل “الضرورة” إلى “تنظيم” عبر ترخيص محدود ضمن مناطق صناعية بعيدة عن التجمعات السكانية، مع مسافات أمان وخطط إطفاء وإلزام معدات حماية، وربط الترخيص بفحوص دورية للانبعاثات وجودة المنتج، وإغلاق المواقع التي ترفض الالتزام.
الخطوة الثانية كسر حوافز السوق السوداء عبر بدائل مثل توسيع قنوات توزيع وقود نظامي حيثما أمكن، أو الاستثمار في وحدات تكرير صغيرة أكثر أماناً تعمل بمعايير معروفة، لتقليل الطلب على التكرير العشوائي.
وبالتوازي يحتاج الملف إلى تتبع سلسلة الإمداد من البئر إلى السوق، لأن الضرر لا يأتي من الحراقة وحدها بل من اقتصاد كامل يقوم على الاحتكار والإتاوات؛ والشفافية في الأسعار والرسوم توحد السوق وتقلل الابتزاز. ومن دون رصد صحي وبيئي منتظم ستبقى القرارات عمياء، لذلك يفيد إنشاء برنامج قياس لجودة الهواء والمياه حول التجمعات، يُموَّل من رسوم موحدة، ويغطي فحوصاً تنفسية مجانية ودعماً للإطفاء والإسعاف المحلي وإدارة المخلفات.
وفي المدى الأبعد، لا بد من رفع كفاءة التكرير الرسمي وإعادة تشغيل سلاسل النقل والتوزيع، لأن البديل البدائي سيبقى مغرياً ما دام الوقود النظامي نادراً أو مكلفاً جداً.
اقرأ أيضاً: النفط السوري: إنتاج يرتفع وأسعار تتراجع… ماذا يحدث؟









