جامعة حلب تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بالتفاهم مع “بيوند 360″ و”تمكين”

بقلم: ريم ريّا
أمس الثلاثاء 17 شباط 2026، وقعت جامعة حلب مذكرة تفاهم استراتيجية مع شركتي “بيوند 360″ و”تمكين” للحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي، بهدف تأسيس مركز وطني متخصص في ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي. الخطوة تأتي في سياق رؤية 2026 التي أعلنها رئيس الجامعة الدكتور “محمد أسامة رعدون” مطلع كانون الثاني 2026، والتي تركز على التحول الرقمي والتخصصات المستقبلية.
هذا التوقيع لا يمكن قراءته كحدث إداري عادي، بل يأتي في لحظة عالمية يشهد فيها سوق الذكاء الاصطناعي نمواً غير مسبوق. فبحسب تقرير “Grand View Research” لعام 2025، بلغت قيمة سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً نحو 454 مليار دولار في 2024، مع توقعات بتجاوز 1.8 تريليون دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 35%. عندما تقرر جامعة سورية الدخول إلى هذا المجال كمحور وطني، فهي عملياً تعلن تموضعاً جديداً داخل اقتصاد المعرفة.
مع من وقعت جامعة حلب اتفاقية الذكاء الاصطناعي
تأسست شركة “بيوند 360” عام 2007، وتمتلك خبرة تتجاوز 18 عاماً في مجالات التحول الرقمي، الحلول البرمجية، التجارة الإلكترونية والاستشارات التقنية. كما عملت الشركة في أكثر من 10 دول، وساهمت في مشاريع حكومية وخاصة على حدٍ سواء، إضافةً إلى دعم عشرات الشركات الناشئة.
من أبرز محطاتها، إطلاق منصة “غربتنا” عام 2014 لخدمة اللاجئين العرب في تركيا، تكريمها من شركة Google عام 2016 بعد اختيار تطبيقها كأفضل تطبيق ساعد اللاجئين عالمياً. إلى جانب إدارة مشاريع تقنية في الخليج وأوروبا، فضلاً عن تأسيس تطبيق “ترجملي لايف” عام 2017، مع دخول سوق تكنولوجيا المطابخ السحابية عبر تطبيق “جوعان” 2021.
الشركة بقيادة رائد الأعمال “مجاهد عقيل”، الذي راكم تجربة في بناء الشركات الناشئة والتوسع في السوق التركي منذ 2012. أهم ما يميز “بيوند 360″، هو أنها لا تقدم برمجيات فقط، بل تقدم منظومة متكاملة من التحول الرقمي، التدريب التقني، دعم المشاريع الناشئة، الذكاء الاصطناعي التطبيقي. وهذا تحديداً ما تحتاجه جامعة تريد إنشاء مركز وطني لا مجرد مختبر أكاديمي.
بدورها، تعد “تمكين للتقنيات Tamkeen Technologies“، شركة سعودية حكومية رائدة تأسست عام 2013، متخصصة في تقديم حلول رقمية مبتكرة لتسريع التحول الرقمي للقطاعين العام والخاص، مدعومة بكفاءات وطنية. تقدم خدمات مدارة، حلول سحابية، والأمن السيبراني، مستهدفة تعزيز الكفاءة التشغيلية والابتكار تماشياً مع رؤية 2030.
اقرأ أيضاً: مهن عصر الذكاء الاصطناعي تبصر النور.. وسوريا خارج دائرة الاستخدام الواسع
خلاصة الاتفاقية بين الجامعة والشركتين وأبعادها الاستراتيجية
وفقاً لما تم نشره في 17 شباط 2026، يهدف المشروع إلى: إنشاء مركز وطني لريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي، دعم البحث العلمي التطبيقي، احتضان المشاريع الرقمية الناشئة، تعزيز التعاون بين الجامعة والقطاع الخاص، تحويل أفكار الطلبة إلى مشاريع اقتصادية قابلة للاستثمار.
لو نظرنا عالمياً، نجد أن 70% من الجامعات المصنفة ضمن أفضل 500 جامعة عالمياً تمتلك حاضنات أعمال أو مراكز ابتكار مرتبطة بالصناعة. وفي أمريكا مثلاً، أسهمت الجامعات في إطلاق أكثر من 1100 شركة ناشئة تقنية خلال عام 2023 وحده، بحسب تقرير AUTM. إذاً، هذه الاتفاقية تحاول نقل الجامعة من نموذج التعليم التقليدي إلى نموذج “الجامعة الريادية Entrepreneurial University“، وهو النموذج الذي تبنته أوروبا منذ استراتيجية لشبونة عام 2000.
واقع الذكاء الاصطناعي في سوريا وجامعاتها
قبل عام 2011، كان قطاع البرمجيات السوري يضم نحو 300 شركة مسجلة، وبين عامي 2008 و2011، تم تنفيذ مشروع وطني بالتعاون مع مصر لتأهيل شركات سورية للحصول على اعتماد CMMI، ونجحت 4 شركات عام 2012 بالحصول على المستوى الثالث.
اليوم مجدداً، يعود الحديث عن الذكاء الاصطناعي في سياق إعادة الإعمار والتحول الرقمي، فالدولة بدأت مؤخراً بتوقيع اتفاقيات رقميةن منها اتفاقية وزرة السياحة في 16 شباط 2026، مع شركة “علم” السعودية لتحديث الأرشفة الذكية. كل هذه المؤشرات تدل على أن 2026 قد يكون عاماً مفصلياً للتحول الرقمي في البلاد.
ويبقى السؤال المحوري: هل تملك الجامعات السورية إمكانيات شراكات في مجال الذكاء الاصطناعي؟
واقعياً، الإمكانيات موجودة لكن بشكل جزئي وليست مكتملة. ففي 2 شباط الجاري، أعلن عن إطلاق أول كلية مستقلة لهندسة الذكاء الاصطناعي في الجامعة السورية الخاصة، والتي استوعبت أكثر من 400 طالب في دفعتها الأولى.
كما أعلنت جامعة حلب في كانون الثاني 2026 عن خطتها لفتح تخصصات في:
- الذكاء الاصطناعي.
- علوم البيانات.
- الأمن السيبراني.
- الطاقة المتجددة.
لكن التحدي الذي تواجهه جامعة حلب وسائر الجامعات السورية، يكمن في ضعف التمويل البحثي. ولا توجد أرقام رسمية دقيقة، لكن الإنفاق البحثي في سوريا يقدر بأقل من 0.2% من الناتج المحلي، مقارنةً بمتوسط عالمي يبلغ 2.2%، إضافةً إلى محدودية الوصول إلى قواعد بيانات عالمية، فضلاً عن نقص تجهيزات الحوسبة عالية الأداء. مع ذلك، ربما وجود شركات خاصة تمتلك خبرة عملية في الأسواق الخارجية قد يسد فجوة التطبيق العملي.
ما الذي ينقص الجامعات السورية للحاق بركب الذكاء الاصطناعي؟
لنكن صريحين، لأن المجاملة في عصر الذكاء والتطور لا يمكن لها ان تبني مراكز وطنية. فالجامعات السورية تحتاج أولاً إلى بنية تحتية حاسوبية متقدمة تشمل: مراكز بيانات، خوادم GPU، منصات حوسبة سحابية. فضلاً عن تحديث آليات القبول، لتشمل: تخصصات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب مهارات رياضيات وبرمجة قوية لا مجرد معدل عام، إلى جانب تمويل بحثي مستدام، فبدون التمويل سيبقى المركز مجرد لوحة على باب المبنى.
لعل الحاجة الألح وأبرز ما يحتاجه الشباب السوري اليوم، ربط حقيقي مع السوق، أي تحويل مشاريع التخرج إلى شركات ناشئة فعلية. وأخيراً شراكات دولية فعلية، تتمثل في أبحاث مشتركة، برامج تبادل وإشراف مزدوج.
على سبيل المثال، دول مثل الإمارات رفعت إنفاقها على البحث العلمي إلى ما يقارب 1.5% من الناتج المحلي، بينما كوريا الجنوبية تتجاوز 4.8%. الفارق هنا ليس ذكاء البشر، بل حجم الاستثمار.
بالختام، نأمل أن يكون توقيع مذكرة التفاهم، أبعد من الحدث البروتوكولي العابر، وأن يكون إعلان حقيقي لجامعة حلب، ونية جدية بالتحول من مؤسسة تعليم تقليدية إلى منصة ابتكار اقتصادي. فالسؤال ليس هل سينجح المركز؟ بل هل سيتم توفير البيئة التمويلية والتشريعية الكافية لضمان استمراريته؟، لأن التاريخ يخبرنا أن المراكز لا تبنى بمجرد إعلان الاتفاقيات، بل بالميزانيات والاستمرارية.









