سياسة

جلسة مجلس الشعب الأولى.. ما لها وما عليها

بقلم هلا يوسف

تعيش سوريا مرحلة استثنائية مع انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب الذي طال انتظاره، والذي خضع للكثير من التقييمات والانتقادات لطريقة تشكيله. وبالرغم من كل ذلك، استطاع هذا المجلس أن يلتمس طريقه للجلسة الأولى ليكون من أكثر المحطات السياسية متابعة منذ سقوط النظام السابق، خصوصاً وأنه لطالما ارتبط بصورة المؤسسة التي تكتفي بالموافقة على قرارات السلطة التنفيذية خلال العهد القديم.

جاء انعقاد المجلس الجديد وسط توقعات كبيرة بأن يكون بداية لمرحلة مختلفة تقوم على العمل المؤسسي، لا على هيمنة الفرد. وكانت الصورة الأكثر تعبيراً عن مدى الاختلاف وجود المرأة بزيها الكردي وأخرى بخمارها، وهذا عكس ما اعتاد عليه السوريون في المجالس السابقة.

ولكن بالرغم من الصورة الإيجابية التي رسمها المجلس خلال جلسته الأولى، لم تخلُ هذه البداية من تساؤلات وانتقادات، فقد اعتبر البعض أن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن يصبح المجلس سلطة تشريعية مستقلة بالفعل. فما الذي نجح فيه المجلس خلال جلسته الأولى؟ وما أبرز التحديات التي تنتظره؟

رسائل إيجابية أعطت انطباعاً مختلفاً

منذ اللحظات الأولى للجلسة، لاحظ السوريون اختلافاً في المشهد بالمقارنة مع ما اعتادوا رؤيته خلال السنوات الماضية. فبعد أن أدى أعضاء المجلس القسم أمام رئيس الجمهورية أحمد الشرع، تركزت الكلمات الرسمية على بناء الدولة والمؤسسات بدلاً من تمجيد الأشخاص. فخلال كلمته دعا الشرع إلى أن يكون المجلس نموذجاً في المسؤولية والكفاءة، وأن يجعل خدمة الشعب أساساً لكل قرار، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى العمل بروح الفريق الواحد وترسيخ سيادة القانون.

ولم يكن مضمون الخطاب وحده ما لفت الانتباه، بل أيضاً طريقة إدارة الجلسة. فقد أشار كثير من الناشطين إلى غياب التصفيق المعتاد الذي كان يرافق كلمة الرئيس في السابق، كما انتهت كلمة الرئيس دون مظاهر تمجيد، وهو ما اعتبره كثيرون تحولاً رمزياً، مما يشير إلى محاولة بناء علاقة مختلفة بين مؤسسات الدولة ورئيسها. لكن البعض اعتبر غياب التصفيق بشكل كامل، يوازي وجوده بشكل كامل، وهو أمر لا يمكن الاتفاق عليه، فهو يعود إلى طريقة تفسير الشخص لما يتابع.

كذلك، رأى متابعون أن افتتاح الكلمة بالبسملة وتلاوة آيات من القرآن الكريم، وأداء القسم بصورة جماعية، أعطى الجلسة طابعاً مختلفاً عن المشهد الذي كان سائداً في البرلمان خلال العقود السابقة.

تنوع أكبر داخل المجلس

ومن النقاط التي اعتبرها كثيرون إيجابية أيضاً، تركيبة المجلس الجديدة. فالمجلس يضم قانونيين وأكاديميين وأطباء ومهندسين واقتصاديين ورجال أعمال وإعلاميين، بالإضافة إلى ناشطين في المجتمع المدني وشخصيات عشائرية، مع زيادة تمثيل المرأة وعدد من المكونات الاجتماعية.

هذا التنوع يمنح المجلس فرصة للاستفادة من خبرات مختلفة عند مناقشة القوانين، ويعطي انطباعاً بأنه أكثر تمثيلاً للمجتمع مقارنة بالمجالس السابقة التي كانت تخضع إلى حد كبير لسيطرة حزب واحد.

صلاحيات واسعة في مرحلة حساسة

قد تذوب كل الصور الإيجابية عند الحديث عن صلاحيات المجلس، فإذا كان مقيداً سيبقى حبيس القيود المفروضة وحتى إن كان التنوع عنوانه. وهذا ما تنبه له القائمون على المرحلة الانتقالية. فمع صلاحية إقرار القوانين ومناقشتها، يمتلك المجلس صلاحيات رقابية تشمل مساءلة الحكومة، واستدعاء الوزراء، وإقرار الموازنة العامة، والتصديق على الاتفاقيات الدولية.

والمهمة الكبرى التي تنتظره هو إعادة بناء المنظومة القانونية للدولة، عبر مراجعة القوانين التي ارتبطت بالنظام السابق، وإقرار تشريعات جديدة تنظم العدالة الانتقالية، والأحزاب، والانتخابات، والإدارة المحلية، واستقلال القضاء، حتى يمكن  الوصول إلى دستور دائم وانتخابات عامة.

ويرى المحلل السياسي محمود الأحمد أن الاختبار الحقيقي للمجلس لن يكون في عقد الجلسات أو تشكيل اللجان، بل في قدرته على تحويل المبادئ التي نص عليها الإعلان الدستوري إلى قوانين قابلة للتطبيق، وبناء علاقة متوازنة مع السلطتين التنفيذية والقضائية.

واعتبر كثير من المراقبين أن انتخاب الدكتور عبد الحميد العواك رئيساً للمجلس كان من أبرز مؤشرات الجلسة الأولى. ورغم أن اسمه كان مطروحاً بقوة قبل انعقاد المجلس، فإن فوزه بتصويت غالبية الأعضاء أعطى انطباعاً بأن النواب تمكنوا من فرض خيارهم، وهو ما اعتبره البعض خطوة إيجابية في اتجاه ترسيخ استقلالية المؤسسة التشريعية.

لكن… هل كانت البداية مثالية؟

رغم هذه المؤشرات الإيجابية السابقة، لا يمكن أن نقول أن الجلسة كانت خالية من المشاكل، فبحسب مصادر نقلت عنها وسائل إعلام، شهدت الساعات التي سبقت انعقاد الجلسة نقاشات وضغوطاً بشأن انتخابات هيئة رئاسة المجلس، إذ سعت السلطة التنفيذية إلى دعم بعض الأسماء والضغط لسحب ترشيحات أخرى بهدف الوصول إلى مرشح توافقي.

وبالرغم من أن هذه المحاولات لم تمنع إجراء التصويت، فإنها أثارت تساؤلات حول مدى استقلالية البرلمان منذ يومه الأول. حيث يرى كثير من المحللين أن المجلس سيقاس نجاحه بقدرته على ممارسة صلاحياته دون تدخل من السلطة التنفيذية.

فالبرلمان السوري خلال العقود الماضية كان معروفاً لدى السوريين باسم “مجلس التصفيق”، لأنه لم يكن يؤدي دوراً رقابياً حقيقياً، بل كان يوافق على معظم القرارات الحكومية/الرئاسية دون نقاش واسع. ولذلك ينتظر السوريون أن يثبت المجلس الجديد أنه مختلف، وأن يتحول إلى سلطة تشريعية تمارس الرقابة الفعلية على الحكومة.

ويؤكد الكاتب السياسي عبد الوهاب عاصي أن التدخلات التي سبقت انتخاب رئيس المجلس زادت من حجم التحديات أمام النواب، لأنها وضعتهم منذ البداية أمام اختبار يتعلق بقدرتهم على حماية استقلال المؤسسة التشريعية.

هل ظهرت التكتلات مبكراً؟

ومن القضايا التي برزت أيضاً، ظهور تكتلات بين أعضاء المجلس على أساس المحافظات، خاصة في حلب ودمشق، حيث حاولت بعض الكتل دعم مرشحين محددين لرئاسة البرلمان. لكن بالرغم من أن هذه التكتلات أثارت انتقادات، فإن عضو مجلس الشعب عبد العزيز مغربي يرى أنها أمر طبيعي بسبب غياب الأحزاب السياسية، خصوصاً وأن النواب دخلوا البرلمان بصفات فردية، ومن الطبيعي أن تبدأ بينهم تحالفات قد تتطور لاحقاً إلى كتل سياسية منظمة.

بينما يرى آخرون أن التنافس المناطقي يجب ألا يتحول إلى محاصصة، لأن المجلس مطالب بتمثيل جميع السوريين، وليس المحافظات فقط.

ولا تقتصر التحديات على العلاقة مع السلطة التنفيذية، فالمجلس يواجه ملفات أكثر تعقيداً. فلا يزال تمثيل بعض المناطق غير مكتمل، مثل محافظة السويداء، كما أن المجلس مطالب باستعادة ثقة الشارع السوري، وهي مهمة ليست سهلة بعد سنوات طويلة فقد خلالها البرلمان مكانته في نظر المواطنين.

كما أن إعادة بناء النظام القانوني يحتاج إلى توافقات بين النواب، لأن المرحلة الانتقالية تتطلب إصدار قوانين جديدة تمس معظم مؤسسات الدولة.

ويرى السياسي درويش خليفة أن المهمة الأساسية للمجلس خلال هذه المرحلة هي إعداد التشريعات اللازمة للوصول إلى دستور جديد يحصل على توافق وطني، مؤكداً أن معيار الكفاءة والخبرة القانونية يجب أن يبقى الأساس في عمل البرلمان.

باختصار، يمكن القول أن الجلسة الأولى لمجلس الشعب حملت مؤشرات إيجابية كثيرة وإن كان بعضها رمزي، لكن في المقابل كان هناك مؤشرات إن لم يتم تداركها مسبقاً فسنكون أمام مجلس محاصصة وتكتلات مقنّعة، وسلطة غير مستقلة. ومن المؤكد أن المواطنين لن يحكمو على عمل المجلس من جلسته الأولى، بل سيكون تحت رقابة شعبية كبيرة، خصوصاً وأن السياسيين السوريين الآخرين ينتظروا فرصة تشكيل الأحزاب ليخوضوا غمار الانتخابات والاستحقاقات السياسية في سوريا التي لطالما حلموا بحريتها في المجال السياسي.

اقرأ أيضاً: هدى الأتاسي.. من العمل الإنساني إلى مجلس الشعب

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى