“حب على ورق” يفتح جدلية الدراما المعربة

بقلم هلا يوسف
عندما نقول دراما سوريّة، تأخذنا ذاكرتنا نحو الأحياء الدمشقية القديمة، والمحافظات السورية التي لطالما عرفنا معالمها وحفظناها من خلال المسلسلات التي كنا نشاهدها. وحتى المواضيع التي كانت تشبه يومياتنا ومشكلاتها، حتى كنا نتأثر في المسلسل لأيام بعد انتهائه. لكن اليوم تبدو الدراما المشتركة أو المعربة مختلفة تماماً عنا، على الرغم من حب الناس لها، وانتشارها على مساحة الوطن العربي.
فمع بداية أولى حلقات مسلسل حب على الورق الذي يتصدر أبطاله ممثلين سوريين، عاد النقاش حول الدراما المعربة، والانتقادات التي توجه لها، مع دفاع المحبين عنها، ودوبلاج المسلسلات التركية التي كانت مرحلة انتقالية بين الدراما السورية القديمة والدراما المعربة.
حب على الورق.. أحدث المسلسلات المعربة
مع استمرار تحقيق الدراما التركية المعربة الانتشار الواسع، كان الجمهور العربي على موعد مع بداية مسلسل جديد تحت عنوان “حب على الورق”، وأبطاله النجمين السوريين أنس طيارة وهيا مرعشلي إلى جانب مجموعة من الممثلين السوريين واللبنانيين، وهو النسخة العربية من المسلسل التركي الشهير “أنت تطرق بابي”.
المسلسل من إنتاج شبكة MBC، وتدور أحداثه حول فتاة لديها طموح كبير، لكن تتغير حياتها مع لقاء غير متوقع برجل أعمال ثري وجدّي. ومع تتابع الأحداث يجدان نفسيهما مضطران لتمثيل علاقة حب قبل أن تتحول القصة إلى قصة حب حقيقية، بحوادث طريفة وكوميدية.
وأخذ المسلسل ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد المشاهد الرومنسية التي جمعت هيا مرعشلي وأنس طيارة. ومع الاحتفال الذي تم إقامته في دمشق، والذي ضم نجوم العمل، برز حجم الرهان الذي يضعه صناعه ليكون من أبرز المسلسلات المعربة في الموسم الحالي.
الدراما التركية.. عالم مختلف بصرياً
بعد بداية هذا المسلسل، تم إعادة النقاش حول أسباب نجاح الدراما التركية سواء الأصلية أو المعربة في المنطقة العربية، على الرغم من المشاهد البصرية التي تختلف تماماً عن الواقع العربي، وتبتعد عن الحياة اليومية التي يعيشها الجمهور العربي، حتى بعد عملية تعريبه.
فعند تذكرنا بداية دخول الدراما التركية إلى الوطن العربي، كانت عبر عملية الدوبلاج وإعادة إنتاجها. وجذبت الجمهور بصرياً من خلال التصوير الجميل والإنتاج الضخم ومواقع التصوير الجذابة. فأسلوب الحياة، وطبيعة العلاقات، وحتى شكل البيوت والشوارع، كانت مختلفة عن البيئة التي يعيش فيها المشاهد العربي. ومع ذلك، بقي الإقبال عليها كبيراً، لأنها قدمت نوعاً من الترفيه المختلف عن المعتاد.
لكن بالرغم من نجاحها وإعادة إنتاجها بوجوه ممثلين عرب، إلا أنها بقيت القصة الأصلية لا تنتمي للبيئة العربية، مما جعل بعض التفاصيل غير واقعية حتى في النسخة المعربة.
كيف بدأت مرحلة الدوبلاج؟
كما ذكرنا في الفقرة السابقة، كانت بداية التحول نحو الدراما التركية عبر عملية الدوبلاج، فقد كان مسلسل “نور ومهند” أول هذه الأعمال. وتشير الفنانة لورا أبو أسعد أنه عندما تم طرح مشروع دبلجته من قبل المنتج أديب خير، وبعد موافقة استوديوهات MBC عليه، تم اعتماد اللهجة السورية البيضاء للدوبلاج.
ومع نجاح هذه الخطوة، أصبح العمل الأجنبي أقرب إلى الأذن العربية، وأسهل في المتابعة. مما أدى إلى توسع الأعمال التركية، وإنتاج مسلسلات مدبلجة أكثر مثل مثل “سنوات الضياع” و”حريم السلطان” و”وادي الذئاب”. وبذلك تم فتح باب ارتباط الجمهور العربي بالدراما التركية بشكل أكبر.
وهنا يرى الصحفي والناقد الفني ابراهيم سلوم أن هذه المرحلة لم تكن مجرد ترجمة صوتية، بل كانت نقطة تحول حقيقية في ذوق المشاهد العربي، حيث بدأ يتقبل هذا النوع من الدراما ويعتاد عليه بشكل تدريجي، مما مهد لمرحلة جديدة في الدراما العربية بعد ذلك.
من الدوبلاج إلى التعريب الكامل
بعد سنوات من الاعتماد على الدوبلاج، بدأت الأعمال تتراجع لصالح الأعمال المعربة. فقد تغير ذوق الجمهور، وظهرت تقنيات جديدة في صناعة المحتوى، كما دخل الذكاء الاصطناعي إلى بعض مجالات الصوت والإنتاج.
وهنا بدأت شركات الإنتاج تفكر بطريقة مختلفة، فبدل الاكتفاء بدبلجة العمل، لماذا لا يتم إعادة إنتاجه بالكامل؟ وهكذا ظهرت مرحلة “التعريب”، وهي نقل القصة من بيئتها الأصلية إلى بيئة عربية، مع ممثلين عرب وإنتاج جديد بالكامل.
والفكرة كانت بسيطة جداً، فما دام العمل نجح في السابق، فمن المنطقي إعادة تقديمه بدل المخاطرة بقصة جديدة غير مضمونة النجاح. وهنا ظهر مسلسل “عروس بيروت” المأخوذ من “عروس إسطنبول”، و”لعبة حب” من “حب للإيجار”، بالإضافة إلى أعمال أخرى.
رؤية الإنتاج.. بين الأمان والمخاطرة
يشرح الناقد الفني مروان حسين أن هذا النموذج يعتمد على ما يمكن تسميته “استيراد القصة الجاهزة”. أي أن الفكرة الأساسية تكون ناجحة مسبقاً، ويتم إعادة تقديمها في قالب عربي جديد. وهذا النوع من الإنتاج قد يصل أحياناً إلى 90 حلقة، مع توسع في الأحداث وإضافة تفاصيل تناسب النسخة العربية.
ويؤكد أن هذه الطريقة توفر لشركات الإنتاج نوعاً من الأمان، لأنها تعتمد على قصة مجربة، وليست فكرة جديدة مجهولة النتائج. كما أن هذه الأعمال تتميز بإنتاج ضخم، من حيث الصورة، والإضاءة، والمواقع، وهو ما يجعلها قادرة على جذب الجمهور بسهولة.
ومن ناحية ثانية، يرى حسين أن هذا النموذج له الفضل في خلق فرص عمل واسعة في مجالات التمثيل والإخراج والتصوير والإنتاج، وفتح الباب أمام الممثل العربي للظهور في أعمال ذات مستوى إنتاجي مرتفع.
الدراما المعربة كصناعة اقتصادية
لم يعد يُنظر إلى الدراما المعربة بنظرة الفن الذي كان منتشر سابقاً، فقد أصبحت هذه الدراما صناعة اقتصادية قائمة على حسابات واضحة. فالمعادلة هنا تقوم على فكرة العمل الناجح مسبقاً، مع الإنتاج الضخم، ووجود نجوم معروفون، يُنتج عمل ناجح بنسبة كبيرة. وهذا ما جعل الدراما المعربة تنتشر بسرعة، وتحقق نسب مشاهدة عالية في العالم العربي.
