حرائق الحسكة… احترق الموسم قبل وصوله للصوامع فمن يعوض؟

بقلم: ريم ريّا
في الحسكة، لا تقتصر حرائق الحقول على مجرد لهيب يلتهم سنابل القمح أو الشعير. فبالنسبة للمزارعين، تعني هذه الحرائق ضياع شهور من العمل والانتظار والديون والنفقات التي بدأت مع اليوم الأول من الموسم الزراعي. لذا، عندما يندلع حريق في حقل، لا يخسر المزارع محصوله فحسب، بل يخسر أيضاً رأس المال الذي كان يعتمد عليه لبدء الموسم التالي. ومع استمرار الحرائق طوال موسم الحصاد الحالي، ظهر سؤال على السطح، لماذا تتكرر هذه الكارثة رغم الاستعدادات؟ هل تكمن المشكلة في الاستجابة، أم أن التحديات أكبر من الموارد المتاحة؟ ومن يعوّض المزارع؟
الأرقام تكشف حجم الخسارة في حرائق الحسكة
بحسب بيانات إدارة إطفاء الحسكة، بلغت المساحة المتضررة بين 24 أيار و26 حزيران حوالي 33016 دونماً، موزعة كالتالي، 1795 دونماً من القمح، و999 دونماً من الشعير، و30222 دونماً من مخلفات المحاصيل. كما تعامل رجال الإطفاء مع 262 حريقاً خلال شهر واحد فقط، طالت الأراضي الزراعية والمنازل والآلات الزراعية والمركبات ومحولات الكهرباء.
قد تبدو هذه الأرقام مجرد إحصاءات، لكنها في الواقع تمثل مئات الأسر التي فقدت جزءاً من دخلها السنوي، وآلاف الأطنان من المنتجات الزراعية التي أُهدرت من اقتصاد المحافظة، التي تُعدّ من أهم مناطق إنتاج القمح في سوريا.
هناك حل… لكن النار أسرع
لا شك أن السلطات المختصة قد رفعت مستوى استعدادها هذا الموسم. فقد تم إرسال فرق الإطفاء إلى عشرات المواقع، ويشارك ما يقارب 40 فرداً في عمليات مكافحة الحرائق، مدعومين بعشرات المركبات وشاحنات المياه. كما ساهم السكان المحليون والبلديات، وحتى بعض الوحدات العسكرية، في احتواء عدد من الحرائق. مع ذلك، فإن المشكلة التي يتحدث عنها المزارعون ليست نقص الاستجابة، بل عامل الوقت.
في المناطق الزراعية المفتوحة، يمكن لحريق صغير أن يتحول إلى كارثة كبرى في غضون عشر دقائق فقط، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وهبوب رياح قوية خلال فصل الصيف. لذلك، يعتقد العديد من المزارعين أن المشكلة الحقيقية تكمن في مساحة الأراضي الزراعية مقارنة بعدد مراكز الإطفاء، مما يصعب الوصول إلى بعض القرى النائية، بغض النظر عن جاهزية الفرق. لهذا السبب، يصف بعض السكان جراراتهم الزراعية وشاحنات المياه المحلية بأنها “خط دفاعهم الأول”، وغالباً ما يبدأون جهود مكافحة الحرائق قبل وصول سيارات الإطفاء الرسمية.
اقرأ أيضاً: حرائق المحاصيل في سوريا.. سباق سنوي لحماية الموسم الزراعي
بين السطور… لماذا تتكرر الحرائق كل عام؟
على الرغم من اختلاف الروايات حول أسباب الحرائق، إلا أن الصورة العامة تشير إلى أن المشكلة ليست ظاهرة جديدة. بعض الحرائق تنجم عن شرارات من آلات الحصاد أثناء تشغيلها، وبعضها الآخر عن أعطال كهربائية أو أسلاك غير منتظمة، بينما تبقى أسباب أخرى مجهولة أو غير موثقة بشكل كافٍ.
مع ذلك، يعتقد الخبراء أن العامل الأهم هو غياب نظام شامل للوقاية من الحرائق يُطبّق قبل موسم الحصاد. في البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة، تبدأ برامج الحماية قبل أشهر من الحصاد، وتشمل نشر خزانات مياه متنقلة، وإنشاء مناطق عازلة بين الحقول، وتدريب فرق المتطوعين المحليين، وإقامة مراكز إطفاء مؤقتة بالقرب من المناطق الأكثر عرضة للخطر. أما في الحسكة، فتركز معظم الجهود على الاستجابة للحرائق بعد اندلاعها، بدلاً من منعها من الأساس.
خطر الحرائق لا يتوقف ضرره عند القمح وحسب
عندما تحترق الأراضي الزراعية، لا يخسر المزارعون محصول القمح فحسب. كما يتكبد المزارعون خسائر في تكاليف البذور والأسمدة والوقود والحرث والحصاد والنقل وأنظمة الري والمعدات الزراعية. في كثير من الحالات، يقترض المزارعون أو ينفقون مدخراتهم خلال الموسم، على أمل تعويضها بعد بيع محاصيلهم. لذا، فإن خسارة المزرعة تعني أحياناً خسارة رأس المال بالكامل.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو ارتفاع تكلفة الاستبدال بشكل غير مسبوق. فاستبدال المعدات التالفة، وإصلاح شبكات الري، أو تجهيز الأرض للموسم الجديد، كلها أمور تتطلب مبالغ طائلة يصعب على العديد من المزارعين تحملها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
السؤال الذي ينتظر الإجابة.. من سيعوض المزارعين؟
حتى الآن، تواصل وزارة الزراعة تقييم الأضرار وتسجيل المتضررين، دون الإعلان عن خطة تعويض محددة أو جدول زمني لدعم المزارعين. وهذا هو مصدر القلق الأكبر لأصحاب الأراضي. فبالنسبة لهم، لا تكفي الإحصاءات وحدها ما لم تترجم إلى إجراءات عملية تساعدهم على استئناف الإنتاج.
يؤكد الخبراء على ضرورة ألا تقتصر أي خطة تعويض على المدفوعات النقدية فحسب، بل يجب أن تشمل أيضاً توفير البذور والأسمدة والوقود وقروض زراعية ميسرة. فالهدف ليس فقط تعويض خسائر الموسم السابق، بل ضمان استمرار الموسم التالي.
تظهر حرائق الحسكة هذا العام أن المحافظة لا تزال تواجه المشكلة نفسها التي تتكرر مع كل موسم حصاد. ورغم أن رجال الإطفاء تمكنوا من منع العديد من الحرائق من التحول إلى كوارث أكبر، إلا أن حجم الضرر يؤكد أن الاستجابة وحدها غير كافية.
المشكلة الحقيقية ليست في عدد الحرائق التي تم إخمادها، بل في عدد الحرائق التي يمكن منعها قبل اندلاعها. إلى أن يتحقق ذلك، سيعيش مزارعو الحسكة كل صيف بين انتظار الحصاد والخوف من أول شرارة، بينما يبقى ملف التعويض لآلاف العائلات التي فقدت جزءاً من مصدر رزقها في غضون دقائق معدودة قائماً.









