جرافات برزة تشعل الاحتجاجات.. هل يكون الهدم نهاية بيوت المهجّرين؟

بقلم: ديانا الصالح
يوم الخميس 13 أب لم تكن الجرافات التي دخلت حي برزة البلد شمال شرقي دمشق في أول زيارة لها للمنطقة، إلا أنها كانت شرارة أشعلت احتجاجات برزة، لتتناقل مصادر غير مثبتة أنّ رجلاً تعرض للضرب أثناء محاولته منع هدم منزله، وأُغلق الطريق بعدها احتجاجاً، ليظهر بيان من “مجلس الشورى” في الحي يدعو لضبط النفس من جهة، وتؤكد محافظة دمشق من جهة أخرى أنها لم تهدم أي منزل مأهول، بل فقط المخالفات التي تشكل خطراً إن اكتملت.
بين الروايتين تتجلى قصة أعمق من حادثة يوم واحد، فاحتجاجات برزة هي قصة حي كامل نشأ من رحم الحرب والتهجير، ويواجه اليوم سؤالاً لا يبدو له جواب بسيط وهو من يملك حق البقاء فيه؟
التفاصيل حول احتجاجات برزة
بدأ التوتر بعد تنفيذ محافظة دمشق خلال الأيام السابقة لعمليات هدم، طالت محال مخالفة على طريق مشفى دمشق العسكري ومنازل في منطقة البساتين الواقعة أسفل الطريق الرئيسي، إلى جانب إغلاق عدد من المحال والأبنية وختمها.
وعلى الرغم من ذلك تواصلت أعمال البناء في المنطقة، قبل أن تحاول فرق المحافظة هدم أحد الأبنية فرفض أصحابه تنفيذ القرار، مما أدى إلى سجال مع المهندس المكلف بعملية الإزالة.
وفي اليوم التالي عادت دوريات أمنية بأعداد كبيرة إلى الموقع، ونفّذت هدم جزء من البناء الذي شهد السجال، فيما نقلت عدة مصادر غير مثبتة تعرض صاحب المنزل للضرب أثناء العملية دون توفر تعليق رسمي بشأن هذه الرواية، مما أشعل غضب الأهالي ودفعهم إلى إغلاق الطريق احتجاجاً.
مجلس الشورى يدعو لضبط النفس
تعثرت المفاوضات التي كانت جارية بين ممثلي الأهالي ومجلس الشورى في برزة البلد من جهة، والجهات المعنية في محافظة دمشق من جهة أخرى، بعد موافقة المحافظة مبدئياً على منح مهلة لمواصلة التفاوض وتسوية الأوضاع، مقابل وقف أعمال البناء ومنع إحداث مخالفات جديدة خلال فترة المباحثات.
وعقب احتجاجات الخميس، دعا مجلس الشورى الأهالي إلى ضبط النفس وتجنّب التصعيد، مطالباً السلطات في الوقت نفسه بالتمييز بين المخالفات الحديثة والأبنية القديمة المأهولة بعائلات متضررة أو مهجرة، ممن لا تملك بدائل سكنية.
ووفقاً لتقارير محلية فقد أعادت عائلات فقدت منازلها خلال سنوات الحرب بناء مساكن في المنطقة، بجهود ذاتية من دون الحصول على تراخيص رسمية، ويطالب السكان بمعالجة أوضاع هذه المنازل بصورة مختلفة عن الأبنية العشوائية الجديدة، أو المشاريع التي أُنشئت بهدف البيع.
محافظة دمشق ترد
قدّمت محافظة دمشق روايتها الرسمية الكاملة، مؤكدةً أنها لم تهدم أي بناء مخالف يسكنه مواطنون ولم تُخرج أحداً من منزله، وأن العمليات اقتصرت على أبنية غير مسكونة لا تزال قيد الإنشاء.
كما أوضحت المحافظة أن الأبنية المستهدفة تحديداً تفتقر إلى مواصفات السلامة الإنشائية، مما قد يعرضها لخطر الانهيار ويهدد سلامة الموجودين فيها أو في محيطها، مضيفةً أن هذه الأبنية لا تتوافر فيها خدمات أساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي والهاتف والإنترنت، بسبب غياب بنية تحتية مهيأة لخدمتها من الأساس.
فيما حذرت المحافظة من مخاطر التوسع في البناء العشوائي، مشيرةً إلى أن ذلك سيزيد من الضغط على شبكات الكهرباء والصرف الصحي ومرافق الحي، مبيّنةً أيضاً أن الأبنية المخالفة تفتقر إلى حقوق ملكية قانونية وتراخيص نظامية، إلى جانب وجود تعديات على الملكية العامة والشوارع والأرصفة.
الأهالي يبحثون عن سقف لا مخالفة متعمدة
يرى رئيس مجلس شورى برزة البلد أسامة رجب، أن أغلب المتضررين من الهدم هم فئات محدودة الدخل، والتي لجأت إلى الترميم والبناء التدريجي لإيجاد سقف يأويهم من غلاء الإيجار، كما أن بعضهم استدان لإتمام البناء على مراحل.
ويوضح أن مخاوف الأهالي الأساسية تكمن في خسارة أموالهم من دون بديل أو تعويض واضح، مؤكداً أنهم لا يرفضون معالجة الأبنية الخطرة فعلاً، لكنهم يريدون مراعاة ظروفهم الاقتصادية.
ويضيف رجب أن برزة تعرضت لاستملاكات طالت أكثر من نصف مساحتها العقارية خلال العقود الماضية، مما حدّ من فرص توسعها العمراني الطبيعي، مقترحاً معالجة الضرر عبر الاستفادة من أجزاء من الأراضي المستملكة لإيجاد حلول سكنية للأهالي أنفسهم.
برزة ليست حالة استثنائية
يكتسب ملف برزة أهميته من كونه جزءاً من ظاهرة أوسع بكثير، ووفقاً لمديرية دوائر الخدمات في محافظة دمشق، فإن أحياء برزة والميدان والشاغور تعتبر الأكثر نشاطاً من حيث انتشار مخالفات البناء في العاصمة.
فيما أزالت المحافظة قرابة 670 مخالفة خلال الربع الأول من عام 2025 وحده، ضمن حصيلة أشمل بلغت نحو 4200 مخالفة بناء في دمشق منذ التحرير.
وتستند هذه العمليات إلى القانون رقم 40 لعام 2012، والذي ينص على أن تُزال الأبنية المخالفة مهما كان نوعها وموقعها بالهدم، وتُرحَّل الأنقاض على نفقة من كانت المخالفة لمصلحته، إلى جانب عقوبات تشمل السجن والغرامة المالية ومصادرة أدوات البناء المستخدمة.
وقد وضعت المديرية بعد التحرير معياراً زمنياً محدداً للتعامل مع ملف المخالفات، وهو أن أي بناء مخالف شُيّد بعد 8 كانون الأول 2024 ستتم إزالته دون استثناء، بينما ستخضع المخالفات السابقة لهذا التاريخ للدراسة لاحقاً بدل الهدم الفوري.
أما الحل الجذري وفقاً للمديرية فيكمن في إصدار مخططات تنظيمية تحدد المستحقين للمسكن البديل، على غرار ما جرى في مشروعي ماروتا سيتي وباسيليا سيتي، إلا أن هذه الخطط تصطدم بصعوبات مالية وتنفيذية تؤخر تطبيقها على نطاق واسع.
كيف تحول حي برزة إلى عشوائية؟
تقدّم منطقة برزة البلد نموذجاً واضحاً للتحديات العمرانية والاجتماعية التي تواجهها الأحياء العشوائية في دمشق، فقد شهدت المنطقة تزايداً سكانياً كبيراً واكتظاظاً متصاعداً خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى توسع غير مخطط للمنازل السكنية وانتشار عشوائي للأبنية، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على البنية التحتية ومستوى الخدمات الأساسية فيها.
وتتشارك عدة عائلات ضمن مبنى واحد، فيما يعاني الحي من ضعف واضح في شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى جانب تردي الطرق ومستوى النظافة العامة، وهي عوامل موجودة سابقاً وقبل الحرب، وهذا ما قد يفسر جزئياً لماذا يوصف الحي بأنه من أكثر مناطق العاصمة تعقيداً من الناحية العمرانية.
هل يوجد إطار قانوني غير الهدم؟
رغم أن الهدم يبقى الأداة الأكثر انتشاراً في التعامل مع المخالفات، إلا أن الإطار القانوني السوري يتضمن فعلياً حلولاً بديلة، حيث يتعامل قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015 صراحةً مع ما يسميه “مناطق المخالفات الجماعية”، وهي الواقعة ضمن المناطق التنظيمية، ويجيز إدخالها في مشاريع التنظيم العمراني وإخضاعها لآلية إعادة التوزيع الإجباري، حتى في حال كانت الأبنية المقامة عليها غير مرخصة أصلاً.
كما يعترف هذا القانون بوجود هذه التجمعات كواقع عمراني قائم، بالتالي يجيز تثبيت حقوق شاغليها أو مالكيها ضمن عملية التنظيم، وذلك عبر تقدير قيمة الأرض وما عليها من أبنية، ليتم بعد ذلك تحويل هذه الحقوق إلى حصص سهمية أو مقاسم تنظيمية ضمن المخطط الجديد، بالتالي يتيح حلاً وسطاً بين الهدم الكامل والاعتراف الكامل.
وعلى الرغم من أن “معيار 8 كانون الأول” واضح على الورق، فكل ما بُني بعده يُزال وما قبله تُدرس حالته، إلا أن الواقع في برزة أعقد من خط زمني واحد، فبعض العائلات التي رمّمت بيوتها المتضررة لا تملك وثيقة تثبت أن ذلك حصل قبل هذا التاريخ أو بعده بالضبط، كما أن عدداً من هذه العائلات لا يملك القدرة على الانتظار حتى تكتمل مخططات تنظيمية طالت، ولا يزال إعدادها يصطدم بعقبات مالية وتنفيذية.
يبدو أن الأمل لا يزال معقوداً على أن تفضي المفاوضات المستأنفة إلى حل يوازن بين الجهتين، بدل أن يبقى كل طرف عند موقفه الأول، فعملياً المحافظة تطبق القوانين ولكن الأهالي يطالبون بمعاملة تراعي ظروفهم.
اقرأ أيضاً: الرقة بين الهدم والاعتراض: ماذا يجري في حي الأندلس؟









