ثقافة وتراث

لماذا لا يشعر الشباب السوري بالسعادة رغم التطور التكنولوجي؟

بقلم هلا يوسف

نعيش اليوم في عالم مزدهر تكنولوجياً، حيث الوصول إلى المعلومات بطريقة سريعة وسهلة، وفرص التعليم والرعاية الصحية عالية والعمل جيدة مقارنة بالسابق، لكن في المقابل فتحت المجال لعالم المقارنات والاطلاع على حياة المؤثرين واليوتيوبر أصحاب السيارات الفارهة والثروة الكبيرة. هذا الأمر يجعل الكثير من الفئات العمرية مثل جيل زد وجزء من جيل الألفية يشعرون بعدم الرضا عن حياتهم، وخصوصاً المراهقين والشباب في سوريا الخارجة من حرب طحنت مستقبلهم، وجعلت حياة هؤلاء المشاهير حلم للكثير منهم.

لكن في المقابل تشير دراسات وتقارير حديثة إلى مفارقة لافتة: فمع ازدياد الإمكانات والموارد، لا يبدو أن مستوى السعادة والرضا عن الحياة قد ازداد بالقدر نفسه، بل إن بعض المؤشرات تشير إلى تراجع الشعور بالرفاهية لدى فئات واسعة من الناس، خصوصاً بين الشباب.

تراجع الشعور بالرفاهية رغم التقدم

تشير تقارير عالمية حديثة إلى أن مستوى الرضا عن الحياة في بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة، شهد تراجعاً مقارنة بالسنوات السابقة. وتبين الدراسات أن الأجيال الشابة، وبشكل خاص جيل زد والجيل الأصغر من جيل الألفية، يعانون من مستويات منخفضة من الرفاهية النفسية مقارنة بغيرهم. فكثير من الشباب يشعرون بأن حياتهم تفتقر إلى المعنى أو أن أعمالهم لا تمنحهم الشعور بالإنجاز الحقيقي.

أما جيل الألفية الأكبر سناً فيبدو حالهم أفضل قليلاً، لكنهم لا يزالون يواجهون ضغوطاً متزايدة تتعلق بالعمل والاستقرار الاقتصادي. في حين يظهر أن جيل إكس وجيل طفرة المواليد في منتصف العمر يتمتعون بدرجة أعلى نسبياً من الاستقرار، رغم أنهم أيضاً أقل رضاً مقارنة بالأجيال التي سبقتهم في العمر نفسه.

وقد دفع هذا الواقع بعض الخبراء إلى التحذير من تفاقم مشكلات اجتماعية ونفسية مثل الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية، والتي باتت تعد من التحديات الصحية المهمة في العصر الحديث بسبب آثارها النفسية والجسدية.

المقارنة الاجتماعية وتأثير وسائل التواصل

أحد التفسيرات المهمة لهذا التراجع في الشعور بالسعادة يرتبط بظاهرة المقارنة الاجتماعية. فطوال معظم التاريخ البشري كان الناس يقارنون أنفسهم بمن يعيشون حولهم: الجيران أو زملاء العمل أو الدراسة. أما اليوم، فقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الواقع بشكل جذري.

فالشباب يتعرضون يومياً لصور ومنشورات تظهر نجاحات الآخرين أو لحظات سعيدة من حياتهم، وغالباً ما تكون هذه الصور منتقاة بعناية لإبراز الجانب الإيجابي فقط. ومع تكرار هذه المقارنات، قد يشعر البعض بأن حياتهم غير ناجحة، وخالية من الفعاليات، حتى لو كانت ظروفهم جيدة في الواقع.

هذه المقارنات المستمرة قد تخلق شعوراً بأن نجاح الآخرين يعني بالضرورة تراجع قيمة الشخص نفسه، وكأن الحياة تحولت إلى منافسة دائمة. وقد ربطت العديد من الدراسات هذه الظاهرة بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب لدى المراهقين والشباب.

سوء فهم معنى الحياة الجيدة

لا تقتصر المشكلة على المقارنة الاجتماعية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الطريقة التي يعرف بها كثير من الشباب مفهوم النجاح أو الحياة الجيدة. ففي كثير من الأحيان ينظرون إلى النجاح على أنه مجموعة من الإنجازات التي يمكن استعراضها أمام الناس على السوشال ميديا، مثل الحصول على وظيفة جيدة أو السفر أو امتلاك مظاهر معينة من الرفاهية.

لكن المشكلة تظهر عندما يكتشف الفرد أن تحقيق هذه المؤشرات الخارجية لا يمنحه الشعور الداخلي بالرضا الذي كان يتوقعه. وهنا تظهر فجوة بين الطموحات التي رسمها المجتمع وبين التجربة اليومية للحياة.

في الواقع، غالباً ما تتشكل السعادة الحقيقية من أمور بسيطة: علاقات إنسانية صادقة، أو شعور بالانتماء، أو نشاطات ذات معنى، وإحساس بأن ما يفعله الإنسان يتوافق مع قيمه الشخصية.

إذا حاولنا النظر إلى هذه القضية من زاوية الواقع السوري، سنجد أن الصورة تأخذ بعداً مختلفاً بعض الشيء. فالشباب في سوريا يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة نتيجة سنوات الحرب والظروف المعيشية الصعبة. ومع ذلك فإن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي جعل الكثير منهم يعيشون أيضاً حالة من المقارنة مع أنماط حياة مختلفة حول العالم.

فالشاب السوري قد يرى عبر الإنترنت حياة أكثر استقراراً أو رفاهية في دول أخرى كدبي التي أصبحت مقصد كل سوري، مما قد يزيد شعوره بالإحباط أو بعدم الرضا عن واقعه. وفي الوقت نفسه، قد يتعرض لضغوط اجتماعية عندما يرى إنجازات غيره على السوشال ميديا، سواء كانت هذه الإنجازات مادية إم معنوية.

لكن من ينظر إلى المجتمع السوري سيلاحظ فوراً وجود أشياء ذات قيمة عالية يمتلكونها السوريين دون غيرهم، وتعد عناصر قوة مهمة يمكن أن تساعد على مواجهة هذه الضغوط، مثل الروابط العائلية القوية وروح التضامن الاجتماعي التي ما تزال حاضرة في كثير من البيئات. فهذه العلاقات الإنسانية يمكن أن تكون مصدراً مهماً للدعم النفسي والشعور بالانتماء، وهو ما تفتقده بعض المجتمعات الأكثر فردية.

كيف يمكن التعامل مع المشكلة؟

من الخطأ الاعتقاد أن الحل يكمن فقط في مطالبة الشباب بالابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي. فغالباً ما يستخدم الناس هذه المنصات بدافع البحث عن التواصل أو كوسيلة للتغلب على الشعور بالوحدة أو الملل.

لذلك فإن الحل الأكثر فاعلية يكمن في معالجة السبب الحقيقي وراء هذا الاستخدام، مثل الحاجة إلى علاقات اجتماعية حقيقية أو أنشطة تمنح الشعور بالمعنى. وعندما يجد الشباب طرقاً واقعية لتلبية هذه الاحتياجات، قد يصبح استخدامهم للتكنولوجيا أكثر توازناً وأقل تأثيراً على صحتهم النفسية.

في النهاية، صحيح أن هذا الزمن الذي نعيش فيه يقدم لنا فرصاً كبيرة لتحسين حياتنا المادية، لكن من المهم أن نتذكر أن ذلك لا يكفي لتحقيق السعادة والرضا في الحياة. فالعوامل الإنسانية مثل العلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء والقدرة على عيش حياة ذات معنى تبقى عناصر أساسية في بناء الرفاهية الحقيقية، وهي في نفس الوقت عوامل تستطيع الافتخار بها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعتبرها إنجازاً حقيقياً.

اقرأ أيضاً: التوتر لدى الأطفال والمراهقين: دراسة علمية توضح العوامل المسببة وآليات المواجهة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى