المجتمع السوري

“جيل z” السوري.. هل يعيد تشكيل الواقع في البلاد!

ما الأدوات التي يملكها "جيل z" السوري لتغيير الواقع في البلاد!

بقلم: ريم ريّا

“جيل z” السوري ولد بين أصوات القصف ورائحة البارود، محارباً منذ الصغر أزمات الكهرباء والمحروقات، وشاهداً على طوابير الخبز وتأمين الحاجات الأساسية، جيلٌ كاملٌ مشوه الطفولة والشباب لم يعرف من طفولته سوى الحرب وأنواع الأسلحة وطرق الاختباء والحماية.

أبناء التسعينات وبداية الألفية الجديدة، عاشوا سنوات الطفولة والمراهقة وسط نزاعٍ لم يرحم أحد. تشكلت شخصيتهم وفقه على وقع الدمار والنزوح والانقسام. لكنهم جيل رغم ما واجهوا من تعليم متقطع وضغوط نفسية، نهضوا من تحت الركام يحملون أدواتهم التي خلقوا معها (الوعي الرقمي، شغف المعرفة وحب الاستكشاف، القدرة على التكيف) للنهوض بواقعٍ أثقل كاهلهم وبدد أحلامهم.

هذا الجيل لا يشبه من سبقه، جيلٌ لا ينتظر الدولة لتمنحه الأمل، غير تقليدي، يبحث عن نفسه ويكتشفها لا يُلقن من يكون كسابقيه ولا يرث الصمت كأسلافه ويستكين. جيلٌ يحاول أن يعيد تعريف المجتمع والمواطنة في بلادٍ فقدت الكثير من ملامحها.

لمحة عن “جيل z” بالعموم وما الذي يميزه عن باقي الأجيال

يضم “جيل z” الأفراد المولودين ما بين منتصف تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. ووفقاً لمركز “بيو” للأبحاث، تُحدد هذه الفترة عادة بين عامي 1997 و2012، وهي مرحلة زمنية تميزت بالانتشار الواسع للهواتف الذكية، وبروز وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، بحيث أصبح التواصل الفوري والوجود الرقمي جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم الاجتماعي والثقافي.

هذا الجيل يأتي بعد جيل الألفية أو ما يعرف بالجيل “واي”، المولود بين 1981 و1996، وقبل “الجيل ألفا”، الذي يُشير إلى مواليد الفترة ما بين 2013 و2025. لكن ما يميّز “الجيل زد” تحديداً هو أنه أول جيل يُصنّف على أنه “رقمي أصلي” (Digital Native)، إذ لم يعرف عالم ما قبل الإنترنت، بل وُلد وسط بيئة تقنية متسارعة غيّرت أنماط التعليم والعمل والتواصل الاجتماعي بشكل جذري.

هذا الجيل شهد نتائج تصاعد الاستقطاب السياسي الناتج عن أحداث أيلول 2001، وغزو العراق 2003، وحرب تموز 2006 وما تبعها من صراعات أثرت على المنطقة بشكل عام. فتكونت رؤيتهم للعالم ولم تُبن على تلك المحطات التاريخية، بل في سياقات مغايرة تماماً. فازداد حضور قضايا الهوية في نقاشاتهم، واتسعت النقاشات كذلك حول العدالة الاجتماعية والمساواة، وهي قضايا لعبت دوراً محورياً في صياغة وعيهم السياسي والاجتماعي. كما أنه الجيل الأكثر تنوعاً من حيث المعرفة ويتميز

بنزعته المثالية ورغبته في إحداث تغيير إيجابي، فهو يمثل موجة جديدة من المستهلكين الذين يربطون بين خياراتهم اليومية ورؤيتهم للعالم، ويعتبرون أنفسهم جزءاً فاعلاً في مواجهة تحديات.

اقرأ أيضاً: بلوغرستان السورية.. هل “البلوغرز” مصدر إلهام لجيل الشباب أم “بياعو” وهم؟

أبناء التسعينات – بداية الألفينات في سوريا

أبناء الصراع السوري، بطفولتهم ومراهقتهم والآن في شبابهم. تزداد الأثمان التي يدفعها الجيل “زد” (Gen Z) في سوريا،  نتيجة صراع اندلع قبل نحو 14 عاماً،  فمواليد هذا الجيل أبصرت أعينهم النور بين عامي (1996-2011)، وهي السنوات التي يُصنف بها عالمياً وتتراوح اليوم أعمارهم بين 13 و28 عاماً.

تقدر المؤشرات الديمغرافية للنمو السكاني، التي يصدرها البنك الدولي إلى جانب مصادر حكومية سورية، عدد أفراد هذا الجيل في عام 2011، وهو العام الذي شهد بداية الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد، نحو 8 ملايين فرد، بلغت نسبتهم 38.3% من عدد السكان.  في حين تُجمع منظمات حقوقية عالمية على أن أغلب أفراده تعرضوا بين عامي 2011-2024 لدورات متكررة من العنف الحكومي والنزوح واللجوء والحرمان الغذائي والصحي والتعليمي الشديد، فضلاً عن تأثيرات جسدية ونفسية مدمرة طويلة المدى أثّرت على تكوينهم واهتماماتهم.

كما كشفت دراسة استطلاعية أجرتها جامعة كامبردج بين عامي (2019-2020) شملت نحو 1300 فرد من “جيل z” ممن عاشوا ودرسوا في مدينة دمشق، عن وجود آثار سلبية عند 53% منهم نتيجة الصراع كاضطراب ما بعد الصدمة وسرعة الغضب. وأفادت الإجابات التي نقلتها الاستبيانات على لسان فتيان وفتيات من الصف العاشر وما فوق، في 7 مدارس حكومية تعرض 58% منهم لخطر مباشر، في حين قال 40% إنهم فقدوا أحد الأقرباء، و61% عانوا كثيراً بسبب صخب الحرب، و62% عانوا من سرعة الغضب لأتفه الأمور، مما تسبب لهم بمشكلات كثيرة.

معاناة هذا الجيل في سوريا اتخذت أشكالاً متعددة باختلاف التوزع الجغرافي في البلاد، ففي مناطق سيطرة النظام كبر هذا الجيل في ظل اقتصاد منهك ومتهاوي أمام أعينه، وخوف دائم من التجنيد الإجباري مع بلوغ مواليد ال “1997” من هذا الجيل عامهم الثامن عشر في أوج الصراع السوري في عامي 2014 – 2015. إلى جانب انقطاع الخدمات الأساسية، وتهاوي التعليم الرسمي وتراجعه. عاش هذا الجيل بين أزمات الكهرباء والوقود وداق مرارة الرقابة الأمنية كسابقيه، فتحول الحلم بالهجرة إلى ضرورة للتنفيس عن الإبداع المختنق في الجامعات وطمعاً باستقرارٍ لم يعيشه هذا الجيل.

أما في مناطق النزوح وبين المخيمات، كانت المأساة أكثر قسوة، أطفالٌ فقدوا أحبتهم وبيوتهم وأحلامهم، ومراهقون يعملون بأجور زهيدة لإعالة أسرهم. جيلٌ بلا نشأة تربوية مستقرة، لكنه رغم ركام المخيمات ومرارتها كافح وناضل ومنهم من خرج بمشاريع صغيرة، فهذا الجيل خلق ليصارع الحياة.

في الخارج لا تختلف المعاناة، فالغربة لوحدها ذاكرة مشوهة قاسية. فصدمة الاغتراب والاندماج بثقافات جديدة ومشاعر من الذنب مبررة وغير مبررة أحياناً، تتصارع في داخل هذا الجيل. لكنه لم يقف مستسلماً لصدماته بل تعلم المهارات الرقمية واكتسب ثقافة الانفتاح. هكذا أعادت الحرب تشكيل ملامح “جيل زد” بعد أن مزقته بين الداخل والخارج وبين الطموح والخوف، جيلٌ تشكل من النقصان، فباتت إعادة بناء الوطن بالنسبة له مشروعاً شخصياً لا مجرد أماني مؤجلة.

اقرأ أيضاً: المجتمع السوري وأزمة المواطنة: هشاشة تعرّت أم اكتسبت

أدوات “جيل z”  السوري لتغيير الواقع في البلاد

رغم ما فقد هذا الجيل ورغم الشرخ في روحه، إلا أنه يملك أدوات حقيقية لإعادة بناء المجتمع السورين لا يملكها أي جيل آخر في البلاد. فهذ الجيل اليوم هو القوة الفاعلة في إعادة بناء المجتمع وأول أدواته في ذلك هي المعرفة الرقمية، فالكثير من الشباب السوريين اليوم اكتسبوا مهارات مختلفة في كل من: (البرمجة، التصميم، التسويق الإلكتروني، والتعليم عبر الإنترنت) ما منحهم القدرة على خلق فرص عمل جديدة حتى في ظلّ غياب اقتصاد منتظم.

هذا الجيل قادر على الاستثمار في منصات التواصل الاجتماعي ما يمكنه من إدارة المبادرات المدنية، وبالتالي بناء وعي مجتمعي، فهو ماهر في صناعة الإعلام الرقمي الذي صار سلاحاً لتوثيق الواقع وطرح قضايا الناس بعيداً عن القيود الرسمية. إلى جانب ذلك، يحمل “جيل Z” السوري روح التطوع والمبادرة، فقد أطلق كثير منهم مشاريع صغيرة في التعليم والدعم النفسي والعمل الإنساني داخل المخيمات والمدن المحاصرة، ما أسّس لشبكات تعاون مدني يمكن تطويرها إلى مؤسسات محلية مستدامة.

شكّل الشتات السوري في رحلة هذا الجيل رصيداً ثميناً، إذ يمكن للشباب في الخارج أن يرفد الداخل بالخبرة والتدريب والتمويل والمعرفة. وفي حال قوبلت جهود هذا الجيل بدعم ضمن رؤية وطنية شاملة، ويوضع التعليم الرقمي وريادة الأعمال والمشاركة المدنية في المقدمة ستتقدم البلاد وتزدهر. فهذا الجيل السوري الشاب ليس ضحية حرب، بل نواة مجتمع جديد يقوم على الكفاءة والتواصل والوعي، لا على الخوف والانقسام.

من دمشق إلى الدار البيضاء… كيف يرسم “جيل زد” المجتمع

في مطلع خريف العام الحالي شهد المغرب أحد أبرز الحركات الشبابية في المنطقة، احتجاجات قادها “جيل Z” تحت شعار تحسين المعيشة والتعليم ومكافحة الفساد. فنظم الشباب المغربي أنفسهم عبر الانترنت وأطلقوا حملة رقمية بالتزامن مع احتجاجات ميدانية أجبرت الحكومة على فتح حوار واسع معهم. أظهر هذا الجيل تفوقه الرقمي باختراق اللوحات الإعلانية في الميادين معبراً عن نفسه، وأطلق الشبان في الميادين صرخات مطالبة بتحسين الواقع واللافت بروز شخصية هذا الجيل غير المستكين والصامت، فصاحت إحدى المشاركات بشعارات أبرزها “لن نرث صمت أمهاتنا“. كتعبيرٍ رمزي عن أن هذا الجيل لا يصمت عن حقوقه مهما طالت الزمن.

ما يجمع بين الجيلين في المغرب وسوريا، هو الوعي الجديد بالحقوق وعدم السكوت عنها والتعبير عن النفس دون الخوف من القيود، والقدرة الرقمية العالية من حيث استخدام التقنيات وجمع الآراء وحشدها في الميادين والساحات، ورفض الواقع المفروض الجامد. لكن الفارق الجوهري بينهما هو البيئة السياسية والاجتماعية. فالشباب المغربي يعيش ضمن دولة مستقرة بشكل نسبي تسمح بقدر من التعبير والتنظيم، على خلاف السوريين الذين ما زالوا متأرجحين نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد وفترة التغيير التي شهدتها وما يشوبها من الفوضى بين الحين والآخر والانقسام الذي يطفوا على السطح.

لكن انتفاضة جيل Z المغربي، كشفت قدرة الجيل الرقمي على إعادة صياغة العلاقة بين الشباب والدولة، فإن جيل Z السوري يمتلك القدرة على فعل الشيء نفسه، لكن عبر مسار مختلف: يبدأ من بناء مجتمع مدني مرن من القاعدة إلى القمة. هذا يبدأ من التعليم الرقمي، ودعم الصحة النفسية، والمشاريع المحلية، وليس من الشارع أو السياسة التقليدية فقط.

إن تجربة المغرب تظهر أن الجيل الجديد في العالم العربي لم يعد جيلاً صامتاً وأن التغيير القادم سيتم بقيادة جيل Z. وسوريا، رغم الحرب، ليست استثناءً. فجيلها الرقمي يحمل اليوم مزيجاً من الوعي والمعاناة والطموح، فهو ليس جيلاً ضائعاً كما يقال، بل جيلٌ يبحث عن وطنٍ جديد داخل الوطن ذاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى