أعمال واستثمار

ثلاث خطوات لهيكلة نظام الرواتب في سوريا.. هل تمتلك الحكومة الموارد اللازمة؟

بات الحديث عن نظام الرواتب في سوريا شائعاً، خصوصاً بعد الزيادة الأخيرة والتي بلغت نسبتها 200% في خطوة غير مسبوقة عبر تاريخ رواتب القطاع العام في سوريا. لذا سوف نتحدث في هذا المقال عن خطة الحكومة السورية لإصلاح نظام الأجور، مع تحليل الأهداف الاقتصادية لهذه الزيادات وتأثيراتها المحتملة على القطاع الخاص. كما سوف نتحدث عن التحديات المالية التي تواجهها الحكومة، والخيارات المتاحة لتمويل هذه الزيادات.

الخطوات الثلاث لهيكلة نظام الأجور في سوريا

كشف الدكتور يسر برنية، وزير المالية السوري، عن الخطة التي تم وضعها لهيكلة نظام الرواتب في سوريا، مشيراً إلى أنها تعتمد على ثلاث مراحل أساسية، تهدف في مجملها إلى رفع مستوى المعيشة للموظفين وتحقق العدالة في الرواتب.

وبحسب ما كشف عنه الوزير، تمثلت المرحلة الأولى في خطة إصلاح الأجور بزيادة شاملة بنسبة 200% على الراتب المقطوع، من خلال المرسوم رقم 102 لعام 2025، القاضي بزيادة الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين المدنيين والعسكريين في مؤسسات الدولة بنسبة 200%، الأمر الذي أسهم في رفع القوة الشرائية لموظفي القطاع العام.

أما المرحلة الثانية، بحسب برنية، ستكون من خلال زيادات نوعية تستهدف قطاعات حيوية مثل القضاء، بهدف تحصينها من الفساد عبر توفير رواتب تضمن حياة كريمة للعاملين.

ووفق ما صرّح به وزير المالية، فإن المرحلة الثالثة سيتم تنفيذها مطلع العام المقبل ضمن قانون إصلاح الخدمة المدنية، وتهدف إلى توحيد الرواتب لسد الفجوات بين مختلف الوظائف على مستوى الدولة، بحيث يتساوى مثلاً راتب رئيس محكمة الجنايات في مختلف المحافظات، بما يضمن العدالة ويكافح البيروقراطية والفساد.

زيادات الرواتب الانتقائية في سوريا: الأهداف والآثار

تبرز أهمية توجيه الزيادات النوعية في الرواتب لقطاعات محددة كإحدى الأدوات لمواجهة التحديات الاقتصادية، حيث أن تطبيق زيادات شاملة تزيد من حدة التضخم الذي تُعاني منه البلاد، كما الزيادات النوعية من شأنها أن تعمل على تحصين بعض الوظائف الحيوية وتثبيت الكفاءات فيها.

وفي هذا الصدد، أوضح الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، الدكتور علي محمد، في تصريح إعلامي، أن السبب الكامن وراء توجيه زيادات الرواتب لقطاعات معينة هو طبيعة عمل الموظفين في هذه القطاعات الحساسة، وذلك بهدف تحصينهم ضد الفساد وتحفيزهم على البقاء في وظائفهم والرفع من سوية الأعمال التي يقومون بها.

كما أشار الدكتور محمد إلى أن توجيه إعادة هيكلة نظام الرواتب في سوريا بهذه الطريقة ليس عبثياً، إنما تمت دراسته بحيث يراعي التحديات التي قد تنجم عن زيادة كبيرة وشاملة في الرواتب، مثل التضخم الذي قد يرافق زيادة الاستهلاك وثبات الإنتاج. حيث أن زيادة الرواتب بشكل عام قد تحدث رد فعل كبير السوق وتحتاج إلى وقت إلى تلافي آثارها بطريقة سليمة، بالإضافة إلى الفائدة المرجوة منها قد لا تكون كبيرة إذا لم يرافقها زيادة في الإنتاج.

ومن هذا المنطلق، يرى الدكتور محمد أن الحل الأفضل لتحسين السوية المعيشية يتمثل في تنشيط عجلة الإنتاج وزيادته في الفترة القادمة. مشيراً إلى أن زيادة الإنتاج ستعزز من فعالية أي زيادة لاحقة في الرواتب، وتضمن أن الفائدة منها ستكون ملموسة.

وبمعنى آخر، كي تكون الزيادة في الرواتب فعالة، يجب أن تقترن بجهود لزيادة الإنتاج وتحفيز القطاع العام، بحيث لا تؤدي إلى تضخم يلتهم القوة الشرائية الجديدة.

تداعيات زيادة رواتب القطاع العام على القطاع الخاص

وفقاً للتحليلات الاقتصادية، فإن الزيادات الكبيرة في رواتب القطاع العام قد تخلق فجوة واضحة بينها وبين رواتب القطاع الخاص، مما قد يدفع الكفاءات للتحول من القطاع الخاص إلى العام، بحثاً عن استقرار وظيفي وأجور أعلى.

ولتجنب هذا السيناريو، يؤكد الدكتور محمد على أهمية زيادة الرواتب في كلا القطاعين، بشرط ألا تؤدي إلى زيادة في تكاليف الإنتاج في القطاع الخاص، وهو ما قد يؤثر سلباً على الأرباح في حال ثبات مستوى الإنتاج، ويخلق تحديات جديدة تؤثر على استمرارية وجودة منتجات الشركات الخاصة.

هل تمتلك الحكومة الموارد اللازمة لزيادات الرواتب الكبيرة؟

تُثير الزيادات الكبيرة في رواتب القطاع العام في سوريا تساؤلات حول قدرة الحكومة على توفير التمويل اللازم لها. فبعد الزيادة، ستواجه الحكومة عجزاً إضافياً في فاتورة الرواتب والأجور يبلغ 75 مليون دولار شهرياً، وذلك على اعتبار أن عدد العاملين في القطاع العام السوري البالغ 1.25 مليون عامل حسب تصريح وزير المالية في الحكومة الانتقالية السابقة محمد أبا زيد، ويتقاضى كل عامل راتباً قدره 30 دولاراً وسطياً، وبعد الزيادة سيصبح 90 دولاراً.

ومن الجدير بالذكر، أن مرسوم زيادة الرواتب الأخير في سوريا قد منح صلاحية تمويل هذه الزيادة لوزير المالية، الذي يمتلك خيارين، من وجهة نظر قوانين الاقتصاد، لتغطية هذا العجز في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

خيارات التمويل المتاحة

يتمثل الخيار الأول، وهو الأكثر احتمالية في ظل شح الموارد، بطباعة المزيد من العملة المحلية، الأمر الذي سيزيد من المعروض النقدي في السوق دون وجود زيادة مقابلة في السلع والخدمات، مما سيؤدي بشكل مباشر إلى تدهور قيمة الليرة السورية وارتفاع معدلات التضخم، حيث ستصبح الواردات الأساسية من الغذاء والوقود أكثر تكلفة.

أما الخيار الثاني وهو الأكثر منطقية، فيتمثل بالاعتماد على المنح والمساعدات الدولية، مثل المنحة القطرية، التي ستدعم توافر العملة الأجنبية في خزينة الدولة وتجنبها اللجوء إلى خيار طباعة العملة المحلية وتداعياتها. أما الناحية السلبية في هذا الخيار فهي أنه يعتمد على التزام دولي قد لا يكون مضموناً على المدى الطويل، مما يجعل الاعتماد عليه بشكل كامل أمراً محفوفاً بالمخاطر.

تجارب مشابهة

تُقدم تجارب دول مجاورة مرت بظروف اقتصادية مشابهة لما تمر به سوريا حالياً دروساً هامة يمكن الاستفادة منها. ففي لبنان، أدت زيادة الرواتب دون إحداث إصلاحات هيكلية عميقة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية القائمة.

بينما في العراق، ساهم الاعتماد على المساعدات الخارجية في تحقيق استقرار مؤقت للرواتب، لكنه لم يُقدم حلولاً جذرية للمشاكل الاقتصادية الأساسية. في حين أظهرت تجربة الأردن أن التدرج في الإصلاحات الاقتصادية بالتزامن مع الحصول على الدعم الدولي يمكن أن يحقق نتائج أكثر استدامة وفعالية على المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: زيادتان على الرواتب والمعاشات في سوريا بمرسومين رئاسيين

في الختام، يعتمد النجاح في تحقيق الأهداف المرجوة من زيادة الرواتب في سوريا بشكل حقيقي على طريقة إصدار هذه الزيادات وقدرة الحكومة على السيطرة على التضخم وتحفيز الاقتصاد الحقيقي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى