حال اللاجئين السوريين: بين العودة والبقاء.. هل يتحول الوطن إلى غربة؟

بقلم: ديانا الصالح
عام على سقوط الأسد وسلطته.. عامٌ من الاحتفالات والأهازيج..فرحة غامرة لقلوب المواطنين عامة واللاجئين السوريين خاصة، فمنذ إعلان التحرير بدأت أحلام النازحين تتكون حول العودة وتقبيل تراب الوطن، مُعلنين إنهاء سنوات العجاف، وبداية مرحلة جديدة نحو الحياة التي لطالما اشتاقوا للعودة إلى طبيعتها، ولكن سرعان ما خفّ وهج وحرارة اللقاء لدى العديد منهم، ما إن تمت مناقشة العودة أو البقاء، ليقعوا بين البِيْنين.
نستعرض وإياكم خيارات العودة والبقاء من زوايا شخصية وإنسانية، مع طرح العديد من القضايا التي تتطلب الوقوف عندها والاعتراف بوقْعها المؤلم على مختلف أبناء الوطن الواحد، ليُطرَح في هذا السياق تساؤل هام: “هل العودة للوطن بهذه السهولة؟ وماذا عن الدمار والاقتصاد المُنهك؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
حال اللاجئين السوريين بين البَيْنَين
لا شكّ أن العودة غير المدروسة للاجئين السوريين، في ظل دمار واسع للبنية التحتية الأساسية وتعثّر جهود إعادة الإعمار، قد تفتح الباب أمام كارثة إنسانية جديدة، فالمسألة أعقد بكثير مما تُصوَّر، فأين البيوت؟ أين الأبنية التي هُدمت أو تهالكت؟ ما حال الكهرباء والمياه؟ ومن أين يأتي مصدر الرزق؟وما هو الأساس التفاؤلي الذي قامت عليه السلطات اللبنانية في عودة اللاجئين السوريين للوطن علماً أنه لا يوفّر لهم أدنى مقوّمات الحياة؟
قبل الدفع نحو قرارات ضاغطة تُثقل كاهل اللاجئين وتضاعف توترهم، لا بد من قراءة شاملة للوضع السوري، فهل نقف مكتوفي الأيدي أمام احتمال نشوء موجة نزوح داخلي جديدة مع عودة اللاجئين السوريين، لتتحوّل الغربة الخارجية إلى غربة داخل الوطن؟
الحلول الجدية يجب أن تتصدّر المشهد، بدءاً من إعادة الإعمار في سوريا وتحسين الظروف المعيشية بالتعاون الدولي، وصولاً إلى إيجاد إجراءات إسعافية تسبق عودة اللاجئين، مثل إنشاء مراكز إقامة إنسانية مؤقتة، وتقديم دعم مالي ومعنوي فعلي، وتفعيل دور المنظمات الإنسانية.
فالمساعدات داخل سوريا لا تزال عاجزة عن تغطية الاحتياجات المتفاقمة، ما يجعل تعزيزها ضرورة ملحّة، إلى جانب توفير مساكن مؤقتة والعمل على خلق فرص عمل للأعداد المتزايدة من العائدين ما يستدعي تحركاً سريعاً لدفع عجلة إعادة الإعمار وإشراك السوريين فيها، بما يمنحهم فرصاً عملية عبر الانخراط في عملية الإعمار ذاتها.
إثبات الملكية واستيطان البيوت
تشكّل قضية الملكية واحدة من أخطر الملفات التي تعيق عودة اللاجئين السوريين، فالكثير من المنازل دمّر أو تضرّر بشكل كبير، كما ظهرت خلال سنوات الحرب ظاهرة استيطان المنازل الخالية بعد نزوح أصحابها، بعض البيوت استُولي عليها، وبعضها الآخر بيع لأشخاص جدد، ما يترك العائد أمام صدمة نفسية قاسية يصعب تجاوزها.
وتعتبر مدينة حمص مثالاً واضحاً على شيوع هذه الظاهرة، حيث يفتح كثير من العائدين أبواب منازلهم ليجدوا غرباء يسكنون فيها، دون قدرة على المطالبة بحقهم لكونها مباعة وأغلبهم لا يملكون أوراق إثبات ملكية.
هذه الأزمة وحدها تكفي لتبرير التريّث قبل اتخاذ أي قرار بإعادة اللاجئين السوريين دون خطوات حقيقية لتعبيد الطريق المسبق أمام العائدين، وذلك قبل مطالبة من فرّ هرباً من الحرب بالعودة إلى آثارها القاسية، فالعودة بهذا الشكل ليست عودة إلى الحياة، بل إلى مواجهة جديدة مع جراح لم تلتئم بعد.
حكاياتٌ سوريّة
أحمد.س “غربة وطن”
عاد أحمد.س إلى سوريا، لمدينة حمص وتحديداً تلكلخ، بعد أعوام طويلة قضاها لاجئاً في مخيم برج البراجنة ضمن لبنان، يقول أحمد إن اللحظة التي وطأت قدماه فيها الحدود السورية كانت أثقل من أن يحتملها: “انهارت دموعي عند الحدود… حنين وقهر متراكم 14 سنة، مهما كانت مغريات البقاء، الكرامة هي الوطن، لا شيء يشبه سورية ولا السوريين”.
لكن فرحته تلك سرعان ما اختفت، فالوطن الذي حمل صورته معه طوال سنوات الغربة بدا موجوعاً، يحمل ندوباً لم يعرفها من قبل، “استقريت ببيتي في تلكلخ، لكن مشاعري أصبحت متناقضة، أفرح لأني عدت للمكان الذي تربيت فيه، أو أحزن لأن سوريا لم تعد كما تركتها.”
أكبر هواجسه اليوم هو العمل، فقبل اللجوء كان يملك دكاناً صغيراً يسترزق منه، إلى جانب وظيفته كحارس في مديرية تربية حمص، أما الآن، فهو بلا وظيفة ولا مصدر رزق: ” لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أستعيد ما فقدته.”
فراس.ع “حياة مرهونة بانتظار”
يعيش فراس.ع مع أهله في لبنان، بينما تقيم عمّاته في مخيم البداوي الفلسطيني بطرابلس، وقد استقرت حياتهم هناك ولا ينوون العودة، أما بالنسبة له فيرى أن منطقته أبو الضهور في إدلب لم تعد مناسبة للعيش، خاصة مع التراجع المأساوي حسب وصفه للوضع الأمني والمعيشي إضافة إلى انعدام فرص العمل فيها، فضلاً عن تضرر منزله هناك، ما يرفع من حجم مسؤوليته المادية والمعنوية، قائلاً: “لن أفكر بالعودة قبل أن تستقر الأوضاع الأمنية”.
اليوم يقيم فراس مع أسرته في زغرتا، يمارس عمله في التغليف والتوزيع ضمن معمل للتمور، ويصف وضعه بأنه “على ما يرام إلى حد ما”، تزوّج من جديد، وزوجته تعمل في أرض زراعية، بينما يبقى مستقبله مرهوناً بتحسن الظروف الأمنية وفقاً لرأيه.
أم حسن “عودة مؤجلة”
تروي أم حسن رحلة عمر بدأت منذ ثلاثين عاماً، حيث كان زوجها يعمل في محطة وقود بمنطقة زغرتا اللبنانية وحده دون اصطحابها وأولاده، يرسل لها المصاريف التي تسدّ حاجتهم، كما اعتاد على زيارتهم كل شهرين، لكن مع تصاعد الأحداث في شمالي حلب، اضطرت أم حسن للهروب بأولادها الخمسة إليه.
المعاناة هناك تضاعفت حتى وجد زوجها عملاً في مزرعة أبقار، صاحب المزرعة “ابن حلال”، كما تصفه، خصّص لهم بيتاً صغيراً من غرفتين داخل المزرعة، بسقف من التوتياء، لكنه كما تقول يبقى أفضل من الإيجارات التي تفوق طاقتهم.
خمسة أعوام مضت على وفاة الزوج، تاركاً وراءه جرحاً لا يلتئم بسهولة، استلمت أم حسن العمل في المزرعة بدلاً عنه، بمساعدة ابنها الأكبر الذي بلغ العشرين، بينما تعمل ابنتها الأصغر منه بعام في الأراضي الزراعية بأجرة يومية، وبقية أولادها في المدارس. “المدارس لوحدها حكاية همّ أخرى”.
ومع التحرير، تفكر بالعودة إلى بلدها بعد انتهاء فصل الشتاء، لكن القلق يشغل قلبها: “الإجراءات الأخيرة في لبنان بدأت تضيق علينا، العودة لبلدي هي الخيار الأمثل، لكن الخوف من المعيشة والعمل يلاحقني باستمرار، لا أعرف كيف سأبدأ من جديد، ولا كيف سأؤمّن حياة أولادي”.
أرقام تعكس الواقع
وفقاً لتحقيق استقصائي أجراه المجلس النرويجي للاجئين على عينة من 100 سوري من العائدين، خلال الشهر الخامس 2025، أفاد بأن نسبة 60% منهم صُدِموا بتدمير منازلهم، بينما أكد 40% عدم امتلاكهم للبيوت، مع الإشارة إلى أن آثار الدمار منتشرة بشكل أكبر في الأماكن الريفية للبلاد، كما أفاد المجلس بورود شكاوى سوريين حول أزمة الخدمات الرئيسية كالمدارس والمرافق الصحية والطبية في أماكن عودتهم ضمن سوريا.
بينما أكدت المنظمة الدولية للهجرة استمرار عيش أعداد كبيرة من السوريين ضمن خيم أو مساكن مؤقتة كالملاجئ أو في الأبنية المتعرضة للأضرار والأذية الكبيرة، والتي سجلت استقرار أكثر من نصف النازحين في الداخل السوري ضمنها.
كما نقل المجلس شهادة أحد العائدين إلى إدلب، والتي تفيد بأن الأشخاص الذين عادوا لموطنهم سرعان ما يقررون العودة لبلاد الغربة بعد صدمة الواقع الجديد حسب تعبيره، فيما وردت معلومات للمجلس النرويجي عن وفاة امرأة نتيجة لانهيار سقف منزلها بعد محاولة إزالة أنقاضه.
ختاماً، يتضح أن عودة اللاجئين السوريين لبلدهم، مشروطة بإعادة الإعمار وتوفير مقومات الحياة الأساسية التي تجعل من عودتهم محركاً أساسياً لاقتصاد الوطن، بدلاً من الأعباء الإضافية التي تجعل من المواطن السوري باحثاً عن لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة.
اقرأ أيضاً: ضجيج النقد الدولي في سوريا .. مفتاح الخلاص أم تكرار للمأساة؟









