جامع الحراك في درعا.. حكاية حجر صمد عبر الزمن

بقلم: ريم ريّا
في قلب مدينة الحراك، على مشارف ريف درعا الشرقي، يشمخ جامع الحراك العريق، وكأنه يروي قصة مدينة تعاقبت عليها حضارات عديدة، تاركةً بصماتها على جدرانها. لا يقتصر دور الجامع على كونه مكاناً للصلاة، بل هو شاهد على تاريخ المنطقة العريق، وأحد أبرز المعالم الأثرية التي حافظت على هويتها المعمارية رغم الأحداث والتحولات التي شهدتها.
جامع الحراك.. من معبد قديم إلى صرح تاريخي
يعتقد الباحثون أن الموقع الذي يقوم عليه الجامع اليوم كان في الأصل معبداً أو كنيسةً قديمة، قبل أن يُحوّل إلى جامع في العصر الإسلامي. ولا تزال بعض الأجزاء القديمة من المبنى تحمل آثاراً من تلك الحقبة التاريخية، بينما يعود تاريخ معظم مكونات الجامع الحالية إلى العصر الإسلامي، الذي شهد ازدهار المنطقة. لذلك، لا ينظر سكان الحراك إلى المسجد كمجرد مكان للعبادة، بل كجزء من الذاكرة الجماعية للمدينة، متشابكة مع الأجيال المتعاقبة التي عاشت حوله وشهدت العديد من التحولات.
أحجار حوران التي صاغت الجمال
أول ما يلفت النظر في مسجد الحراك هو بناؤه من البازلت الأسود، وهو حجر تشتهر به منطقة حوران منذ قرون. وقد منح هذا الحجر المسجد طابعاً مميزاً وساعده على مقاومة تقلبات الزمن، مما سمح له بالبقاء حتى يومنا هذا. يظهر المبنى تفاصيل معمارية دقيقة، من الأقواس الحجرية إلى الأعمدة القديمة التي تدعم سقف المسجد، في لوحة تعكس براعة البنائين الذين تمكنوا من استخدام المواد المحلية بطريقة تجمع بين المتانة والجمال.
مئذنة المسجد منفصلة عن المبنى الرئيسي، وهي إحدى سماته المميزة. شُيِّدت المئذنة على قاعدة مربعة تنتهي بجزء أسطواني، ويؤدي درج حجري دائري مركزي إلى قمتها، مما يجعلها معلماً بارزاً يرى ويلمح من بعيد. لم تكن المئذنة مجرد عنصر معماري، بل كانت لسنوات طويلة منارةً لسكان المدينة، وارتبط صوتها بالأذان وذكريات الحياة اليومية في المدينة القديمة.
اقرأ أيضاً: الجزيرة السورية… حين تتحول “جنة الآثاريين” إلى ساحة نهب مفتوح
تركت الحرب بصمتها… الترميم أعاد الحياة
لم يسلم جامع الحراك من الدمار الذي لحق بمدينة الحراك خلال سنوات الحرب. فقد دُمِّر جزء كبير منه، كغيره من المواقع التاريخية في سوريا. لكن ما ميز قصة الجامع هو مبادرة الأهالي لترميمه، بالتعاون مع هيئة آثار درعا. خلال عامي 2022 و2023، أنجزت أعمال الترميم وفقاً للمعايير المتخصصة، بهدف إعادة الجامع إلى حالته الأصلية، مع الحفاظ على تفاصيله التاريخية وطابعه المعماري. وأرسلت هذه الخطوة رسالة واضحة مفادها أن صون التراث ليس مسؤولية المؤسسات فحسب، بل مسؤولية المجتمع بأسره، إذ إن فقدان هذه المعالم التاريخية يعني فقدان جزء من ذاكرة المكان. أما اليوم، تعمل الجهات المختصة اليوم على استكمال إجراءات تسجيل مسجد الحراك في قائمة التراث الوطني، ما يضمن حمايته ويشرف على أي أعمال ترميم أو تطوير مستقبلية.
مسجد الحراك ليس مجرد معلم أثري، بل هو صفحة مفتوحة في تاريخ حوران، تروي قصة حضارات تعاقبت على هذه الأرض، وتوضح كيف استطاع الحجر أن يحفظ ذكراه رغم تقلبات الزمن. ففي جدرانه البازلتية، لا يزال الماضي حاضراً، مذكراً الزائر بأن بعض الأماكن لا تقاس بعمرها فحسب، بل أيضاً بما تحمله من قصص وهوية وشعور بالانتماء.









