أعمال واستثمار

جدل تحت المجهر.. حماية الصناعة الوطنية تحمي المستهلك أم تلهب الأسعار؟

الكاتب: أحمد علي

جدلٌ اقتصاديّ سوريّ يشتعل على المنصّات ويتمدّد إلى جيوب الناس وورشاتهم في آنٍ معاً. ليس مجرد سجالٍ عابرٍ بين اسمين معروفين، بل مواجهةٌ بين فلسفتين في إدارة الندرة، وتدبير الأمن الاقتصادي للأسر كما للمصانع. من جهةٍ، صوتٌ يذكّر بأن «المستهلك هو الملك» وأن أي سياساتٍ تُغضب السوق تُلهب الأسعار وتُضعف القدرة الشرائية، ومن جهةٍ أخرى تحذيرٌ من أن فتح الأبواب بلا حساب يطيح بما تبقّى من قدرةٍ إنتاجية ويضاعف البطالة ويشدّ الخناق على الليرة.

في قلب هذه الحيرة تقف أسئلة السوريين اليومية: هل وفرةُ السلع اليوم، إن جاءت على حساب المصنع غداً، مكسبٌ أم فخّ؟ وهل حماية خطّ الإنتاج تعني بالضرورة إفقار المستهلك، أم يمكن أن تكون طريقاً إلى استقرارٍ أوسع وأرسخ؟

حماية الصناعة الوطنية بين الضرورة وكلفة الخطأ

المقاربة التي ترى حماية الصناعة الوطنية ضرورةً لا تعني تسويغ الانغلاق أو معاداة السوق، بل تفترض وضوح الهدف: صناعةٌ تستطيع الوقوف على قدميها في مباراةٍ تنافسيةٍ عادلة، لا في حلبةٍ مفتوحةٍ على الإغراق والتهريب وتفاوت كلف الطاقة والتمويل. تذهب تحليلاتٌ اقتصادية محلية إلى أن التوازن بين «الدعم» و«الحماية» هو مهمة وطنية؛ فالدعم يعني تمويلات ميسّرة، وبنى تحتية موثوقة، وتنمية مهارات، وحوافز تصدير؛ والحماية تعني مكافحة الإغراق، وضبط النوعية، ورسوماً عادلة، وضمان انسياب مستلزمات الإنتاج، لا منعاً أعمى للاستيراد.

هذه المعادلة تتطلّب سياسات مرنة تُراجع دوريّاً وتَحذر من تحويل «الحماية» إلى عقوبةٍ على المستهلك أو «الدعم» إلى ريعٍ بلا مردود.

رواية عصام تيزيني: المستهلك أولاً… و«لا للحظر كسـلاحٍ أول»

ينطلق عصام تيزيني، بصفته صناعياً ورئيساً لغرفة صناعة حمص، من قاعدةٍ واضحة في حديثه حول الأمر: «حماية آلاف المنتجين لا يجوز أن تكون على حساب ملايين المستهلكين». يَعدّ منع الاستيراد سلاحاً خَشِناً يرفع الأسعار فوراً، ويقلّص الخيارات، ولا يضمن تحسين جودة المنتج المحلي.

جوهر حجّته أن الاقتصادات الحرة تعتبر المستهلك معيار النجاح؛ لذا يجب أن تُصاغ التشريعات لمصلحته، وأن تُترك «كلمة يمنع» كخيارٍ أخير بعد استنفاد أدواتٍ أذكى: تحفيز الجودة، تخفيض تكاليف الإنتاج، ضبط حلقات الوساطة والاحتكار، وتوسيع التنافُس الحقيقي داخل السوق.

بهذا المنطق، يتقاطع تيزيني مع تجربة بلدانٍ جعلت من «التنافس على خدمة المستهلك» رافعة تحسينٍ دائم للسلع والأسعار، ويرى أن وفرة المعروض، إذا ترافقت مع رقابةٍ على المواصفات ومحاربة الغش، تُخفّض الكُلفة على الأسر وتضغط على المورّدين والمنتجين نحو الأفضل.