ويرى المؤيدون أن هذه الأعمال ساهمت في تطوير الشكل البصري للدراما العربية، من خلال تحسين جودة الصورة، وتطوير الإخراج، وتسريع الإيقاع الدرامي. عدا عن أنها قدمت نوع من الترفيه العائلي المناسب لكل أفراد الأسرة، مما جعل جمهور واسع.
الانتقادات.. أين الواقع من هذه القصص؟
لم تكن الأعمال المعربة بعيدة عن الانتقادات الفنية، وكانت الواقعية هي إحدى الأسلحة التي وجهت لهذه الأعمال. فبحسب الناقد الفني سلوم أن المشكلة الأساسية ليست في الجودة التقنية، بل في الهوية والمحتوى. فهو يرى أن هذه الأعمال تنقل قصصاً من بيئات اجتماعية مختلفة، مما يجعلها أحياناً بعيدة عن الواقع العربي الحقيقي.
كما أن التركيز على الرفاهية والقصور والصراعات العاطفية يجعلها مختلفة عن حياة الناس اليومية، التي تمتلئ بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
في حين يوضح محمد خليل، مدير عمليات الإنتاج في شركة “المدار للدوبلاج”، أن الدراما المعربة أثرت بشكل مباشر على سوق الدوبلاج. فبعد أن كانت الاستوديوهات تعمل على دبلجة عشرات الأعمال التركية، تراجع هذا المجال بشكل واضح مع تحول الشركات إلى إعادة إنتاج الأعمال بدل دبلجتها. ويطرح سؤالاً واقعياً: إذا كنا نعيد إنتاج القصة من البداية، فما هي الحاجة إلى الدوبلاج؟
التأثير الاجتماعي والنفسي على الجمهور
لم تقتصر الانتقادات على الجانب الفني والمهني فقط، بل تخطتها إلى الجوانب النفسية والاجتماعية. فبرأي الاختصاصية النفسية رزان المصري تكرار أنماط معينة مثل الخيانة والصراعات الطبقية في هذه الأعمال قد يؤدي إلى تطبيعها مع الوقت داخل وعي المشاهد. عدا عن المقارنات التي سيعيشها المشاهد بين عالم مثالي جميل على الشاشة، وبين واقع مختلف تماماً في حياته اليومية، مما قد يخلق شعوراً بالاغتراب أو الرغبة في الهروب إلى هذا العالم.
ويضيف الناقد الفني سلوم أن طول هذه الأعمال وكثرة حلقاتها يجعل الجمهور مرتبطاً بها لفترات طويلة، مما يقلل اهتمامه بالدراما المحلية التي تعكس واقعه المباشر.
بينما ذهب نقاد آخرون نحو السؤال عن الهوية، فقد أشار الناقد والكاتب الفلسطيني-السوري سلام نصار أن الكثير من التفاصيل البصرية والدرامية في هذه الأعمال لا تنتمي للواقع العربي، بالرغم من وجود بعض نقاط التشابه الثقافي مع المجتمع التركي. ونوه أن المشكلة لم تكن في الاقتباس لأن هناك أعمال مسرحية ودرامية مقتبسة، إلا أن المشكلة في طريقة نقل القصة دون إعادة صياغتها بما يناسب هوية المجتمع المستهدف.
في النهاية، لا أحد يشك بنجاح الدراما المعربة، والدليل على ذلك استمرار الاندفاع لمشاهدتها مع انطلاق المسلسل الأخير “حب على ورق”، لكن المشكلة في وضع البصمة العربية لهذه الأعمال. وعلى الرغم من أن العديد من الفنانين أشاروا إلى صعوبة هذه الأعمال لأنها تخضع لعملية مقارنة بين الممثلين العرب والأتراك، إلا أن غيرهم أكدوا أنها من أسهل أنواع التمثيل لأنها تعتمد على محاكاة شخصيات النسخة التركية.
اقرأ أيضاً: مسلسل آسر يجمع نخبة النجوم السوريين بعمل درامي مشوق









