سياسة

حرائق الساحل السوري.. ما الحل الأجدى للغابات والأراضي المحروقة؟!

الكاتب: أحمد علي

في لحظة فارقة من صيف قائظ، اندلع اللهيب في قلب الساحل السوري. ولم تكن الحرائق هذه المرة اعتيادية أو عابرة كما شهدتها السنوات السابقة، بل اندفعت بقوة غير مسبوقة، واكتسحت الجبال والغابات الممتدة من الشمال الشرقي لمحافظة اللاذقية حتى أعالي جبال طرطوس. ومع تكرار المشهد، يتصدّر سؤال بالغ الأهمية الواجهة: ماذا بعد؟ وكيف يمكن معالجة ما خلفته ألسنة النار، ليس فقط من دمار للغطاء النباتي، بل من خسائر بيئية وإنسانية طويلة الأمد؟

حرائق الساحل السوري تلتهم الغابات

بدأت النيران بالتوسع السريع في السابع من تموز 2025، وسط موجة حر قياسية ورياح غربية ساعدت في تسارع الانتشار. ألسنة اللهب ارتفعت لعدة أمتار، والتهمت عشرات الهكتارات في ساعات قليلة، امتدت الحرائق لتشمل مناطق جبلية كثيفة الأشجار في ريف اللاذقية، مروراً بمواقع مثل قسطل معاف وبرج زاهية، وصولاً إلى نبع المر ووادي باصور، فيما سجلت الحرائق توسعاً باتجاه القرى المحاذية لريف طرطوس الشمالي مثل العيدو وكفرتة والنقيب ودغمشلي. ومع امتداد الحرائق، تجاوزت المساحة المحروقة خمسة عشر ألف هكتار، في مشهد جعل كثيرين يصفونه بأسوأ كارثة بيئية تضرب البلاد منذ أكثر منذ عقود.

مشهد من عمليات إطفاء الحرائق في اللاذقية
مشهد من عمليات إطفاء الحرائق في اللاذقية

وفي تعاطيها مع الأمر، أعلنت الحكومة السورية استنفاراً شاملاً، وتحركت فرق الدفاع المدني والطوارئ بكامل طاقتها، لكنها سرعان ما واجهت تحديات معقدة. فالتضاريس الوعرة وصعوبة الوصول إلى كثير من البؤر الملتهبة، بالإضافة إلى ضعف في التجهيزات الجوية، فرضت إيقاعاً بطيئاً على عمليات الإخماد. ومع كل تقدم ميداني كان هناك تراجع آخر بسبب تجدّد الحرائق في نقاط تمت السيطرة عليها سابقاً، وهو ما عزته الحكومة إلى شدة الرياح وارتفاع درجات الحرارة، بل ووجود ألغام ومخلفات حرب قديمة انفجرت أثناء تقدم الفرق الأرضية، مما تسبب في تأخير إضافي للعملية. ووسط هذا المشهد، أُجبر عدد كبير من السكان على مغادرة قراهم، فيما طوقت سحب الدخان عشرات الكيلومترات من السماء الساحلية.

الأزمة تصاعدت.. ودمشق طلبت العون

مع تصاعد الأزمة، وجّهت دمشق نداءً للمساعدة الإقليمية والدولية، وسرعان ما بدأت فرق من قطر والعراق ولبنان وتركيا بالتوافد، بعضها عبر الجو، وبعضها الآخر براً. قطر أرسلت خمس طائرات متخصصة في إطفاء الحرائق مع طواقم مدربة من وحدة «لخويا»، في حين أرسلت قبرص فرق دعم جوي، ووفرت الأمم المتحدة تمويلاً عاجلاً قدره 625 ألف دولار عبر صندوقها الإنساني لتأمين الاحتياجات الأولية لأكثر من ألفي عائلة متضررة.

الاتحاد الأوروبي، بدوره، فعّل خدمة «كوبرنيكوس» للأقمار الصناعية لرصد امتداد النيران وتقديم خرائط دقيقة لمواقع الأضرار، ما سهّل على الفرق الأرضية توجيه جهودها بشكل أفضل.

وفي الوقت الذي كانت فيه النيران تلتهم الأشجار وتحرق التراب، بدأت التصريحات الرسمية تتوالى من وزاراتي البيئة والطوارئ. أعلن وزير الإدارة المحلية والبيئة أن المرحلة الحالية لا تقتصر على إخماد النار، بل تتطلّب خطة طوارئ طويلة الأمد لإعادة تأهيل المساحات المتضررة ومنع حدوث كوارث مماثلة في المستقبل. أما وزير الطوارئ رائد الصالح فقد صرح بأن فرق الإطفاء نجحت في وقف تمدد النيران على المحاور الأساسية، مع استمرار عمليات التبريد والمراقبة الدقيقة. وفي خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، أُغلق معبر كسب الحدودي مع تركيا من الجانبين بسبب اقتراب النيران من المناطق الحدودية، وهو إجراء أمني يبرز مدى خطورة الوضع.

الجدل الأهم

لكن الجدل الأهم لم يكن حول السيطرة على الحريق بقدر ما كان حول ما ينبغي فعله بعده. كثير من الخبراء البيئيين حذروا من أن التعامل مع الأرض المحروقة يجب أن يكون مدروساً بعناية لا تُترك فيه المساحات لعشوائية التشجير أو لترك الطبيعة تعالج نفسها كما يُقال. إذ يرى هؤلاء أن إعادة إحياء الغطاء النباتي تستدعي تدخلاً مدروساً يعتمد على زراعة أنواع مقاومة للجفاف وتناسب التربة المحلية، مع تأمين حماية لها من التعرية والتصحر. وبعضهم دعا إلى تبني مفهوم «إعادة التحريج الطبيعي الموجّه»، وهو نهج يسمح للنباتات الأصلية بالعودة تلقائياً ولكن في إطار مراقبة ومساندة بيئية.

في المقابل، حذر مختصون في الزراعة من أن التربة نفسها باتت في خطر، لا بسبب احتراقها فقط، بل بفعل تعرضها للتفكك والانجراف خاصة في المناطق المنحدرة. واقترح هؤلاء تنفيذ خطط سريعة لإعادة تثبيت التربة باستخدام تقنيات التغطية العضوية، وتركيب حواجز بيئية مؤقتة لاحتواء الانجراف، وتوفير تغذية عضوية تعيد للتربة خصوبتها قبل التفكير بإعادة التشجير. أما من الجانب الأمني، فقد أُثيرت مسألة الألغام المزروعة في بعض المواقع المحروقة والتي انفجرت أثناء مرور فرق الإطفاء، ما دفع إلى المطالبة بحملة تمشيط هندسي شاملة لتأمين الأراضي قبل أي تدخل زراعي أو بيئي لاحق.

حين لا يكون التشجير الفوري هو الحل

وقبل الاستسلام للعاطفة الجيّاشة التي تدفع البعض إلى النزول الميداني وزرع الغرسة الأولى فوق الرماد مباشرة، لا بدّ من وقفة عقلانية تُعيد تعريف الأولويات. في هذا الصدد، يقول الدكتور السوري عبد الرحمن صالح، المختص في التقانة الحيوية والغابات، إن العجلة في التشجير قد تضرّ أكثر مما تنفع، خاصة إذا جاءت كردّ فعل عاطفي لا يستند إلى المعطيات العلمية والبيئية. فدعوات إعادة التشجير «من بكرا الصبح» تحمل في طيّاتها نوايا نبيلة، لكنها قد تنتهي بتبديد الغراس والمياه والطاقة البشرية في مغامرة خاسرة، والسبب بسيط: الأرض المحروقة ليست جاهزة بعد.

التجدد الطبيعي، كما يوضّح صالح، هو عملية بيئية دقيقة، تتمكن فيها الغابة من استعادة نفسها دون تدخل مباشر. البذور التي سقطت قبل الحريق، والجذور التي ما زالت حيّة تحت الأرض، تمتلك القدرة على بثّ الحياة من جديد بمجرد توفّر الظروف المناسبة، وخاصة مع أولى زخات المطر. أشجار كالسنديان والخروب معروفة بمرونتها، إذ تطلق براعم جديدة من الجذور بعد مرور الكارثة، ما يجعل من الترقّب والمراقبة خيارًا علميًا لا تقاعسًا. إدخال غراس جديدة في مرحلة ما بعد الحريق، من دون التأكد من توفّر مياه كافية وريّ منتظم، لا يعني سوى الحكم على تلك الغراس بالفشل، مهما كانت جودتها أو أصالتها الوراثية.

المشكلة الأكبر، بحسب صالح، تكمن في التصوّر الخاطئ بأن التشجير السريع دليل وطنيّة أو مبادرة بطولية. الحقيقة العلمية تقول العكس تماماً: لا جدوى من زراعة ألف غرسة إذا كانت كل واحدة منها تحتاج لخمسين لتراً من المياه أسبوعياً، في وقتٍ يعاني فيه الساحل من موجة جفاف خانقة. إن لم نضمن الريّ، فسيفشل المشروع، ونفقد معها ليس فقط المياه والغراس بل ثقة الناس أيضاً. وهنا، تتحوّل النية الحسنة إلى عبء مادي وبيئي يصعب تبريره.

ووفق رأي الدكتور صالح، وهو ابن منطقة اللاذقية، فإن البديل المنطقي يبدأ من المراقبة، من تتبّع العلامات الأولى للتجدد الطبيعي، ومن دراسة المنطقة لمعرفة ما إذا كانت بحاجة إلى مساعدة بشرية، أو قادرة على النهوض من تحت الرماد وحدها. وإن تقرّر التدخّل لاحقًا، فليكن باستخدام أنواع محليّة مقاومة للجفاف، كالبطم والخروب، وفي مساحات مدروسة تسمح بالمتابعة والريّ، لا من أجل استعراض صور على فيسبوك وإنستغرام، بل بهدف استعادة التوازن البيئي فعلاً.

وفي حديثه عن التجارب الدولي، قال: التجارب الدولية، مثل التركية والأوروبية، قدّمت نماذج متقدّمة فيما يُعرف بـ «البذر الجوي»، أي رمي البذور من الطائرات في مناطق يصعب الوصول إليها، لكن حتى هذه الوسائل تحتاج إلى توقيت محسوب وبذور مناسبة للموقع. الفكرة ليست في ملء الفراغ بالغرس، بل في زرع الأمل بعقلٍ واعٍ وخطة طويلة الأمد، لأننا لا نزرع شعاراً، بل حياة، ولا نبحث عن لقطة عابرة، بل عن استدامة تستحقّ الجهد.

إعادة الحياة إلى الرماد

الحرائق، في لحظاتها الأشد، كشفت بوضوح ثغرات خطيرة في آليات الاستجابة والتخطيط المسبق، لكنها في الوقت ذاته أعادت طرح مسألة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وسلطت الضوء على ضرورة بناء منظومة وطنية لإدارة الكوارث البيئية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بموسم صيفي أو موجة حر عابرة، بل بمنظومة كاملة تشمل التشجير، وإدارة الموارد المائية، وتعزيز قدرات الدفاع المدني، والتنسيق مع الدول المجاورة والمنظمات الأممية.

الآن، وقد أعلنت الحكومة السورية أن الحرائق تحت السيطرة، تبدأ المهمة الأصعب: إعادة الحياة إلى الرماد، وتحويل الأرض السوداء إلى خضراء من جديد. لكن هذا لن يكون ممكناً إلا بإرادة سياسية واضحة، وتمويل، وخطة وطنية قائمة على أسس علمية لا على مجرّد نوايا حسنة. فالساحل لا يحتاج إلى تعاطف اليوم، بل إلى تخطيط ذكي ورؤية استراتيجية تعيد لسوريا رئتها الخضراء، وتمنع اشتعال النيران مرة أخرى، لا في الغابات فقط، بل في وجدان وطن تعب من الأزمات.

اقرأ أيضاً: تحقيقات أحداث الساحل السوري: بين التأجيل وآمال تحقيق العدالة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى