حرائق مكب في طرطوس.. بين الشبهات البشرية والأسباب الطبيعية وخطر يهدد الساحل

بقلم: ريم ريّا
لم تعد أعمدة الدخان المتصاعدة من مكب وادي الهدا للنفايات على مشارف طرطوس مجرد مشهد عابر يلفت أنظار المارة، بل أصبحت مصدر قلق متزايد للسكان والمنظمات البيئية. فمع كل حريق جديد، تتجدد المخاوف من كارثة صامتة تتسرب إلى الهواء والماء والتربة، بينما تُثار تساؤلات حول الأسباب الحقيقية للحرائق: هل هي حرائق طبيعية ناجمة عن تراكم الغازات في المكب، أم أنها نتيجة أفعال متعمدة تتعلق بجمع المواد القابلة لإعادة التدوير؟ بين الاحتمالين، الخاسر الأكبر هو البيئة وسكان ما يعتبر من أكثر المناطق الساحلية حساسية بيئياً في سوريا.
هل الحرائق متعمدة أم نتيجة عوامل طبيعية؟
تشير البيانات المتداولة بين الجهات المختصة وخبراء البيئة إلى أن نسبة كبيرة من الحرائق التي تندلع في مكبات النفايات قد تكون مرتبطة بجمع النفايات بشكل عشوائي من قبل بعض الأشخاص الذين يبحثون عن المعادن والبلاستيك والمواد القابلة لإعادة التدوير. تُعرّض هذه الأنشطة طبقات النفايات للأكسجين، مما يزيد من احتمالية اشتعالها.
في المقابل، لا يمكن استبعاد الأسباب الطبيعية تماماً، إذ تُنتج النفايات العضوية المتراكمة كميات كبيرة من غاز الميثان شديد الاشتعال نتيجة تحللها المستمر. ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف وتراكم الغازات في المساحات الداخلية لمدافن النفايات، قد يحدث احتراق تلقائي، مما يُصعّب اكتشافه في مراحله المبكرة. لذلك، يعتقد الخبراء أن الحرائق الحالية قد تكون نتيجة مزيج من الأنشطة البشرية والعوامل الطبيعية، نظرًا لغياب أنظمة متطورة لمراقبة الغازات وممارسات إدارة النفايات التي تتوافق مع المعايير البيئية الحديثة.
اقرأ أيضاً: من أزمة إلى مورد اقتصادي هام: كيف يمكن حل مشكلة النفايات؟

آثار تتجاوز مدافن النفايات
لا تقتصر آثار الحرائق على مدافن النفايات نفسها، بل تمتد أيضاً إلى المجتمعات المحيطة والأراضي الزراعية وموارد المياه الجوفية. يطلق حرق النفايات المختلطة مزيجاً من الغازات والجسيمات الدقيقة والمواد الكيميائية الضارة التي قد تؤثر على الجهاز التنفسي وتزيد من احتمالية الإصابة بالأمراض المزمنة بين سكان المناطق المجاورة. وقد عبر العديد من المواطنين عن امتعاضهم من الوضع، مبدين مخاوفهم حيال انتشار الأمراض نتيجة أضرار المكب، ومعربين عن قلقهم على صحتهم وصحة أطفالهم إلى جانب قلقهم حيال الأضرار البيئية.
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي جهود مكافحة الحرائق المتكررة باستخدام المياه إلى زيادة تسرب النفايات، مما يزيد من خطر تلوث التربة والمياه الجوفية. وتتزايد المخاوف بشأن التقارير التي تفيد بتراكم ملايين الأطنان من النفايات في مكبات النفايات، بما في ذلك البطاريات والنفايات الصيدلانية والكيميائية والمعادن الثقيلة، والتي قد تصبح مصدراً للتلوث طويل الأمد. ويؤكد خبراء البيئة أن استمرار هذه الحرائق دون حل جذري قد يحول مكب النفايات إلى بؤرة خطيرة تهدد التوازن البيئي والصحي للمنطقة بأكملها.

الحلول الممكنة: الإدارة والتكنولوجيا
يرى الخبراء أن معالجة أزمة حريق مكب وادي الهدى تتطلب تحولًا من سياسات الاستجابة للطوارئ إلى استراتيجية مستدامة لإدارة النفايات. وتشمل التدابير الفورية تشديد الرقابة على جمع النفايات غير القانوني، وتأمين الموقع لمنع الدخول غير المصرح به، واستخدام أساليب مكافحة حرائق تحد من انتشار الملوثات وتمنع وصول الأكسجين إلى الحريق.
على المدى البعيد، ثمة حاجة ملحة لتطوير نظام متكامل لفرز النفايات وإعادة تدويرها واستخدامها في إنتاج الطاقة أو الصناعات التحويلية، مما يقلل من كمية النفايات المتراكمة في مكب النفايات. علاوة على ذلك، فإن إنشاء أنظمة لجمع غاز الميثان واستخدامه اقتصادياً من شأنه أن يقلل من خطر الاحتراق ويحول هذا الخطر المحتمل إلى مصدر للطاقة. ومع تكرار الحرائق وتزايد شكاوى السكان، تبدو الحلول الجذرية أكثر ضرورة من أي وقت مضى، ليس فقط لحماية البيئة، بل أيضاً لضمان سلامة آلاف السكان المحيطين بمكب النفايات الذين يواجهون آثار هذه الأزمة المتفاقمة يومياً.