ردّ جورج خزام: الصناعة ركيزة الاستقرار ومحرّك العملة والعمالة

في المقابل، يَعتبر الخبير الاقتصادي جورج خزام أن توصيف الأمر كصراعٍ بين الصناعي والمستهلك مُضلِّل؛ لأن المستهلك نفسه هو العامل الذي يفقد عمله حين تنهار المصانع، وهو الذي يواجه موجات تضخّمٍ إذا تفاقم الطلب على الدولار بفعل اتساع فاتورة الاستيراد. مضمون حجّته أن حماية الصناعة الوطنية ليست حماية أرباحٍ فردية بل اتّقاءٌ لتداعياتٍ كلية: بطالةٌ أعلى، ضغطٌ على سعر الصرف، وارتفاعٌ جماعي للأسعار.

يعترض على فكرة استبدال التصنيع بالاستيراد الأرخص من الصين أو غيرها، لأن «رخص» السعر الظاهري يخفي كُلفةً مؤجّلة تُسدَّد بعملةٍ صعبةٍ شحيحة وبقدرةٍ إنتاجيةٍ تتآكل. هذه الرؤية تتطلّب ضبطاً صارماً للتهريب والإغراق، وتدرُّجاً في فتح السوق، مع اشتراط نسب مكوّن محلي ونقل معرفة، حتى لا تُختزل السوق السورية في دور «مستودع تصريف» لسلعٍ رخيصة تُطفئ آلاتنا.

تفكيك السجال: أين يلتقي الخطّان وأين يفترقان؟

بالرغم من الاختلاف الحادّ، ثمة أرضيةٌ مشتركة: لا أحد يدافع عن الاحتكار أو عن منتجٍ محليٍّ متواضع الجودة محميٍّ بلا شروط، ولا أحد يرغب في إغلاق رفوف المتاجر أمام الناس. الاختلاف الحقيقي يدور حول ترتيب الأولويات وسرعة «التعافي الإنتاجي» الممكن. أنصار تيزيني يَخشون أن يتحوّل الحظر إلى ضريبةٍ على المستهلك وإلى حمايةٍ لمتنفذين في حلقات التسعير؛ وأنصار خزام يَخشون أن يتحوّل الانفتاح غير المنظَّم إلى مقصلةٍ نهائية للصناعة.

الواقع يشير إلى أن الأسواق لا تُدار بشعارٍ واحد؛ فهي تحتاج سلّماً من الأدوات: رسومٍ نوعية ضد الإغراق، معايير جودةٍ صارمة، شراكات تصنيع، ومزاوجةٍ ذكية بين استيرادٍ مرحليٍّ لسلعٍ أساسية وبين خطة إحلالٍ تدريجيٍّ لمُدخلاتٍ ومنتجات منتقاة محلياً.

ما الذي تقوله التجارب القريبة ومتابعات الصحافة الاقتصادية؟

بالتوازي، تُظهِر الوقائع أن الخلل المزمن ليس في التجارة وحدها، بل في بيئة الإنتاج: كلفة طاقةٍ وتمويلٍ ولوجستيات، ومشاكل مواصفةٍ ورقابةٍ وتسرّب تهريبي ينسف أي منافسةٍ نزيهة. فيما تُشير آراء اقتصادية أخرى إلى أن «الاقتصاد الحر» من دون أدوات حمايةٍ ذكيةٍ ونشاطٍ رقابيٍّ فعّال يُفقِد الصناعة ميزتها في مواجهة الإغراق والسلع المهربة، ويؤدي إلى انكماش الاستثمار الصناعي، وهو ما ينعكس عملياً على التوظيف وقدرة الأسر على الحفاظ على دخولها.

والمعالجة المقترَحة هي المزج بين دعم الإنتاج الحقيقي (تمويلٌ ميسر، بنية تحتية، ضرائب أخفّ على الإنتاج) وإجراءات مكافحة الإغراق والتهريب، إضافةً إلى حوافز تصديرٍ واشتراط جودةٍ ومكوّن محلي، في إطارٍ تقييميٍّ دوريٍّ يوازن بين مصلحة المستهلك الآنية ومصلحة الاقتصاد الكلية.

نحو صيغةٍ عملية: كيف نخدم المستهلك من بوابة المصنع؟

لا تناقضَ حتمياً بين رفاه المستهلك وقوة المصنع حين تُدار حماية الصناعة الوطنية بأدواتٍ قياسية وشفافة. البداية من الاعتراف بأن المنع الشامل للاستيراد سيفٌ ذو حدّين: صحيحٌ أنه يخفّف الضغط على القطع الأجنبي، لكنه يدفع الأسعار للارتفاع إن لم تُحلّ معضلات التكلفة.

في المقابل، فتح الاستيراد على مصراعيه يُرخي الأسعار مؤقّتاً لكنه يضاعف هشاشة الليرة ويقضم فرص العمل. الحلّ في «التدرّج المشروط»: قوائم قصيرة للحظر الوقتي حيث توجد بدائل محلية منافسة فعلاً؛ رسومٌ نوعية على السلع المُغرِقة؛ وممراتٌ خضراء لمستلزمات الإنتاج كي لا تتعطّل دورة التصنيع.

بالتوازي، تُعالج كُلف الطاقة عبر تسعيرٍ صناعيٍّ مستقرّ، وتُبنى جسور تمويلٍ ميسر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويُدعم الانتقال التقني لرفع الإنتاجية والجودة. بهذه المنظومة، تُصبح حماية الصناعة الوطنية وسيلةً لخفض الأسعار على المدى المتوسط، لا سبباً لارتفاعها.

الشفافية والمنافسة: صمّام الأمان للسوق والمستهلك

لا معنى لأي حمايةٍ بلا ساعةٍ رمليةٍ تُقلبُ دورياً: حمايةٌ مؤقتة بصكّ مراجعةٍ رُبع سنوي يختبر المؤشرات: الأسعار الحقيقية للمستهلك، الطاقة التشغيلية للمصانع، نموّ الإنتاجية، وحجم التوظيف. عند غياب التحسّن، تُخفَّض الجرعات أو تُستبدَل الأدوات.

كما أن كسر الاحتكار الداخلي شرطٌ لازدهار أي حماية؛ فالسوق التي يهيمن عليها عددٌ قليل من المورّدين أو الوسطاء تُفرغ «الحماية» من مضمونها وتحوّلها إلى ريع. هنا يبرز دور السلطات الرقابية في ضبط التسعير والغش، وتفعيل قانون المنافسة ومنع الممارسات المقيّدة، بالتوازي مع سياسة مواصفةٍ صارمة تُطاول المنتج المحلي والمستورد بلا تمييز.

وهذه الشفافية وحدها تجعل حماية الصناعة الوطنية مُترجمةً في عيون المستهلك إلى جودةٍ أعلى وسعرٍ أعدل، لا إلى عبءٍ إضافي.

من ثنائيةٍ صِراعية إلى معادلةٍ تكاملية

ختاماً، سجال تيزيني وخزّام يعكس قلقاً عاماً مشروعاً: كيف نحمي القدرة الشرائية اليوم من دون أن نفقد قدرة الإنتاج غداً؟ قراءةٌ هادئة تُفضي إلى أن الخيارين ليسا خطّين مستقيمين متوازيين لا يلتقيان؛ بل هما ضلعان في مثلّثٍ متوازنٍ قاعدته الشفافية والقياس. فحماية الصناعة الوطنية تصبح أداةً لصالح المستهلك حين تُقاس بنتائجها على السلة الغذائية والدوائية، وعلى فرص العمل الحقيقية، وعلى الاستقرار النقدي. أما حين تتحوّل إلى ذريعةٍ للاحتكار أو إلى تعويضٍ عن عجزٍ في البنية التحتية والتمويل، فستصيب المستهلك قبل غيره.

وعلى الضفة الأخرى، لا يكفي شعار «المستهلك أولاً» إن تركنا المصانع وحيدةً في مواجهة إغراقٍ وتهريبٍ وتفاوت كُلفٍ لا قِبَل لها به؛ لأن النتيجة النهائية ستكون سلّةً أرخص اليوم، واقتصاداً أضعف غداً.

الطريق الثالث الممكن هو مزيجٌ من دعم إنتاجٍ مُنتِج، وحمايةٍ مُحكمة ضد الإغراق والتهريب، ومراجعةٍ دورية شفافة تلتزم مؤشراتٍ قابلةٍ للتحقّق. بهذه الصيغة، يتوقّف الصراع بين «المنع» و«الفتح» عن كونه سؤالاً أيديولوجياً، ويغدو سؤال إدارةٍ عمليةٍ لرحلة تعافيٍ طويلة لا تُختصر بشعارٍ واحد.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى