ثقافة وتراث

جزيرة أرواد.. جزيرة صغيرة بتاريخ كبير ورهان سياحي واقتصادي جديد

بقلم هلا يوسف

على بعد مسافة قصيرة من طرطوس، تظهر جزيرة أرواد كأنها امتداد قديم للمدينة في البحر. جزيرة صغيرة في حجمها، لكنها مأهولة منذ قرون طويلة، وما زال الناس فيها يعيشون حياة مرتبطة مباشرة بالبحر، كما كانوا يفعلون منذ زمن بعيد.

في أرواد، لا تبدو الحياة مختلفة كثيراً عن جذورها القديمة، فالصيد ما زال العمل الأساسي، والقوارب الخشبية يتم صناعتها وإصلاحها بأيدٍ اعتادت البحر جيلاً بعد جيل. ومع تحرير سوريا، بدأ الحديث يتجه أكثر نحو مستقبل الجزيرة، بالتزامن مع ازدياد الاهتمام بها سياحياً واقتصادياً، باعتبارها مكاناً يجمع بين التاريخ الحي وموقع يمكن أن يكون له دور أكبر في السنوات القادمة.

أرواد.. جزيرة صغيرة بتاريخ طويل وحياة مرتبطة بالبحر

تحتل جزيرة أرواد مكانة خاصة على الخريطة السورية، فهي الجزيرة الوحيدة المأهولة بالسكان على الساحل السوري، وتقع على بعد نحو 3 كيلومترات من مدينة طرطوس. تبلغ مساحتها حوالي 20 هكتاراً، منها نحو 13.5 هكتاراً فقط مأهولة، لكنها رغم ذلك تضم مجتمعاً متكاملاً يعيش حياة يومية مرتبطة بالبحر بشكل كامل.

يعتمد سكان الجزيرة على الصيد البحري كمصدر رزق أساسي، إلى جانب صناعة السفن والقوارب الخشبية التقليدية التي ما زالت تصنع حتى اليوم بأساليب قديمة. كما تنتشر الحرف اليدوية المرتبطة بالبحر مثل إصلاح الشباك وصناعة أدوات الصيد، في حين بدأ قطاع السياحة ينمو تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد اهتمام الزوار بالجزيرة وطابعها التراثي.

وتتميز أرواد أيضاً بطابعها العمراني المختلف، فهي خالية من السيارات، والحركة فيها تتم سيراً على الأقدام عبر أزقة حجرية ضيقة، مما يمنحها هدوءاً خاصاً ويجعلها أقرب إلى الحياة القديمة البسيطة.

تاريخ بحري عريق وحضارات متعاقبة

يرى خبير الإرشاد التاريخي نزار إبراهيم يونس أن أرواد من أقدم الجزر المأهولة في شرق المتوسط، ويعود تاريخها إلى نحو 5000 سنة. وكان اسمها القديم “أرادوس” ويعني “الملجأ”، وهو ما يعكس دورها التاريخي كمكان آمن للبحارة والتجار.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الجزيرة ازدهرت كمركز بحري مهم منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، ومرت عليها حضارات متعددة مثل الكنعانيين والفينيقيين والآشوريين والرومان، وكانت تمتلك أسطولاً بحرياً نشطاً ساهم في التجارة عبر البحر المتوسط. كما كانت على صلة مباشرة بطرق التجارة بين مصر وقبرص وآسيا الصغرى وجزر بحر إيجه، وهو ما جعلها نقطة مهمة اقتصادياً وعسكرياً في تلك الفترات.

وخلال العصور الوسطى، تحولت أرواد إلى موقع استراتيجي محصن، حيث سيطر عليها الصليبيون وبنوا فيها تحصينات عسكرية، قبل أن يستعيدها المماليك لاحقاً، ولا تزال آثار تلك المراحل واضحة في القلعة والأسوار والمرفأ القديم الذي ما زال قائماً حتى اليوم.

اليوم، تعتبر أرواد واحدة من أهم المواقع السياحية والتراثية على الساحل السوري، حيث تجمع بين البحر والتاريخ والحياة الشعبية البسيطة. ويشكل الميناء القديم قلب النشاط البحري، بينما تمثل القلعة والمباني الأثرية جزءاً مهماً من هوية الجزيرة التاريخية.

كما تشير تقارير منظمة اليونسكو إلى أن المواقع التي تجمع بين الطابع البحري والتاريخي تمتلك قيمة سياحية كبيرة إذا تم الحفاظ عليها وتطويرها بشكل متوازن، بينما تأتي أهمية أرواد أيضاً من كونها وجهة سياحية صاعدة، حيث تجذب الزوار بمنتجاتها اليدوية وأسواقها الصغيرة وأجوائها الهادئة،

الرهان الاقتصادي وزيارة الشرع

تتجه الحكومة السورية إلى وضع جزيرة أرواد في صلب خططها الاقتصادية والسياحية على الساحل السوري، ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تنشيط الاقتصاد المحلي واستثمار ما تمتلكه الجزيرة من موقع بحري فريد وإرث تاريخي طويل. وتقوم هذه الخطط على تطوير المرافئ القائمة، وتحسين البنية التحتية البحرية، إلى جانب ترميم المواقع الأثرية التي تزخر بها الجزيرة، مع العمل على إنشاء مرافق سياحية وخدمية جديدة تساعد على جذب الزوار والمستثمرين، وفتح فرص عمل لأبناء المنطقة.

لذلك جاءت الزيارة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى جزيرة أرواد لتعيد تسليط الضوء على أهميتها التاريخية والاقتصادية، حيث أكد خلال جولته أنها ستكون جزءاً أساسياً من خطط تنشيط الاقتصاد الوطني، وخاصة في مجالات السياحة والاستثمار على الساحل السوري، وذلك ضمن فعاليات موسم طرطوس السياحي. وأشار إلى أن أرواد تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتكون نقطة انطلاق لمشاريع تنموية جديدة، من شأنها تحسين الواقع الخدمي وتحريك النشاط الاقتصادي في المنطقة الساحلية.

كما أوضح في تصريح إعلامي أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق مشاريع عملية تستهدف تطوير الخدمات الأساسية، ودعم القطاع السياحي، واستثمار الموارد المتاحة على الساحل السوري بشكل أفضل، بما ينعكس على خلق فرص عمل جديدة وتعزيز التنمية المحلية. وبهذا تبدو أرواد اليوم أمام مرحلة جديدة، تنتقل فيها من كونها جزيرة ذات طابع تاريخي وبحري فقط، إلى مساحة مرشحة لتكون مركزاً سياحياً واقتصادياً مهماً في المستقبل.

في النهاية، تبدو أرواد أكبر من مساحتها بكثير. جزيرة صغيرة على الخريطة، لكنها تحمل في تفاصيلها حياة كاملة بدأت منذ آلاف السنين ولم تنقطع. ومع ما يحيط بها اليوم من حديث عن السياحة والاستثمار، تبقى أرواد في مكان حساس بين ما كانت عليه وما يمكن أن تصبحه، كأنها تقف على عتبة مرحلة جديدة، دون أن تتخلى عن بساطتها القديمة.

اقرأ أيضاً: بعد خميس النبات هل يوجد قلعة في حمص؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى